رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دانــــات

طارق حجي

الأربعاء, 26 أكتوبر 2011 08:34
بقلم: طارق حجي

(1) ذكرني صديق كنت أحرر معه سنة 1971 مجلة أدبية - ثقافية (الربابة) كانت تصدر عن نادي الثقافة العربية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بستة شعراء كنا معاً نتغني بأشعارهم وهم ناظم حكمت وبابلو نيرودا وأراغون وغارسيا لوركا ومايا كوفيسكي وبول إيلوار..

هؤلاء الشعراء كانوا رفاق سنوات من حياتنا ابان حقبة لم تكن دنيا منطقتنا خلالها قد تلونت بألوان الثيوقراطية-الماضوية التي تفشت في مجتمعاتنا فأصبح الناس يقرأون فتاوي مفكر تنويري عظيم!.. مثل ابن باز ومفكرين (عمالقة!) مثل سيد قطب والسيد سابق والعثيمين ومتولي الشعراوي ومحمد الغزالي والقرضاوي ومحمد عمارة والعالم العلامة والبحر الفهامة عمرو خالد.. بينما كنا نحن منذ أربعين سنة من الضالين إذ كنا نضيع وقتنا وجهدنا مع ألبير كامو وجان بول سارتر ومارتن هايدغر وغابريل مارسيل وبرتراند رسل وجون ديوي ووليام جيمس وآلتوسير وهربرت ماركوزا وجان جينيه وفريدريش ديرنمات وماكس فريش وبول إيلوار وصمويل بيكيت ويوجين يونيسكو وجون شتاينبيك.. وعشرات غيرهم ممن لا تبلغ قامة أي منهم عشر قامة أي من أفذاذ زمانهم مثل العبيكان (وما أدراك ما العبيكان) والنجيمي وسائر العمالقة الذين يستحي أرسطوطاليس أو سبينوزا أو جان جاك روسو أو فولتير أو ديدرو أو عمانوئيل كانط أو هوبز أو لوك أن يقارنوا أنفسهم بأي منهم.. تري هل حسر موجة الماضوية ووقف مسيرة الهجرة لماض لم يوجد ببهائه ومجده المتخيلين إلا في أوهام بعضنا، ناهيك عن إمعان البعض في النأي بعقول أبناء وبنات مجتمعاتنا عن مسيرة الحداثة والرعب الهستيري من العصرنة - هل هذا قابل للأحداث؟.. أم أن المســـيرة الماضوية (بالغة الاستنارة!) ستتواصل وأن الشقة بيننا وبين مســيرة الإنسانية ســوف تتفاقم، وأننا سنواصل مسارنا صوب حـرب كونية بين فريقين: فريق الماضوية والماضــويين وملاك الحقيقــة المطلقة وحـدهم دون سواهم، وفريق الحداثة والتقــدم والعلم والأنسنة؟.. يقينا « لست أدري».
(2)
سألني دبلوماسي سعودي حضر منذ أيام محاضرة ألقيتها بجامعة ابن طفيل بمدينة القنيطرة المتاخمة لعاصمة المغرب عن تفسيري لتمسك عدد من الحكومات

