رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكمة المصريين

طارق حجي

الثلاثاء, 29 مايو 2012 09:00
بقلم: طارق حجيِّ.

الدرس الذى أعطاه الشعب المصري للعالم بأسره في أول انتخابات رئاسية حرة تجري في مصر كان هو ذلك الدرس البليغ المعبر عن فطنة وحكمة وعمق نظر هذا الشعب. فقد اكتشف الشعب المصري بعد مراقبته للإخوان المسلمين وأتباعهم وهم يمارسون السلطة التشريعية كأغلبية كم أنهم أبعد ما يكونون عن المثالية المدعاة، بل وأبعد ما يكونون عن الكفاءة وعن القدرة على قيادة وطن عظيم مثل مصر.

شهور قليلة من الأداء البرلماني هابط المستوى كانت كافية لكي يدرك المصريون ان هؤلاء الذين خرجوا «من الليمان إلى البرلمان» إنما يفتقدون لكل المؤهلات والقدرات المتطلبة لخدمة هذا الشعب. فرغم الموارد المالية الغفيرة (وكثير منها من مصادر لا يمكن أن تريد الخير لمصر) ورغم القدرات التنظيمية، فقد فشل مرشحوا التيار الإسلامي في الحصول على النتيجة التي كانوا ينشدونها. ولا يساورني شك ان استمرار الإسلاميين في العمل السياسي سيهبط بمكانتهم وحصتهم من الكعكة السياسية إلى أصغر قدر.
< فرغم كل المحاولات التي قام بها الإسلاميون لتلويث السيد/ أحمد شفيق والنيل من مكانته ومصداقيته، فقد تمكن من أن يحصل على ما يؤهله لخوض جولة الإعادة والتي أتوقع أن يكون الفائز من خلالها برئاسة الجمهورية.
< وإذا قال قائل إن وصول أحمد شفيق لمنصب رئيس جمهورية مصر العربية يعني هزيمة الثورة، فسنقول له ان هذا كلام يقال للعوام وأنصاف المتعلمين (من أنصار التيارات الإسلامية). أما إذا قيل لأصحاب العقول الحرة فإن  ردهم سيكون كالتالي: إن فوز أحمد شفيق بالرئاسة لا يمحو أن الثورة قد أنجزت ما يلي كحد أدنى من الإنجازات:
أولاً: تخلص مصر من حسني مبارك الذي كان أكبر وصمة عار في واقع وتاريخ هذا البلد العظيم. 
ثانياً: تخلص مصر من جمال مبارك وإجهاضها لمشروعه المهين لمصر وكل المصريين، وتحطيمهم لحلف السلطة والثروة المدنس الذى جعل قرار مصر بيد ثلة من الساسة الفاسدين والتجار الملوثين (بفتح الواو وبكسرها أيضا).
ثالثاً: تخلص مصر من الإطار الدستوري الذي كان ليسمح لرئيس الجمهورية بالبقاء في منصبه لسنوات وعقود لا ينهيها إلا زيارة ملك الموت للسيد الرئيس، فأحمد شفيق وغيره لن يكون بوسع أي منهم ان

