رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محاولة لفلسفة ثورات 2011

طارق حجي

الثلاثاء, 11 أكتوبر 2011 17:46
بقلم: طارق حجي

عرف المسلمون ازدهاراً معرفياً كبيراً خلال القرون الأربعة التي تلت القرن السابع الميلادي، إذ ترجمت مئات الكتب اليونانية لاسيما في مجال العلوم والمنطق والفلسفة، وكنتيجة لهذا الحراك المعرفي فقد حشدت المجتمعات الناطقة بالعربية بعشرات المدارس الفكرية والقراءات المختلفة للدين الإسلامي، وشهدت زخماً من الحراك العلمي في مجالات شتي من مجالات العلوم الطبيعية والرياضيات، إلا أن الحياة الفكرية كانت تشهد «علي الدوام» صراعاً بين تيار محافظ كان يعلي من قيمة النص ويجل فهم السلف بل يصبغ علي هذا السلف قيمة كبري،

وقد جسد هذا التيار الفقهاء السنيون الذين جاءوا من بعد أبي حنيفة النعمان مؤسس علم أصول الفقه السني، وكان كل واحد من الفقهاء الكبار أشد محافظة من سلفه، فابن حنبل أشد محافظة من الشافعي، والشافعي أشد محافظة من مالك، ومالك أشد محافظة من أبي حنيفة، أما المفكرون الذين أولوا عناية كبيرة للفلسفة والمنطق فقد كانوا أكثر تحرراً «عقلياً»، وكان من أعلامهم المعتزلة وابن سينا والفارابي ثم قمة العقلانية في هذا الزمان ابن رشد الأندلسي، وإذا كانت القرون الثلاثة من بداية القرن التاسع الميلادي قد شهدت أوار حرب «ضروس» بين مدرسة المحافظين «أهل النص والنقل» وأصحاب العقول الأكثر تحرراً «أهل المنطق والفلسفة والعقل» فإن القرنين الحادي عشر والثاني عشر «الميلاديين» قد شهدا انتصاراً شبه كلي للمحافظين.
وتجسد هذا الانتصار في ميل السلطة السياسية لجانب مدرسة المحافظين وما صاحب ذلك من هجوم شديد علي مدرسة العقل التي كانت بشكل من الأشكال مستمدة من روح الفلسفة اليونانية، وترجمت هذا الانتصار الكامل عشرات الفتاوي التي كان جوهرها أن من تمنطق فقد تزندق، ولعل أهم فتاوي هذا الاتجاه العارم فتوي الشرذوري «في القرن الثاني عشر الميلادي» وهي الفتوي التي قامت بتحريم الاشتغال بالمنطق بل وبأن من يشتغل بالمنطق يستحوذ عليه الشيطان.
في تلك الآونة بلغ انتصار مدرسة النقل علي مدرسة العقل ذروته في قيام فقهاء مسلمين بتكفير أعلام مثل الفارابي

