رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اغتيال الطبقة الوسطي

طارق حجي

الجمعة, 27 يناير 2012 09:04
بقلم : طارق حجي

تميزت تفسيرات الإسلام ومفاهيمه منذ نشأته وطيلة ألف ومائتي سنة بوجود تيار عام سني معتدل بمعـايير القرون الوسطـى. و بجـانب هذا التيـار العام المعتدل (بمعايير القرون الوسطى) كانت هنـاك مدارس و تيارات و تفسيرات متفاوتة ما بين الاعتدال «النسبي» والتطرف الشديد سواءً داخل المدارس السنية الكبرى

(وهو ما يمثله ابن تيمية وابن قيم الجوزية داخل التيار الحنبلي) أو من خلال تيارات (فرق) أخرى مثل الخوارج والقرامطة وغيرهما من المذاهب السرية. ولكن كانت التفسيرات المعتدلة (نسبيا) للإسلام هي التي بقت وراء عجلة (معظم)المجتمعات الإسلامية. ورغم أن التيار العام و الأساس في تفسيرات الإسلام كان هو التيار المعتدل (نسبيا) طيلة اثنى عشر قرناً من الزمان، إلا أن المهم للغاية إبراز أن هذا التيار قد تلقى خلال القرنين الحادي عشر و الثاني عشر الميلاديين ضربة كبيرة للعقلانية عندما انحازت الطبقة السياسية الحاكمة (منذ عهد الخليفة العباسي الثامن) ومعها فلول رجال الدين بل والطبقات المتعلمة لمدرسة النص أو لمدرسة النقل وأعطت كبيرها (أبا حامد الغزالي) لقب «حجة الإسـلام». وفي المقابل أحرقت مؤلفات رائد مدرسة العقل (ابن رشد). فبينما كان الغزالي يرى أن الحدس (Intuition) وليس العقل هو القادر على بلوغ حقائق الأشياء، كان ابن رشد (تلميذ و مترجم و شارح أرسطو) يقول بعكس ذلك ويعلي من قيمة العقل كما فعل أرسطو قبله بقرون. وقد هيأت هذه الضربة (للعقلانية) المناخ العام لما سيحدث بعد ذلك من استشراء الأفكار المستقاة من فقـه وكتابات أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية. ومنذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي أضيفت قيمة كبرى لتيار كان هامشـيا وغير ذائع وذلك عندما وجدت دولة أقامت نظام الحكم والقضاء فيها على تفسـير بالغ التشدد للإسـلام (وأعني النظام السياسي الذي انبثق عن اتفاق 1744 م بين حاكم الدرعية محمد بن سعود و قاضيها محمد بن عبد الوهاب الذي اليه تنسب الوهابية).
ومعلوم ان قيادة العقل المسلم في العالم خلال القرنين الأخيرين قد انتقلت من يد مدرسة الاعتدال إلى يد مدرسة التشدد على مرحلتين ومن خلال بوابتين: البوابة الأولى هي تأسيس نظام سياسي يستمد شرعيته من التفسيرات المتشددة للإسلام. أما البوابة الثانية فهي تدفق أموال وثروة غير مسبوقة على مدرسة التفسيرات المتشددة للدين وفي نفس الوقـت حدوث تراجع كلي في المسـتويات السياسـية والاقتصادية والثقافية والتعليمية بمجتمعات التفسيرات المعتدلة