يبقى رئيسا لمصر لأكثر من ثماني سنوات اي كانت المبررات.
رابعاً: إن مصر قد خلقت مناخاً جديداً لا ينجو فيه أحد من المسألة والمحاسبة والتى قد تجره لقاعات المحاكم وزنازين السجون.
خامساً: إن مصر وان تكن لم تتخلص بعد من داء تضخيم وتقديس ذات الرئيس لحد يقرب من  التأليه، فإنها قد شرخت ذلك التراث السقيم. كل هذا أمر واقع لا ينقضه وصول أحمد شفيق لمنصب رئيس مصر.
< إن حكمة الشعب المصري العظيم قد جعلته يدرك أن الإخوان المسلمين لم يتم نضجهم الســــــياسي وإنهم لا يزالون جماعة دعوية (جاءت للحياة السياسية كما أســــلفت «من الليمان للبرلمان»)، وأنهم ان تمكنوا من مقاليد الأمور في مصر، فإنهم لم يسمحوا بترك الحكم أبداً. وهذا هو الواقع الذي تعلمه المصريون من تجربة حماس في غزة. ولو كان الإخوان المسلمون يؤمنون حقيقة بتداول السلطة لما تصرف نوابهم وقادتهم خلال نصف السنة الأخيرة بالكيفية التي تصرفوا بها، تلك الكيفية التي جعلت صبية من جماعة الإخوان يقولون إن من حقهم أن ينفردوا بكل الأمـور فهذا (كما قال: ص. ح) هو حقهم ووسيلتهم الوحيدة لإقامة مشروعهم التاريخي (الخلافة وتطبيق الشريعة).
< لقد كان كاتب هذه السطور يكرر دائماً (ولسنوات) أنه لو أتيح للشعب المصري ان يراقب الأداء السياسي للإخوان المسلمين لسنة واحدة، لقد كان ذلك كافياً لكي يدرك هذا الشعب العظيم والحكيم أن الإخوان المسلمين لا يمكن ان يكونوا قادرين على تحقيق النهضة المرجوة. فالنهضة المنشودة تتحقق بأداتين لاثالث لهم: بالعلم وتقنيات علوم الإدارة الحديثة، وكلاهما لا يمكن ان يكون متوفراً عند الإخوان المسلمين، فقد رأيناهم ورأت الدنيا بأسرها «معدنهم» الذى لا علاقة له بالعلم والإدارة، ناهيك على سيطرة خرافات تاريخية على منظومتهم الفكرية.
< ومــن روائع حكمة وفطنة الشعب المصـري العظيم أن يعرف كنه مرشح مثل السيد عبد المنعم
أبو الفتوح، فالرجل لم يكن فى أي يوم من الأيام إلا إخوانجياً صرفاً. ولكن الشعب المصرى أدرك ان الطموح الشخصي للسيد عبد المنعم أبو الفتوح قد تعارض مع الولاء لحزبه، فإذا به يؤثر طموحه عن ولائه الحزبي. وكانت المناظرة بين السيدين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح كافية لكي يقرر المصريون سحب ثقتهم بالرجلين. فأحدهما طاووس والآخر كتلة ملتهبة من الغل..  ناهيك عن إدراك المصريين ان محاولة السيد عبد المنعم أبوالفتوح لكي يبدو معتدلا إنما كانت وهما لم ينطل على أحد، فمذكرات السيد عبد المنعم أبو الفتوح المنشورة 2010 تعلنها جهاراً نهاراً ان السيد عبد المنعم أبو الفتوح كان ولايزال من أكثر الأصولين الإسلامين تشدداً وتعصباً. بل أن (ببساطة) لم تطاوعة نفسه على وصف قتلة الرئيس السادات بالوصـف الوحيد الصائب وهو أنهـــم قتلة ومجرمون وأرهابيون، ناهيك عن غبائهم السياسي، فهم اللذين ورطوا مصر فى اللص غير الشريف حسني مبارك لثلاثة عقود.  
< وقد قرر المصريون فى يومي 23 و24 مايو 2011 أمام العالم ما يرسخ اتسامهم بالفطنة والذكاء والحكمة والقدرة على قراءة الأشخاص وإصدار الأحكام على من يحاولون أن يقدموا أنفسهم كمنقذين لهذا الوطن الجريح، بينما تدل كل الشواهد على أنهم قادرون فقط على سحب هذا الوطن من القرن الحادي والعشرين الميلادي وإلقاءه في ظلمات القرون الوسطى. ورغم ان السيد أحمد شفيق قد حصل على أصوات تماثل ما حصل عليه السيد محمد مرسي إلا ان الفارق يبقى كبيراً جداً. فوراء محمد مرسي قدرات تنظيمية وموارد مالية (مريبة) هائلة.. ووراءه حزب تمرس على العمل تحت الأرض لعقود طويلة ووظف المليارات (وكثير منها خليجي) من أجل إنجاح السيد مرسي، اما السيد احمد شفيق فلم يكن وراءه حزب مماثل وإنما فقط شخصية حازمة استشف المصريون من خلالها أنه الرجل الذي سيكون بوسعه تحقيق المراد الأول وهو الأمن، حتى لو اقتضى الأمر أن يضرب بيد من حديد كما فعلت القوات المسلحة عندما اقتضى الأمر ذلك في ميدان العباسية منذ أسابيع قليلة. ولو لم تفعل القوات المسلحة ما فعلته يومها لكانت مصر اليوم غارقة في الفوضي العارمة والعنف والجرائم. فماذا يبقى لوطن إذا اقتحم الدهماء مقر وزارة الدفاع فيه؟
وأحب ان أختم هذا الحديث بنصيحة للسيد شفيق بألا يظهر تهاون في محاكمة رموز الفساد السياسي والمالي لعهد المخلوع الذي كان هو وعهده إهانة كبرى لمصر.. كما أنصحه بألا يسمح بتكرار تجربة زواج السلطة والمال الذى أوجده الطفل الكارثي جمال مبارك. فرجال الأعمال ليس لهم دور إلا التفرغ لأعمالهم أما السياسة وإدارة المجتمع فهما أمور أجل وأعظم من ان يشارك فيها تجار وصناع سيراميك وأبسطة (سجاد) وقمصان!!