العربية بحظر تدريس مادة الفلسفة بمدارسها وجامعاتها.. فقلت إن الفلسفة هي التي جعلت اليونان وروما (قديماً) صاحبتي حضارتين من أعظم الحضارات في تاريخ الإنسانية.. ونحن نتحدث هنا عن حضارتين غير ميتتين (علي خلاف الحضارة المصرية القديمة وحضارة بلاد مابين النهرين).. فالحضارتان اليونانية والرومانية حيتان اليوم من خلال حضارة الغرب (حضارة الرينيسانس وما بعد الرينيسانس).. وأضفت أن قتل الفلسفة (أو التفلسف أو التمنطق) خلال القرنين التاليين للقرن العاشر (الميلادي) في المجتمعات المسلمة والعربية هو (وحده) سبب الجمود المعرفي والتكلس العقلي والضمور البحثي الذي أدي لدخول هذه المجتمعات في طور بيات حضاري طويل وقع خلالها استعمارُها.. وفي العصور الحديثة، فإن الحضارة الغربية كانت الفلسفة هي العمود الفقريِ لهذه الحضارة.. وباختصار، فإن الفلسفة تفعل (بضم التاء وفتح الفاء وتشديد العين المكسورة وتسكين اللام) الأنشطة العقلية والفكرية، وتبث الحيوية في العقل النقدي ، وتخلق مناخاً يسمح بكل وكافة وسائر الأسئلة.. ولما كانت الأسئلةُ «مبصرةً» والأجوبةُ «عمياء»، كما كان الإغريق يقولون، فإن المجتمعات التي انتشر فيها الفكرُ الفلسفي هي التي تطورت وقادت مسيرة التمدن والتقدم الإنسانيين لما نراه اليوم والذي يلخص (ويترجَم) في تقدم علمي هائل يثمر تحسناً عظيماً في الظروف/ الشروط الحياتية للإنسان.
ولما كانت الفلسفةُ تحض علي إثارة الأسئلة، فقد كانت عدواً كبيراً لكل النظم التي لا تريد أن تصل شعوبها (عن طريق الأسئلة) لوضع قواعد الحكم والتصرف في المال العام، ناهيك عن جعل الحكاّم (في النهاية) «خدماً» للشعوب وصيرورتهم مسئولين أمام الشعب وليس أمام أحد آخر.
وفي المجتمعات العربية التي لا تزال توجد بيئاتها السياسية (حتي اليوم) في ظلام القرون الوسطي (واحياناً: ما قبل القرون الوسطي)، فإن أكثر ما يخافه الحكام هو
«الأسئلة» مثل: لماذا تحكموننا؟.. وعلي أي أساس وبموجب أية مرجعية ؟.. ومن الذي يحاسبكم؟.. وما أسس التصرف في المال العام؟.. وغيرها من الأسئلة.
ورفض تدريس الفلسفة هو سمة يشترك فيها حكام تلك المجتمعات وخدمهم وفي مقدمة هؤلاء المؤسسات الدينية التي تحض علي ثقافة الطاعة.. وتدلنا دراسةُ التاريخ أن المؤسسات الدينية كانت دوماً شريكاً أساسياً في هذا الوضع المزري.. ويكفينا أن نطالع ما ردده كبراء المؤسسات الدينية في تلك الدول العربية القرو-أوسطية ضد ثورات المجتمعات العربية الحالية، لاسيما عن ثورة شباب مصر التي جعلت حكام وفقهاء الدول العربية القرو - أوسطية لا ينامون نوماً هانئاً منذ 25 يناير 2011! 
(3)
رغم وجودَ ألف دليل علي فوائد بل وحتمية الفصل بين رجال الدين والعمل السياسي (لخطورة ذلك المروعة وعواقبه المدمرة) فقد تعلمتُ منذُ أيام أن هناك دليلاً آخر لم أكن علي دراية واضحة به، ففي أثناء مُطالعتي لعدة بحوث أكاديمية عن المُرشد الأعلي الحالي للجمهورية الإسلامية في إيران تعلمت أن جُزءاً كبيراً من هيبتهِ وسُلطتهِ وسطوتهِ أن غير قليلٍ من مُساعديه (ومنهم رئيس الجمهورية الحالي) يؤمنون بأنه يتلقي تعليمات بشكل مباشر من الإمام المهدي الغائب أي من الإمام الاثني عشر في سلسلة الإمامية الاثنتي عشرة ذات القداسة الكُبري عند الشيعة وهو الإمام محمد بن الحسن العسكري الذي اختفي ويعتقد الشيعة الإمامية أنه لم يَمُت وأنه سيعود بل ويدعون في صلواتهم ويسألون الله أن يُعَجِل عودته.. ومن الطريف أن نُقارن بين فكرة آخر الزمان عند عدةِ فِرَقٍ مسيحية تربطُ آخرِ مرحلةٍ في الزمان بإسرائيل وعودة المسيح ومعركة أرماجيدون التي تستقي جذورها من سفر رؤية يوحنا اللاهوتي وبين ما يُقابلها عند الشيعة الإمامية.. والتماثُل في الأفكار والأساطير غير محصور في هذا المثال.. فالجدل المُحتدم قبل مجمع نيقيا (325 م) حول ما إذا كان الابن مخلوقاً من الأب أم لا (وقد قال إن الابن مخلوق عددٌ من رجال الدين المسيحي في ذلك الزمان آريوس) بينما قال معارضوه إن الابن غير مخلوق، وقد طالعتُ منذُ سنواتٍ بعيدة الجدل المُحتدم بين المُعتزلة والآخرين (أهمهم الحنابلة) حول القُرآن وهل هو مخلوق أم غير مخلوق وأنا في ذهول من انتقال مفاهيم بأكملها من دينٍ لآخر.. ولعل أيضاً من أشهر الأمثلة الكثير من النظُم الصوفية - الإسلامية المأخوذة بالكامل عن رُهبان المسيحية (الخلوة أربعون يوماً.. عدم تناول طعام فيه روح.. ذكر أسماء لله هي في حقيقتها في اللغة بإحدي اللغات الثلاث «العبرية أو الأرامية أو السيريانية»).