للإسلام.
كانت تلك هي صورة بانورامية لما حدث في عالم فهم المسلمين للإسلام خلال ألف وربعمائة سنة وما شاهده القرنان الأخيران من تصاعد نجم التفسيرات المتشـددة و تراجع مكانة التفسيرات المعتدلة بسـبب ضفيرة العوامل الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والِقيَمية والثقافية والتعليمية والاجتماعية مع حضور طاغٍ للثروة الجديدة التي حلت بشكلٍ وحجمٍ غير مسبوقين في التاريخ الإنساني.
إذا تمثلنا هذا الإطار العام ثم تذكرنا ما الذي حدث بمصـر خلال الفترة اللاحقـة لـ 23 يوليو 1952، فقد تكتمل دراماتيكية الصورة. ففي ظني أن جوهر الحلم السياسي لمشروع 23 يوليو 1952 كان هو توسـعة الطبقة الوسـطى المصرية. وهو حلم نبيـل و جليل بكل المعاني، إلا أن النبل الذي أسبغه أنا وغيري كثر، يري كثيرون - ومنهم كاتب هذه السطور -  صعوبة إسباغه على تجربة تحقيق وتطبيق الحلم. بمعنى أن نظام 23 يوليو 1952 لا شك قد ورث طبقة وسـطى مصـرية (بمكونات الطبقة الوسـطى الثلاث: الوسطى الدنيا و الوسطى الوسطى والوسطى العليا) رفيعة المسـتوى ثرية التكـوين ولكنها كانت طبقة وسطى ضئيلة ونحيلة. وكانت تحتها طبقات أخرى تعيش خارج التاريخ والتمدن والكرامة الانسانية. إذاً كان الحلم الأكبر هو توسعة كبيرة في حجم وأعداد ورقائق الطبقة الوسطى. هل حدث ذلك؟ الإجابة تكون بـ «نعم» و«لا» في آنٍ واحد. فمن الناحية الكمية، حدثت توسعة هائلة في حجم الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة في مصر. ولكن هذا لم يواكبه رقي كيفي، بل واكبه انحدار وتدهور شديدين فى «الكيف». فقد حدث انهيار شبه كلي في كافة المستويات وهو الانهيار الذي يجسده الفارق بين مسـتوى جـامعة القـاهرة اليوم ومستواها بين جامعات العالم منذ ستين سنة.
في ظل هذه المتغيرات الكبرى: انتقال قيادة عربة الإسلام من يد مدرسة الاعتدال ليد مدرسـة التشـدد، وفي نفـس الوقت حدوث تراجع في المسـتويات المعرفية والثقافية والتعليمية للطبقة الوسـطى المصـرية (درة الطبقات الوسـطى في المنطقة العربية خلال عالم ما بين 1900 و1950) - في ظل هذين المتغيرين العملاقين، أصبحنا أمام واقع جديد لا توجد فيه طبقة وسطى
كبيرة تدافع عن الإسلام المصري المعتدل الذي شاع وذاع في مصـر لقرابة ألف وثلاثمائة سنة.
ومن النتائج السلبية لتراجع المستويات الكلية للطبقة الوسطى، أن هذه الطبقة تفقد مكانتها كنموذج يحتذى. والاحتذاء هنا قد يكون سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً. وقد كانت الطبقة الوسطى العليا في مجتمع مثل مصر ما قبل 1952 تقوم بوظيفتين: فكانت من جهة تنظر بتقدير ورغبة في المحاكاة للطبقات الأعلى منها بما فيها اللفيف الأجنبي الذي كان موجوداً في مصر، كما أنها كانت هي في حد ذاتها النموذج الذي تنظر له الطبقات الأدنى بإعجاب و رغبة في المحاكاة.
و يمكن القول أن الفن بشتى مجالاته و السينما بالتحديد و الغناء كانت كلها مرايا تعكس هاتين الوظيفتين. وكإنسان مهتم بالتحليل الفيلولوجي والسوسيولوجي للغة، فأنني أكاد أجزم أن اللغة العربية العامية المستعملة في مصر تشهد على صحة التدهور الذي أشير إليه هنا. فبينما كانت اللغة قبل ستين سنة تعكس محاكاة كل طبقة من طبقات المجتمع للطبقات الأعلى منها، فقـد تبدل الأمر اليوم وأصـبحت المفردات تنبع من أدنى طبقـات المجتمع وتصعد لأعلى في حركة مناقضة لحركة تطور اللغة من ستين سنة.
وفي اعتقادي أن نظام ما قبل 1952 لو كان قد نجح في توسعة الطبقة الوسطى المصرية بنفس مستوياتها المعرفية والثقافية و التعليمية الرفيعة لما أحرزت مدرسة التشدد في تفسير الإسلام ما أحرزت من نجاح، و أهمه توغلها الكبير في الثقافة المصرية والعقل المصري والذي هو (بالنسبة لمدرسة التشدد) بنفس أهمية نجاحها في نشر أفكارها من مغرب الأرض لمشرقها.
في كل الأديان يوجد دعاة لأفكار منافية لخط ومسار التمدن الإنساني. ففي اليهودية ما يمكن أن تكتب عنه كتباً بأكملها. وفي التـاريخ المسـيحي ما يمكن أن تكتب عنه موسوعات . ولكننا اليوم أمام دعاة يهود ودعاة مسيحيين (في بعض الحالات) متشددين، إلا أن أعداد الذين يتبعون أفكارهم قليلة، وهو ما لا يجعل منهم مشكلة كبيرة للإنسانية. أما على الناحية الإسلامية فإن هناك دعاة معتدلين لهم قلة من الأتباع، ودعاة متشددين لهم كثرة من الأتباع. وكنت دائماً أفسر كثرة أتباع الدعاة المتشـددين في المجتمعـات الإسـلامية بالظروف السياسـية والاقتصادية والاجتماعية إلا أنني اكتشفت مؤخراً أنه تفسير ناقص غير جـامع وغير مانع. ولعل المجتمع الكويتي المعاصر يثبت ما أطرحه هنا: ففي ظل ظروف اقتصادية بالغة الثراء ينمو تيار سلفي بالغ التشدد والانعزال عن مسيرة التمدن والإنسانية. وفي ظني أن التفسـير الحقيقي لكثرة أتباع الدعاة أصحاب التفسـيرات المتشـددة للدين هو أكبر وأشمل من مجرد كلمة الفقر أو الشعور بالظلم أو الغبن أو الغضب، فالسبب الحقيقي هو انعدام وجود طبقة وسطى عصرية ذات تكوينٍ معرفيٍ وتعليميٍ عصريٍ تدافع عن قيم التقدم و المعاصرة. فوجود طبقة وسطى عصرية ذات تكوين معرفي عصري هو الضمانة الكبرى لوقف انتشـار الأفكار المتشددة التي لا تنقصها الموارد لتنتشـر وتشيع في كل المدن والقرى ليس فقط في مجتمعاتنا وإنما أيضاً في مجتمعات أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها.