الدولة الوطنية فى عام جديد!!

طارق تهامي

الأربعاء, 01 يناير 2014 14:51
بقلم - طارق تهامي

رحل عام 2013 بكل مافيه من مآسٍ،  وحزن،  وقلق،  وتوتر،  واستبداد.. كان عامًا مؤلمًا،  ومزعجًا،  وفاصلًا فى تاريخ مصر..صحيح سعدنا فى منتصفه،  عندما أنقذتنا العناية الإلهية، من براثن استبداد الإخوان،  ولكنه بلا شك كان عامًا يستحق أن نشكر ــ رب العالمين ــ على رحيله عند هذا الحد..فقد كانت التفجيرات هى سمة أيامه الأخيرة،  ونرجو أن تمر الأيام الأولى للعام الجديد،  هادئة،  ساكتة،  بلا ألم أو دماء.

• عام 2014 سوف يشهد دولة مصرية جديدة. تغير جلدها الذى تقرح،  بفعل مبارك،  ونظامه،  وولده.. والإخوان، وجماعتهم، ورئيسهم.. ليس أمامنا سوى الصمود لاستكمال مشروعنا الوطنى الكبير،  وهو دولة المؤسسات،  وبلد الجميع،  أو ما كان يسميه مفكرونا فى بدايات القرن الماضى «مشروع الدولة الوطنية».. هذا المشروع الذى تعرض لانتكاسات متعددة،  منذ ظهور جماعة الإخوان عام 1928 بمساعدة قوى داخلية وخارجية،  للقضاء على فكرة هذه الدولة،  التى كان يمكنها تحويل مصر إلى دولة إقليمية عظمى،  بلا منازع،  كانت المعركة طويلة منذ إنشاء الجماعة وحتى محاولة تصعيدها إلى قمة السلطة،  للقضاء على هذا المشروع تمامًا،  وللأبد،  لصالح فكرة بقاء إسرائيل قوية وعفية ومتماسكة،  مع البدء فى تفتيت مصر جغرافيًا واجتماعيًا وفكريًا،  ونزعها للمرة الأخيرة من واقعها العربى لصناعة واقع جديد هو الانتماء الإسلامى ــ وحده ــ رغم أنه الأكثر صعوبة من حيث التنفيذ،  بسبب الاختلافات الجغرافية واللغوية والثقافية،  فى حين أن الواقع العربى يقودك بدوره إلى انتماء إسلامى بالضرورة،  ولكن مشروع الإخوان،  الذين صعدوا إلى السلطة خلال لحظات الضعف الأكبر فى تاريخ الدولة،  مشروع ايديولوجى صارم،  لا يؤمن بفكرة الانتماء العربى،  إلا فى حالتين،  عند الهروب من مصر،  أو عند جنى الأموال بدعوى الضعف وادعاء المسكنة!!
• إذن هذه عودة جديدة لمشروع الدولة الوطنية التى تبحث عن نصير لها،  وبلاشك سيكون الرئيس القادم منوطًا به ترسيخ مفاهيم هذه الدولة،  وإلا سنسقط مرة أخرى فى نفس الفخ،  وسنجد أنفسنا فى اختبار لا نعرف مدى قدراتنا وقتها على تجاوزه،  أو الهروب منه،  فلا سبيل أمامنا إلا مساندة هذه الدولة وعدم الرضوخ لأية مساومات يمكن أن يضعف أمامها الحاكم القادم،  أيًا كان هذا الحاكم،  لأننا لسنا على استعداد للخضوع لأهواء أشخاص،  بل قل إننا لن نسمح بهذه الأهواء أن تتكرر،  نحن نريد وطنًا حرًا بجد،  وحاكمًا خادمًا لنا بجد،  ولانريد تكرار التجارب المريرة التى مررنا بها خلال السنوات الستين الماضية،  ولكن دون أن ننخدع بمعسول الكلام،  لأننا عندما جاء إلينا حاكم لم يرتد البدلة العسكرية فى حياته،  أراد أن يكون أكثر استبدادًا، 

وقهرًا،  وانفرادًا بالسلطة،  وعندما جاء إلينا حاكم لا يريد توريث ولده،  أراد أن يورث جماعته السلطة ويزرعها فى كل المؤسسات،  وعندما جاء إلينا حاكم عن طريق الانتخابات وليس الاستفتاء،  أراد أن تكون هى أول وآخر انتخابات رئاسية تأتى بحاكم من خارج نخبة السلطة!!
• تعالوا نتعلم الدرس ونتفق على أسس الدولة الوطنية التى نريدها،  فنحن نريدها دولة الشعب لا دولة الحاكم،  دولة الجميع لا دولة الأغلبية.. دولة المستقبل وليس دولة الماضى الذى يريد أن يسيطر على مقدراتنا حتى فى المنام،  دولة كل الأديان لا دولة الدين الواحد..دولة يكون الحاكم فيها مؤقتًا وليس مؤبدًا، إنسانا وليس نصف إله،  موظفًا وليس مالكًا،  شريكًا وليس وحيدًا..نريد دولة وطنية تحمى الفقير من نفسه عندما يجوع،  وتمنع جوعه عندما يصاب بالفقر..دولة تؤمن بأن العلم وسيلة وليس غاية،  تعطى المعلم حقوقه حتى لا يظلم تلاميذه،  وتمنح التلميذ فرصته فى تحقيق إبداعه.. دولة تخطط لمستقبل بعيد ولا تكتفى برؤية خطواتها تحت قدميها.. دولة تؤمن بأن حرية الفكر هى السبيل إلى التقدم وأنها ليست خطرًا يجب وأده.. دولة لا تلاعب التيارات السياسية حسب الحاجة،  فلا تصنع التطرف لتلاعب طالبى الحرية،  ولا تدعم «بذرة»الإرهاب حتى ننشغل به عن الديمقراطية..نريد دولة وطنية تؤمن بأن حرية الفرد، والمجتمع، لا تتعارض أبدًا مع القانون، بل إن هذا القانون ينظمها ويمنحها الشرعية.. نريد أن يتعلم أولادنا فى المدارس،  درسًا إلزاميًا بأن المواطنة تمنحهم الحقوق والحريات،  وتلزمهم بواجبات،  وغير هذا المفهوم اسمه «تطرف» وإنكار للوطن..نريد من هذه الدولة أن تسمى الأشياء بأسمائها فالحاكم اسمه رئيس يعمل بالوكالة عند دافعى الضرائب،  والمواطن اسمه «المالك» الذى يمنح غيره الذى يسمى حاكمًا،   توكيلًا،  لإدارة شئون البلاد،  وأن ما بينهما،  عقد اجتماعى،  قابل للتغيير بواسطة المالك وليس وكيله،  وأن أى مخالفة من قبل الوكيل لبنود التعاقد،  تؤدى لفسخ العقد فسخًا نهائيًا،  ولا شرعية لمن انتهك العقد وبنوده.
• نريد دولة وطنية تسمح للاقتصاد بأن يتحرك للأمام بفعل الواقع وليس بفعل السلطة،  نريد لرجال الأعمال أن يعملوا فقط،  ولا نريدهم أن يضطروا لتخليص مصالحهم من وراء الأبواب المغلقة،  أو تحت المقاعد الوثيرة..نريد لدولة الاقتصاد الحر أن تدرك أهمية العدالة الاجتماعية،   فلا تترك رأس المال يأكل العامل،  ولا تترك العامل ينام فوق ماكينته بلا عمل..نريد عدالة ناجزة وإنهاء بطء التقاضى،  ولا نريد ظلمًا على المتقاضى نتيجة الإسراع بالمحاكمة،  فالبطء ظلم أحيانًا،  والإسراع ظلم أكبر فى الغالب.
• دولتنا الوطنية تحتاج إلى أن ندعمها.. لكنها تحتاج قبل ذلك إلى أن نفهمها...كل سنة وأنتم طيبون.