وابن سينا وابن رشد، وهو توجه شاركت فيه السلطة السياسية مشاركة عبرت عنها أمور كثيرة مثل مناصرة المعتصم العمياء للحنابلة وتمكينه لهم من خصومهم، والذي وصل لحد ذبح الحنابلة للمعتزلة جهاراً نهاراً في أزقة دمشق، وواقعة إحراق مؤلفات ابن رشد في قرطبة بأمر وتحت نظر الحاكم!
ومع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي كانت مدرسة العقل قد تلقت ضربات قاتلة مما أدي إلي دخول المجتمعات الناطقة بالعربية للقرن الثالث عشر وهي بلا عقل نقدي بشكل شبه مطلق واكتفاء علماء هذه الشعوب بمهمة واحدة هي مهمة الشرح علي المتون، وهو ما يمكن أن نصفه ببداية دخول هذه المجتمعات لقرون من السبات العقلي كان من المنطقي أن تقع أثناءها عملية استعمار الأوروبيين لهذه المجتمعات الغارقة في السبات العقلي العميق، وفي ذات الوقت الذي كان فيه المحافظون «النقليون» يرسخون انتصارهم علي أهل العقل والتفلسف، فقد كانت شعوب أوروبا تشهد عملية «جدلية» مضادة ومعاكسة جوهرها تمكن أهل العقل الحر من إنهاء هيمنة وسيطرة المحافظين علي مقادير المجتمعات الأوروبية، وبانتصار مدرسة العقل الحر في أوروبا كان من الطبيعي أن يؤدي المناخ العام المتحرر لنهضة علمية في مجالات شتي تؤدي لأمور مثل اكتشاف البارود الذي أدي لانتصار الأوروبيين علي غيرهم بما في ذلك الشعوب الناطقة باللغة العربية.
وهو ما يسر للأوروبيين أن يستعمروا الشعوب الناطقة بالعربية.
وهكذا فإنه يمكننا القول بأن الاستعمار لم يكن بداية مشاكلنا وتخلفنا وتراجعنا، وإنما كان الاستعمار نتيجة طبيعية للعملية الجدلية التي كانت تقع عندنا «أي عند الشعوب الناطقة بالعربية» وعندهم «أي عند الأوروبيين» وعليه، فإن القول بأننا كنا متخلفين لأننا كنا مستعمرين «بفتح الميم الثانية» وهو قول مدحوض، فالصواب
هو أننا صرنا مستعمرين «بفتح الميم الثانية» لأننا كنا متخلفين، وقد كنا متخلفين بسبب انتصار مدرسة المحافظين علي مدرسة العقل والتفلسف والتمنطق في حياتنا المعرفية والعقلية، وبعد حقبة الاستعمار جاء الاستقلال، ولما كان الاستقلال لم يتحقق نتيجة لحراك معرفي وعقلي وثقافي وإنما لحراك سياسي ووطني، فقد أعقب الاستقلال أيلولة الأمور في المجتمعات الناطقة بالعربية إما لنظم ملكية قرو - سطية «تعد امتداداً لنظام القبيلة العربية» أو لجمهوريات سيطر فيها علي مقاليد الحكم ضباط ربما يندر وجود نظير لهم في ضحالة التعليم وانعدام التكوين الثقافي «وفي حالات غير قليلة: اتسامهم بفساد شخصي وعائلي غير مسبوق في التاريخ الإنساني».
وبعد نصف قرن «تقريباً» من استقلال الشعوب الناطقة بالعربية جاءت المفاجأة الكبري وهي اندلاع الثورة لتلك النظم التي آلت إليها مقاليد أمور المجتمعات الناطقة بالعربية في مرحلة ما بعد الاستقلال من جهة لم تكن تخطر علي بال أحد، فالثورة التي توقع كثيرون أن تجيء إما من معدمي العشوائيات أو ممن سيطرت الأصولية الإسلامية علي عقولهم، فاجأت الدنيا كلها بمجيئها علي يد أبناء وبنات الطبقة الوسطي من المتعلمين الذين أتاحت لهم تكنولوجيا العصر أن يعرفوا معني المواطنة وأن يدركوا مسئوليات الحكام في المجتمعات المعاصرة.
وبينما يمكن القول بأن هناك خلاصاً «نظرياً» للنظم الملكية العربية يتمثل في تحولها بملكيات دستورية، فإن الجمهوريات العربية لا يوجد لها خلاص إلا بما عبر عنها الهتاف الجماهيري الرائع «الشعب يريد إسقاط النظام» فقيادات الجمهوريات العربية «وبسبب النوعية بالغة الرداءة لحكامها وكلهم من الجهلة غير المتعلمين ومعدومي الثقافة، ناهيك عن اتسامهم جميعاً بفساد شخصي وعائلي لا مثيل له في تاريخ الإجرام»، هي قيادات غير قابلة للإصلاح علي الإطلاق ومن المحتم أن تخلع «كما خلع التونسيون بن علي وكما خلع المصريون حسني مبارك» ومن اللازم أن تحاكم وتحاسب تلك القيادات المخربة والفاسدة لتكون عبرة للحكام القادمين.
ومن غرائب الأمور في المجتمعات العربية أن من كانوا يطلق عليهم شيوخ النفط إنما كانوا أكثر تعقلاً «نسبياً» في سائر الأمور من عساكر النفظ «ليبيا والعراق والجزائر مثلاً» الذين فاقت جرائمهم بوجه عام ولصوصيتهم بوجه خاص ما تعجز العقول عن تخليه.
إن ما حدث في تونس ومصر ثم ما يحدث الآن في العديد من البلدان الناطقة بالعربية لا يمكن فهمه بشكل صحيح إلا من خلال تلك النظرة التاريخية - الجدلية التي وصفتها في هذا المقال للحالة العقلية للمجتمعات الناطقة بالعربية خلال الأربعة عشر قرناً الماضية.