رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نور

جائزتان.. بدون أمى!!

طارق تهامي

الثلاثاء, 16 ديسمبر 2014 21:51
بقلم - طارق تهامى

• يوم الأحد الماضى،صعدت مرتين،لمنصة التتويج فى يوم التمييز المهنى،على مسرح نقابة الصحفيين،لأتسلم للمرة الثالثة فى حياتى الصحفية،جائزتين جديدتين،الأولى تحمل اسم الكاتب الكبير،والصحفى الراحل الذى لايتكرر مصطفى شردى،عن المقال السياسى الأفضل فى 2013،والثانية تحمل اسم الكاتب المميز الذى غاب أيضاً مبكراً مجدى مهنا،كثانى أفضل عمود صحفى،بعد عمود الزميلة فكرية أحمد،لأعود مجدداً للفوز فى مسابقة التفوق الصحفى!!

• فى اللحظة التى صعدت فيها إلى المنصة،وقبل خطوات من ضياء رشوان نقيب الصحفيين،دمعت عيناى للحظة قبل أن أتمكن من السيطرة على نفسى،لأننى هذه المرة أتسلم جائزتى،التى أصبحت ثنائية،دون حضور أمى،التى كانت شريكتى فى كل خطوات حياتى، نجاحاتى وانكساراتى، ابتساماتى وبكائياتى، كفاحى ونضالى من أجل تحقيق حلمى الكبير لكى أعمل صحفياً،ثم طريقى الطويل فى شارع الصحافة،الذى كان كله متاعب، وقلقاً، ورغبة فى النجاح!!أمى تركتنا،ورحلت منذ ثلاثة أشهر،لتلحق بوالدى،الذى غاب منذ ثمانية اعوام،لأشعر فى هذه اللحظة المهمة،ولأول مرة فى حياتى،أننى بلا ظهر!! أمى كانت ظهرى،وسندى،وضميرى الذى لا أخالفه، خوفاً من تأنيبه،كانت مرآتى التى تعكس حياتى!!غيابها كان سبباً فى غصة سيطرت علىَّ ولم تتركنى،وصاحبتنى خلال التكريم،وجعلتنى غائباً عن الحضور بعقلى الذى ذهب إليها كثيراً،وكان الجسد يصافح الناس،وهو متألم من غياب السيدة التى قادتنى إلى هذا الطريق بجهدها وكفاحها وسهرها ودعائها اليومى الذى أفتقده الآن وأشعر بقيمته!!
• عندما ماتت أمى ،حاولت رثاءها ولم تتمكن يدى وقتها من الكتابة،كنت أتذكر كلمتها لى قبل موتها بيوم واحد «معلهش انا تعبتك معايا قوى»!! شعرت وقتها انها تودعنى، واكتشفت بعد رحيلها انها قالت نفس الجملة لشقيقى خالد وأختى إيمان،اللذين رافقانى فى رحلة علاجها الطويلة!!عندما أعلنت النقابة فوزى بجائزتين، عرفت أن أمى ذهبت إلى خالقها وهى راضية عنى،وهذا هو الفوز العظيم،أهم من كل جوائز الدنيا!! أمى سيدة

