خـواطر انتخابية

طارق حجي

الثلاثاء, 05 يونيو 2012 09:11
بقلم: طارق حجيِّ.

< أعتقد ان معظم الذين صوتوا للسيد عبد المنعم أبو الفتوح سيعطون أَصواتهم في الجولة الثانية للسيد محمد مرسي. كما أعتقد ان معظم الذين صوتوا للسيد عمرو موسى سيعطون أصواتهم في الجولة الثانية للسيد أحمد شفيق,

أما الذين أعطوا أصواتهم للسيد حمدين صباحي فسيمتنع قسم كبير منهم عن التصويت، وسيعطي آخرون منهم أصواتهم للسيد محمد مرسي فيما يعتبر تطبيقاً للمثل الإنجليزي «إطلاق الإنسان  للرصاص على قدمه». وهذا التحليل  يقود لاعتقاد كاتب هذه السطور بحصول كلٍ من السيد/ محمد مرسي والسيد/ أحمد شفيق على عددٍ متقارب من الأصوات  كما حدث في الجولة الأولى. ولكن هناك جبهة ثالثة هي التي ستحسم الصراع على منصب رئيس الجمهورية. وأنا هنا أتكلم عن 25 مليون مصرى لهم حق التصويت ومع ذلك لم يقم أي منهم للإدلاء بصوته في الجولة الأولى. انهم أولئك الذين يقال عنهم (حزب الكنبة). واذا التزم هؤلاء الصمت كلية ، فسيحصل محمد مرسي وأحمد شفيق على أصوات شبه متماثلة. وأما إذا شارك كثير منهم فسوف يفوز بالرئاسة (كما أعتقد) السيد أحمد شفيق. لماذا؟ لأن معظم هذه الأغلبية الصامتة السلبية ليسوا من الإسلاميين؛ فالإسلاميون لا يملكون رفاهية مقاطعة الانتخابات. فنظامهم وثقافتهم يقومان على الطاعة العمياء. فإذا صدرت لهم الأومر بالتصويت، لم يتقاعس أي منهم عن الذهاب للدائرة الانتخابية والإدلاء بصوته. إذا، منصب الرئاسة في مصر متوقف على الملايين الخمسة وعشرين الذين لم يقم أي منهم بالمشاركة في الجولة الأولى. وأظن شخصياً ان عدد المشاركين في الجولة الثانية سيكون مابين ثلاثين وخمسة وثلاثين مليون

ناخب. وإذا حدث ذلك فإن فوز السيد أحمد شفيق بالرئاسة سيكون مؤكداً.
أصاب الطموحُ السياسي عدداً من المصريين بلوثةٍ. فظن كثيرون أنهم مؤهلون لخوض المعركة من أجل منصب الرئاسة الأول. وخلال الشهور القليلة الماضية رأيت الأعاجيب. ولكن تبقى أعجوبة الأعاجيب هذه القصة: سيدة مصرية مسيحية تعمل أستاذة بجامعة أجنبية في مصر خدعها الوهم وصور لها (دون أن يكون ذلك صحيحاً) ان كاتب هذه السطور يستطيع مساعدتها في التقرب من السيدين/ محمد مرسي وأحمد شفيق. وعندما أوضحت للسيدة المذكورة أنني لا أعرف السيدين الفاضلين محمد مرسي وأحمد شفيق بأي شكل من الأشكال، لم تصدق واسترسلت في طلبها ان أساعدها لتكون نائباً لرئيس الجمهورية (هكذا؟؟). شرعت السيدة «م» في تلقيني ما يجب ان أقوله لكل من المرشحين الفاضلين! قالت لي: اشرح لهما أن اختيار نائبة رئيس الجمهورية امرأة سيعطي كل منهما صبغة حضارية! ثم أضافت: وإذا كانت هذه السيدة التي تصبح نائبة الرئيس «مسيحية» فسيضفى ذلك على الرئيس القادم قبولاً من جميع المتحضرين من العالم بأسره. ثم أكملت: وإذا أضفنا لذلك كون السيدة نائبة الرئيس القادم أستاذة علوم سياسية، فإن الصورة تكون واضحة! ثم قالت: أرجو أن تكون رسالتك لهما إنني لست بحاجة لأي منهما، وإنما هما المحتاجان لي! هذه السيدة كانت قد أغضبت قداسة البابا شنودة الثالث الراحل، فأمر مكتبه
بعدم استقبالها. فلجأت لي (نفس السيدة) لتقديمها لقداسة البابا في لقاء خاص للاعتذار له عن مواقف طفولية كانت قد اقترفتها. وقد اصطحبتها معي منذ سنوات لمقابلة البابا الراحل بدير الأنباء بيشوي في وادي النطرون، وجعلته يصفح عنها. بعد اللقاء أنبأني البابا أنه لم يكن غاضباً من السيدة المذكورة وإنما يشعر بالغثيان لأنها تكون قبطية عندما تحتاجه وتكون بروتستينية عندما تحتاج الأمريكيين، وتكون شديدة الانتقاد للكنيسة عندما تتحدث مع السلطة التي كانت قد عينتها وقتها عضوة بمجلس الشعب. بعد اللقاء الأخير، أدركت ان بعض الصفات الشخصية لا تزول مهما تقدم أصحابها فى العمر. فصاحبتنا (مثل كثيرين في واقعنا) لا تعرف ان المناصب الكبرى والقيادية يجب ان تكون لأصحاب القدرات، ولكنها تعتقد ان كل شئ يتأتى بالصلات والعلاقات. وللأسف، فإن هذا ما جعل كاتب هذه السطور يكرر منذ سنوات أن النجاح المحلي في دولة مثل مصر يكون غالباً بلا معنى وغير مؤسس على أرضية موضوعية، على خلاف النجاح الدولي الذي حققه رجل مثل نجيب محفوظ وأحمد زويل وفاروق الباز ومحمد البرادعي. فالنجاح الدولي أقرب للموضوعية. أما النجاح المحلي فقد حققه كثيرون عن طريق العلاقات الشخصية والصلات.   
العبقرية الشعبية المصرية (كما يكرر العلامة الدكتور يحيي الرخاوي) «ليس لها حل»! ويمكن ان تكون هذه العبارة مقدمة لآلاف القصص والأمثلة، ومن بينها ما يتداوله المصريون اليوم على شبكة الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي حول السيدين/ شفيق ومرسي. فالمصريون يختزلون خبرات القرون عندما يقولون إن ارتداء البلوفر لأربع سنوات هو رحمة مقارنة بارتداء الجلباب القصير لعقود وقرون؟.
في المجتمعات الراقية، لا ينام الخاسر في الانتخابات قبل ان يقوم بتهنئة الفائز. وقد فعلها في واقعنا الراهن الكبيران المتحضران حمدين صباحي وعمرو موسى، إذ عبرا بشكل متمدن عن قبولهما نتيجة الجولة الأولى. وهو سلوك متحضر ومتمدن ومتسم بالرقي. ومما يؤسف له أن تاريخ جماعات تحت الأرض والعنف وأحادية النظرة لم يسمحوا للسيد عبد المنعم أبو الفتوح أن يسلك هذا المسلك المتمدني.