رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هـوية في خطر

طارق حجي

الأربعاء, 18 أبريل 2012 08:51
بقلم: طارق حجيِّ.

<   شبه الكاتبُ النرويجي الشهير هنريك إبسن هوية أي شعب بثمرةِ البصل التي تتكون من العديد من الرقائق . وبهذا المفهوم الصادر عن أحد أعظم العقول الأدبية الأوروبية في العصور الحديثة والمعتمد من مفكري الإنسانية المتحضرة ، فإّن الهوية المصرية هي أيضاً (مثل البصلة)

تكونت من رقائقِ عدة . فهناك العديد من الرقائق التي مصدرها مصر القديمة التي استمرت حضارتها لنحو ثلاثين قرناً متصلة. وهناك العديد من الرقائق النابعة من الحقبة القبطية، عندما كانت مصرُ بأكملها مجتمعاً مسيحياً شرقياً. وهناك رقائق لا تحصى مصدرها مصر الإسلامية ومصر المتكلمة باللغة العربية. وهناك رقائق أخرى عديدة مصدرها مصر الحديثة التي أسسها محمد على الذي حكم مصر من 1805 إلى 1848، واستمرت دولته لأكثر قليلاً من قرن بعد وفاته. وهناك أخيراً الرقائق العديدة التي أنتجها موقع مصر الجغرافي كمجتمع من مجتمعات البحر المتوسط  بوجه عام، وكمجتمع من مجتمعات شرق البحر المتوسط بشكل أكثر خصوصية.
هذا التكوين المركب هو حقيقة تاريخية وجغرافية لا شك فيها . وهذه الحقيقة لا تحتوي على تناقضات . فالعقل البدائي والبسيط هو فقط الذي يرى التناقض في الظواهر المركبة.
هذه الهوية المصرية الثرية والرائعة والبديعة والعامرة بثمارِ عديدةِ من ثمارِ التلاقح الحضاري والثقافي هي اليوم معرضة لتدمير منهجي ومقصود  لذاتها ومكوناتها، ولتعدد رقائقها العاكس لأهم الفوارق بين المجتمع المصري ومجتمعات أخرى محيطة شديدة الفقر الحضاري والثقافي  بسبب أحادية أبعاد مكوناتها.
إن تيار الإسلام السياسي المنتشي اليوم لأنه على وشك الاستحواذ على مقاليد الأمور في مصر بقدر ما أنه حقيقة من حقائق الواقع المصري، فإنه أيضاً مصدر خطر داهم على الطبيعة المركبة للهوية المصرية  القائمة على تعددية ثرية.   
< فبسبب هيمنة المدارس الفكرية المحافظة على معظم  العقول المسلمة المعاصرة (مع استفحال شأن المذهب الحنبلي وطروحات ابن تيمية وابن قيم الجوزية والدعوة الوهابية وسائر التيارات السلفية) فإن احتمال شيوع وذيوع موجة ثقافية معادية للأبعاد غير الإسلامية من أبعاد الهوية المصرية هو احتمال وارد وشديد الخطورة. ويكفي ما يردده البعض عن آثار الحضارة المصرية القديمة الأروع بين الحضارات الإنسانية. وبمحازاة ذلك، فإن شيوعَ قيمٍ مضادة ومعادية للآخر (أيا كان شكل وكنه هذا الآخر) هو أمر وارد ومحتمل وشديد الخطورة على  طبيعة الهوية المصرية القائمة على التعددية.
< وأخشى ما أخشاه أن يتولى التيار السياسي إعادة صياغة برامج التعـــــليم في مصَر بشكل يعُلي من شأن البعد الإسلامي/ العربي، في الوقت نفسه الذي يدمر فيه الأبعـاد الأخرى. وهذا الاحــتمال (المدمر) غير بعيد عن الواقع في ظل وجود مجلس تشريعي (برلمان) يسيطر عليه تيار واحد يهيمن على لجنة التعليم بنسق فكري لا شك في كونه مضاداً للتعددية الثقافية ، ولا شك في

أنه سيكون شديد الاهتمام بالبعد الإسلامي/ العربي وفي الوقت نفسه قليل العناية بالأبعاد الأخرى (وهو موقف متوقع من أي جهة ثيوقراطية).
والمؤسف ان هذا التوجه لخدمة هوية أحادية البعد قد بدأ بالفعل ومنذ سنوات مع زيادة غلبة التفكير الديني (الإسلامي) على عقول القائمين على التعليم في مجتمعنا. ويكفي مثال واحد للتدليل على هذا القول وهو ما حدث لمقررات تعليم اللغة العربية وآدابها. فعوضاً عن تقديم ثمار أدبية يانعة لقامات مثل أحمد لطفي السيد وطه حسين والعقاد والمازني وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ونزار قباني والسيابّ وميخائيل نعيمه وعشرات غيرهم، تحولت موادُ اللغة العربية إلى دروسٍ دينيةٍ بحيث أصبح من الصعب معرفة هل هذه مقررات مواد اللغة العربية وآدابها أم أنها مقررات مادة الدين الإسلامي.
يصف المفكر والأديب اللبناني المعروف أمين معلوف أية هوية أحادية البعد بإنها هوية قاتلة . وهذا وصف دقيق وصائب. فأية هوية أحادية البعد في زماننا هذا مرشحة للصدام مع قيم التعددية وقبول الآخر وإعلاء قيمة العقل النقدي ناهيك عن التضاد مع جوهر فكرة الإنسانية بمعنى اشتراك الحضارات والثقافات المختلفة في أفق أعلى هو أفق الإنسانية. وأقول لمن يكرر مقولة: «ولكنها إرادة الشعب». لهؤلاء أقول: إن إرادة الشعب الألماني هي أيضاً التي جاءت منذ ثمانية عقود بأدولف هتلر لسدة الحكم في ألمانيا ، وهو ما كلّف البشرية حروباً ومجازر أودت بأرواحِ أكثر من خمسين مليون إنسان. وهو مثال يسوّغ لنا نقد الحقبة الثقافية الراهنة في مصر والتي تهدد المكونات غير الإسلامية للهوية المصرية وتـنذر بتحولنا إلى مجتمع أحادي الهوية (كمجتمعات الرمال المحيطة بنا) حتى لو كنا قد وصلنا لما وصلنا إليه بفعل الإرادة الشعبية . فالخطأ (كما قال فولتير) يظل خطأً حتى لو كرره الف ألف إنسان.