بسيطة مثل كل الأمهات اللاتى دفعن أعمارهن ثمناً لراحة أولادهن..مازلت أتذكر يومى الأول فى المدرسة الابتدائية المجاورة لبيتنا، مدرسة جواد حسنى الإبتدائية بشارع السودان،لا أنسى كيف كانت تمسك بيدى، لتسلمنى للمعلمة التى لا أنساها، الأستاذة «هانم».. وكانت تقول لى ونحن فى الطريق، عايزاك تبقى زى خالد،تقصد شقيقها، الذى كان متفوقاً فى دراسته، والذى أصبح فيما بعد،الدكتور خالد عباس،أستاذ الأدب الإنجليزى بجامعة القاهرة،رحمه الله.. لا أنسى كيف كان غضبها عندما كنت أمر بمرحلة تقصير فى دراستى،وكيف كانت فرحتها عندما تفوقت فى امتحانات إتمام الشهادة الإبتدائية رغم أننى كنت أصغر أقرانى،ورغم أننى قمت بخوض امتحانات الصف الخامس والصف السادس فى عام دراسى واحد،عندها قالت لى لأول مرة: نفسك تشتغل إيه لما تكبر؟! قطعاً لم أفهم السؤال وقتها،ولم استطع الإجابة،لكن السؤال تكرر كثيراً،وفهمته عندما أصبحت فى الصف الثالث الإعدادى، وأجبتها لأول مرة عن سؤالها المهم.. قلت لها: عايز اشتغل صحفى!!
• عرفت السبب الحقيقى وراء إصرارها على السؤال، عندما لاحظت أن عدد الصحف والمجلات التى يتم شراؤها فى البيت يزيد، كانت تبحث عنى فى المنزل مهرولة، لتقول لى: تعال اسمع مصطفى أمين فى التليفزيون، وكان الكاتب الصحفى الراحل الكبير نموذجاً لمن يريد العمل فى هذه المهنة القائدة للمجتمع!!ظلت تتابعنى وتشجعنى على الالتحاق بمهنة البحث عن المتاعب، ولكنها اصيبت بالقلق، عقب التحاقى بكلية الحقوق،عندما لاحظت نشاطى السياسى فى جامعة القاهرة، وانضمامى إلى حزب الوفد، وتلقيها أنباء من جيراننا من طلبة الجامعة، عن مشاركتى فى
قيادة مظاهرات ضد مبارك ونظامه،كانت تعرب عن قلقها، وكانت تُخفى أخبار نشاطى السياسى عن والدى، ولكنها لم تتمكن من إخفاء خبر فصلى مع بعض زملائى من الجامعة فصلاً نهائياً بسبب حرقنا علم اسرائيل،لأن الخبر نُشر فى جميع الصحف باسمى الثلاثى، الذى لايمكن إنكاره!! ووقتها لم تكن مصر تعيش حالة ثورة،وكان أمثالى من الطلبة السياسيين يطلق عليهم لقب «مشاغبين»!!ولكن الله أنقذنا بعد تدخل المرحوم فؤاد سراج الدين رئيس الوفد الراحل، وعدنا إلى الدراسة بعد غياب ثلاثة أشهر مرت على أمى وكأنها ثلاثون عاماً، فقد كانت ترانى أمامها بلا مستقبل، ولا طموح، ولا نجاح!!
• أمى التى شاركتنى مشوارى الطويل،كانت ضيفتى المهمة، عندما فزت بجائزة مجدى مهنا لأول مرة عام 2009 كصاحب أفضل عمود صحفى، لقد أبكتنى،عندما رمقتها ممسكة بكتاب يحمل أسماء الفائزين،كانت تُقبل صورتى،كانت تشعر بأنها الفائز الحقيقى،اللقطة هزتنى،شعرت بالخجل لعدم قدرتى على رد كل التعب الذى قدمته عربوناً لمحبتها لى،فلم أتمكن من تقديم لحظة تتساوى مع العمر الذى تنازلت عنه لى ولإخوتى،ولم اتمكن من التفرغ لها إلا خلال فترة علاجها الأخيرة التى استمرت لعام ونصف العام قاومت خلالها المرض اللعين بقوة وصبر ودعاء!! هذه اللقطة تذكرتها الآن .. لأن غياب الأشهر الثلاثة لايكفى لكى يلتئم جُرح الفراق!! أمى منعتنى من الفراق مرتين،الأولى عندما كنت طالباً فى الجامعة،فقد بدأت إجراءات الهجرة لأستراليا، وعندما علمت بقرارى،كانت دموعها هى الرد العنيف الذى منعنى من السفر، والمرة الثانية حينما تلقيت عرضاً للسفر والعمل بإحدى صحف الإمارات،وكنت وقتها قد بدأت الدراسة فى قسم الدراسات العليا بكلية الإعلام،فقالت لى:إزاى تضحى بالدراسات العليا علشان الفلوس؟ ولكننى كنت مُصراً على السفر،فقالت لى: إنت حُر! وفى اليوم المحدد للسفر ودعتها،هى ووالدى، وأشقائى،ولكن أثناء ركوبى السيارة التى ستذهب بى للمطار سمعت صوتها تصرخ وكأنها لن ترانى مرة أخرى،ولذلك عُدت من رحلة العمل بعد أقل من ثلاث سنوات،معوضاً سنوات الانشغال، وقمت بتلبية رغبتها فى أن أتزوج بنت الحلال!!
• الله يرحمك ياأمى، اعذرينى،لقد تأخر رثائى لك،ولكننى اتذكرك اليوم بعد أن حققت جزءاً من أمنياتك لى، وصعدت للتويج، والتكريم المهنى الذى كنت تتمنينه لى!!
• أرجوك.. قم بالدعاء لأمى فهى صاحبة كل الجوائز!!
[email protected]

ا