رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هذه مصر .. فأين أبناؤها؟

صلاح صيام

السبت, 27 أبريل 2013 22:26
بقلم: صلاح صيامِ

عرف المجتمع العربي الصالونات الأدبية بمعناها الحقيقي والجميل، قبل أن يعرفها الغرب بقُرون عديدة. فإذا كُنت قد سمعت بصالون «مدام دودوفان» أو بغيرها من الصالونات الأدبية في القرون التاسع عشر أو الثامن عشر أو السابع عشر، فمثل هذه الصالونات وربما أرقى منها وُجِدت عند العرب في القرن الثامن،

أي قبل ألف سنة، وغالباً ما كانت تُدير المُنتدى عند العرب القُدماء امرأة من أرقى طبقات المجتمع والأساس الذي تقوم عليه فكرة الصالونات عموماً هو أنْ يجتمع الشعراء والأُدباء ورجال الفكر والمُغنون أسبوعياً أو شهرياً في منزل أديب أو شاعر ليعرض كل منهم ما لديه من جديد، وليستمع إلى آراء الآخرين، ومن المُرَجّح أن أقدم صالون أدبي يرجع الى القرن الأول للهجرة اسمه صالون «عمرة» وهي امرأة ذات رأي حكيم وذوق سليم.
أما صالون السيِّدة «سُكينة بنت الحسين» وهي حفيدة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد كان الأهم و الأشهر في زمانِها، إذ كان يجتمع في بيتها الشُعراء والمُغنّون فيجلسون بحيث تراهم ولا يَرَوْنَها، فتستمِع إليهم و تَحكم بينهم إذا اختلفوا. وكان الناس يعدونها الناقِدة الأولى لعصرها، وذلك تقديراً واحتراماً لها، ولا تزال أحكامُها على شُعراء الجاهِلية والعصر الإسلامي الأول مرجعا لطلاب الأدب حتى يومنا هذا.
وفى الوقت الذى تراجعت فيه الظاهِرة – لعدة أسباب - وعزف الكثيرون عن تعاطى الثقافة على اعتبارها ترفا, أو عديمة الجدوى فى زمن اختلط فيه الحق بالباطل , وأصبح صعبا أو مستحيلا التفرقة بين الغث والسمين, يصر الدكتور وسيم السيسى على إقامة صالونه الثقافى- والذى رفض تسميته (بصالون وسيم السيسى) كما يفعل الجميع – لاقتناعه أن الثقافة قادرة على تغيير وعى الناس وربما معتقداتهم, إذا فهموا وفكروا.
(وفى الصالون الأخير أنعش المتحدثون ذاكرة الحضور، ففى البداية أكد الدكتور رشيد حمد الحمد سفير الكويت بالقاهرة أهمية الدور المصرى التاريخي في نهضة الكويت لا سيما النهضة التعليمية بالكويت حيث أعدت مصر بعثة تعليمية لوضع المناهج الدراسية منذ أوائل القرن الماضي وساهمت في توفير المدرسين وسداد جزء كبير من تكاليف هذه البعثة, وأضاف قائلاً: مصر علمتنا الكثير وما زالت, وسفارة الكويت فى مصر كانت أول سفارة لدولة الكويت أنشئت في القاهرة بعد استقلالها سنة 1961 والتى افتتحها الرئيس جمال عبد الناصر, كما افتتح أيضا – خروجا على المألوف - بيت الكويت الذى تحول الى السفارة الكويتية فى الدقى فيما بعد.
وأوضح( الحمد) أن هناك أربعة مصريين أسسوا التعليم فى الكويت, وأن جامعة الكويت كانت بأياد مصرية خالصة وبدأ التدريس فيها عام 1967، وشارك فى التدريس مجموعة من أفضل المحاضرين أمثال الدكتور زكى نجيب محمود وعبد الرحمن بدوى والدكتور فؤاد زكريا والدكتور أحمد كمال أبو المجد والشاعر محمود حسن إسماعيل, وأشار الى دور الفنانين المصريين فى الحركة المسرحية الكويتية وعلى رأسهم زكى طليمات.
وفى مقارنة لا تخلو من السخرية بين أحوالنا وأحوال الفراعنة تحدث صاحب الصالون الدكتور وسيم السيسى الباحث النشيط فى علم المصريات عن القانون عند الفراعنة, وينقل عن د. محمود السقا، ود. محمد أبوسليمة أستاذ القانون بجامعة القاهرة عبارات من كتابهما «فلسفة وتاريخ القانون المصرى» تؤكد أن القانون المصرى كان فى عصر الفراعنة مثالياً فى قواعده، عادلاً فى أحكامه، عالمياً

فى مراميه، نقياً فى مبادئه، صافياً فى مواده، بنى على العدل والأخلاق وشتى الفضائل، فكان علامة فارقة فى الحضارة الإنسانية، كما كان دهشة للمؤرخين قاطبة لعظمة هذا القانون وسبقه الحضارى، كان يصاغ فى محكمة العدل المسماة دار حوريس الكبرى، فى عبارات واضحة سليمة ومختصرة، فى صيغة بلاغية وفى منتهى الإتقان!
وأشار السيسى إلى أن الوزير «آمينى» وجد مكتوباً على باب قبره فى بنى حسن: لا توجد أرملة ظلمتها، ولا فلاح طردته، كما لا يوجد بائس أو جائع فى زمنى، لم أرفع العظيم فوق الحقير، وفى السنين المجدبة كنت أقدم الطعام، ولا آخذ الضرائب.
وأكد السيسى أن مصر هي صاحبة أقدم جهاد فى سبيل العدالة الاجتماعية ويحكى لنا حكاية أمنمحات الأول «الأسرة 12».. وهو يخاطب كبير الوزراء: أعلم أن الوزارة ليست حلوة المذاق ولكن مُرّة! وليس الغرض من الوزارة أن تتخذ من الشعب عبيداً.. بل عامل من تعرفه معاملة من لا تعرفه، والمقرب منى كالبعيد عنى، وأعلم أن احترام الناس لك يأتى من إقامتك للعدل، كما أن التحيز والتمييز يعد تخطياً للعدالة، وطغياناً على الإله!
وأضاف السيسى إذا عدنا إلى متون الأهرام نجد مكتوبا عليها : لقد خلقت الرياح الأربع ليتنفس بها الإنسان مثل أخيه، ولقد خلقت المياه العظيمة ليستعملها الفقير مثل الغنى، لقد خلقت كل إنسان مثل أخيه، وحرمت عليهم الظلم، ولكن قلوبهم هى التى خالفت وصاياك.
وقال إنه هو ذا الفلاح الفصيح «خون إنبو» ومحافظ وادى النطرون «رئيس بن ميرو»، واللص الكبير وهو موظف عام واسمه «تحوتى ناخت»، وكان ذلك فى عهد الملك «نب كاو رع» يشكو هذا اللص لمحافظ الإقليم فى كلمات بلاغية جميلة، فيعرض الخطاب على الملك، ويأمر الملك بعدم رد المسروقات الآن حتى يكتب لهما أكثر، فكتب 9 رسائل أقتطف منها: لأنك والد اليتيم، وستر من لا أم له، دعنى أضع اسمك فوق كل قانون عادل، إن الحاكم كالميزان، لسانه هو المؤشر العمودي، وقلبه هو المثقال، وشفتاه هما الذراعان.
كانت جرعة ثقافية عظيمة , وعودة الى الزمن الجميل , علنا نسترجع أمجاد الماضى، ونسترد مكانتنا الضائعة, فمصر دائما موجودة , ولكن أين أبناؤها؟

[email protected]