هوامش وملاحظات..

طارق حجي

الاثنين, 21 مايو 2012 22:20
بقلم: طارق حجى

أولاً: لن يحول بين خروج مصر من مسيرة الإنسانية المعاصرة شىء أكثر فعالية من انتخاب المصريين خلال الأيام القليلة القادمة لرئيس جديد يؤمن إيماناً راسخاً بالدولة المدنية وبالتعددية وبقبول الآخر وبحقوق المرأة الكاملة وبالتعليم العصرى القائم على الابتكار والإبداع وليس على التلقين واختبارات الذاكرة، ويؤمن بالديمقراطية بمفهومها الذى تطور فى الغرب وأخذته شعوب أخرى غير غربية مثل اليابان وماليزيا وكوريا الجنوبية. فمصر بحاجة لرئيس جديد تكون مرجعيته الأساس هى العلم والإدارة.

ثانياً: كنت أتمنى أن يلتزم الإخوان المسلمون بتعهداتهم بعدم محاولة الوصول لمنصب رئيس الجمهورية. وكنت أتمنى ألا يبدلوا موقفهم هذا قبل أن تتضح العلاقة بين رئيس من الإخوان وبين المرشد العام لجماعة الإخوان، لأن صيغة رئيس الجمهورية الذى يقبل يد المرشد العام تتنافى كلية مع نسيج المجتمع المصرى وتتعارض مع كل مفردات واقع مصر.
ثالثاً: الأمة التى تسمى رجال الدين بالعلماء هى أمة تقر وتعترف بخروجها عن مسيرة التقدم العلمي، فهؤلاء الذين يشار لهم بالعلماء (مع الاحترام لهم) يجب ألا يشار لهم إلا بتسمية رجال الدين أو علماء الدين. أما إطلاق تسمية «العلماء» عليهم فإنها تشى بأن مفهوم العلم فى بعض المجتمعات قد تآكل حتى أصبح لا يضم العلماء الحقيقيين (علماء الطب والهندسة والصيدلة والفضاء والكيمياء والفيزياء والنبات والحيوان وعلوم تكنولوجيا الاتصالات الحديثة).
رابعاً: مصر الآن بأسرها (باستثناء الإخوان المسلمين) تؤمن بأنه كان من الواجب إعداد الدستور أولاً. والآن ونحن نرى محاولات مجلس الشعب المؤدلج

للسيطرة الكاملة على الحكومة ومنصب رئيس الجمهورية والمحكمة الدستورية العليا نعرف فداحة وجسامة الخطأ الذى اقترف عندما لم يستمع أصحاب القرار لصوت العقل.
خامساً: فى معظم دول العالم لا تقوم السلطة التشريعية بكتابة الدستور، إذ يشكل ذلك بداية طغيان وتغول السلطة التشريعية على السلطتين الأخريين (القضائية والتنفيذية). وحدوث ذلك فى واقعنا سيؤدى لوضع لا تكون فيه فى الواقع ثلاث سلطات فاعلة: سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة قضائية، بل سلطة واحدة تهيمن على الوظائف الأساس الثلاث. وهو ما يؤدى لشكل جديد من أشكال الطغيان وغياب الرقابة والمحاسبة الفعالة.
سادساً: عندما كانت الصين تعمل بموجب القيم الماركسية كانت مجتمعا بدائياً فقيراً. وما إن أصبحت الصين تطبق الفاعليات التى طورتها الحضارة الغربية حتى أصبحت خلال فترة وجيزة القوة الاقتصادية الثانية فى العالم. ومع ذلك، فبعض المغامرين يصرون على إعادة اختراع العجلة ويتكلمون عن اقتصاد إسلامى وبنوك إسلامية. والحقيقة ان العلم والإدارة فى تجلياتهما الراهنة فى المجتمعات الغربية هى إنسانية أكثر منها غربية، ولا توجد على ظهر الأرض فعاليات للتقدم غيرها.
سابعاً:  مقياسان لا يخطئان فى الحكم على الأفراد والمجتمعات والثقافات والمذاهب.. أما المقياس الأول فيتصل بنظرة أى إنسان أو مجتمع أو ثقافة أو مذهب للمرأة، فالنظرة للمرأة كزوجة وأم
مكانها البيت وليس كإنسانة كاملة الإنسانية والحقوق والمستحقات هى نظرة تدمغ صاحبها فردا كان أو مجتمعا أو ثقافة أو مذهباً بالرجعية والتخلف والعجز عن اللحاق بمسيرة التقدم الإنسانى... وأما المقياس الثانى فيتصل بنظرة أى إنسان أو مجتمع أو ثقافة أو مذهب للآخر... فى حالتنا المصرية فإن الآخر قد يكون القبطى أو اليهودى أو البهائى أو النوبي. والنظرة التى تنقص الآخر حقوقه فى الاحترام وحقوقه القانونية هى نظرة تدمغ صاحبها فردا كان أو مجتمعا أو ثقافة أو مذهباً بالرجعية والتخلف والعجز عن اللحاق بمسيرة التقدم الإنساني.
ثامنا: قاطرتان أتمنى أن يأتى رئيس جـــــــديد ويحسن استعمالهما... والقاطرتان هما الوســــــــيلتان الوحيدتان لإلحاق مصر بالعالم المتقدم. أما القاطرة الأولى فهى قاطرة «تقنيات الإدارة الحديثة»... وهى قاطرة ذات مردود كبير وعلى المدى القصير والمتوسط والبعيد. وأما القاطرة الثانية فهى قاطرة «التعليم العصرى القائم على الإبداع». ورجال القاطرة الأولى هم من المصريين أصحاب الخبرات العالمية. فلا توجد تقنيات إدارة عصرية وفعالة إلا فى المجتمعات الأكثر تقدما وفى المؤسسات العالمية فى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا ونمور آسيا. أما خبراء التعليم المدركون لعيوب ومثالب مؤسساتنا التعليمية فهم قليلون ومنهم عملاق مثل الدكتور مراد وهبة والدكتور كمال مغيث اللذان بوسعهما وضع الخطوط العامة لفلسفة تعليمية تفعل العقل النقدى والقدرات الإبداعية بما يضمن لحاقنا بركب الإنسانية المتقدمة. منذ سنوات وخلال عضويتى بالمجلس الأعلى للتعـــليم فى أبو ظبى اكتشفت سـهولة الرقى بمؤسسات التعليم: فكل المطلوب هو التخلى عن أية أيديولوجية ثم اتباع ما طبقه الآخرون الذين صار بحوزتهم نظم تعليم هى الأرقى فى عالمنا المعاصر وهى بالترتيب: فنلندا ثم سنغافورة ثم اليابان.. وإذا صاح صائح: وأين خصوصيتنا الثقافية؟ فعلينا أن نوضح له أن خصوصيتنا فى مجال التعليم هى التخلف المفرط وانحدار وانهيار المستويات! فإن كانت هذه هى الخصوصيات الثقافية، فلتذهب للجحيم.