رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فى الذكرى الأولى لرحيل راهب الفلسفة

صلاح صيام

الجمعة, 01 مارس 2013 22:15
بقلم: صلاح صيامِ

كان يأسف لاهتمام الغرب الكبير بفلسفة ابن رشد، واعتماده عليها في بناء النهضة، في الوقت الذي أهمل فيه الشرق هذه الفلسفة وأساء إليها، على الرغم من أنها، تقف على قمة الاستنارة والعقلانية. عرف عنه حرصه على التزام قيم ومبادئ لا يحيد عنها، وعلى رأسها تأتي فكرة التنوير التى اتخذ منها نبراسًا لجهوده وأعماله الجليلة في ميدان الفلسفة العربية، واهتم في الفترة الأخيرة من حياته بأن يخرج من مجال الفلسفة المتخصصة إلى مناقشة الفكر الموجود في المجتمع. وكان انحيازه واضحًا للفكر العلمي العقلاني.

كان يرى ضرورة الانفتاح على الثقافات المختلفة، وألا نكتفي بالثقافة الداخلية، منتقدًا التخوف الشديد من مفهوم «الغزو الثقافي» الذي رآه مبالغًا فيه بدرجة كبيرة، حيث أشار إلى أنه ليس من الضروري القول بوجود تعارض بين الحضارة الغربية والقيم البناءة.
واعتبر أنّ من يهاجمون الحضارة الغربية إنما يركزون على القول بأنها تعد إفسادًا للأخلاق وهدمًا للبشرية‏,‏ أما من يدافعون عنها فهم يذهبون - على عكس الفريق الأول - إلى القول بأن الحضارة الغربية تمثل الفكر المستقل والحر‏,‏ وكلا الأمرين ينبغي النظر فيه.
هكذا كان ينظر الراحل الدكتور عاطف العراقي، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، إلى أستاذه ابن رشد، الذي طالما وقف مدافعًا عن فلسفته برؤية عصرية، معتبرًا أن أغلب ما كتب عنه ـ حتى في أطروحاتنا العصرية ـ أساء إليه إساءة شديدة، مكررا ـ في أكثر من مناسبة ـ «أننا أسأنا لأنفسنا كعرب حينما تجاهلنا ابن رشد، بالرغم من أنه فيلسوف عربي أندلسي».
انتقد، في أحد لقاءاته التليفزيونية، فيلم المخرج المصري يوسف شاهين (المصير)، معتبرًا أنه سجل حياة ابن رشد دون أدنى درجة من الدقة والمصداقية. واعتبر أنه يأتي ضمن الإساءات المتكررة لحياة هذا الفيلسوف العربي.
فرض العراقي على نفسه عزلة اختيارية، بعد أن قضى عمره رافضًا الزواج، مكتفيًا بالاعتكاف داخل صومعته الفكرية، وكان يهرب من الأضواء ويرفض اللقاءات التلفزيونية، وكان مثل العقاد في حبه للشاعر

المتشائم ابن الرومي، وكان عقلانيًا ممتد الأصول إلى أستاذه الأول ابن رشد، ثم أستاذه الثاني المفكر الدكتور زكي نجيب محمود.
قال عنه صديقه الراحل الدكتور فؤاد زكريا: إن العراقي «اختار أن ينحاز في دراسته للفلسفة العربية إلى جانب التراث العقلانى، الذي يتجنب تهويمات الإشراقيين، ويتخلص من هلامية الصوفية. وقد تجسد هذا الالتزام بقيم العقل والتنوير في ذلك الجهد الكبير الذى بذله من أجل إلقاء الضوء على فلسفة ابن رشد، أعظم الفلاسفة العقلانيين من العرب».
وللمفكر الكبير عاطف العراقي العديد من المؤلفات في الفلسفة الرشدية، منها كتاب: «العالم في فلسفة ابن رشد»، وكتاب: «الفيلسوف ابن رشد مفكرًا عربيًا ورائدًا للاتجاه العقلي»، وكتاب: «النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد»، وكتاب: «المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد»، وكتاب: «ابن رشد فيلسوفًا عربيًا بروح غربية»، إضافة إلى «الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا»، و«مذاهب فلاسفة المشرق»، و«تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية»، و«ثورة العقل في الفلسفة العربية»، و«تحقيق كتاب الأصول والفروع لابن حزم». إنه ليس فقط أحد أكبر أساتذة الفلسفة الإسلامية في مصر والعالم العربي لكنه بحق أحد رهبان الفكر الذين ضحوا بحياتهم الشخصية فرفض الزواج والاستقرار طوال حياته واختار أن يكون خادما أمينا للفلسفة قدم للمكتبة العربية عشرات الكتب النقدية الرائعة قضيته الانسان وحقه في التعبير عن رأيه بحرية كاملة وذنبه - إن صح التعبير- الصراحة الكاملة التي لم تبق له صديقا.
«العراقى» موسوعة علمية، شغل العديد من المناصب وحصد العشرات من شهادات التقدير وقام بتأليف وتحقيق وترجمة مئات الكتب، وأشرف علي بعض الكتب التذكارية لأعلام الفكر والثقافة، كما أشرف علي مجموعة كبيرة من الرسائل العلمية، وشارك في العديد من المؤتمرات
ببحوث قيمة، وقام بالتدريس في معظم جامعات مصر وبعض جامعات الدول العربية الشقيقة، ونشر العديد من المقالات داخل مصر وخارجها، وأعدت مجموعة رسائل علمية عن فكره، وهناك ثلاث جوائز تحمل اسمه تمنح لأوائل أقسام الفلسفة في جامعتي القاهرة وعين شمس، و(العراقي) عاش مهموماً بالفكر العربي وقضاياه، عاشقا لابن رشد وفلسفته، ومات فى محراب العلم رافضا نصيحة أطباء مستشفى قصر العينى له بالراحة نظرا لحالته الصحية ومصمما على أداء رسالته العلمية التى كرس حياته من أجلها ليسقط فى أشرف مكان فى ساحة العلم وبين طلابه فى معهد الدراسات الاسلامية ضاربا المثل فى الاخلاص والتفانى فى العمل ومعطيا القدوة الحسنة للأجيال القادمة التى ربما نسيت هذه المعاني.
وقد خاض «العراقى» معركة فكرية حول حقيقة فلسفة ابن رشد قادته للوقوف أمام محكمة جنايات المنصورة عام 1995 ليكون بذلك أول أستاذ فلسفة في تاريخ مصر تتم محاكمته جنائياً، ومع ذلك ظل عاشقاً لابن رشد وفلسفته - لأنها مسألة مبدأ-، وكان له آراء صادمة في واقعنا المعاصر لا يخشى أن يرددها دائما، مؤمناً بالعدالة والديمقراطية، يعتز بالوفد، ويري أن حكومة النحاس أفضل حكومة ولو كتب لها البقاء لعاشت مصر أزهي عصورها، ويري فؤاد سراج الدين أفضل وزير داخلية، وقام بإهداء إصداراته لزعامات الوفد التاريخية، ووصف النحاس بأنه الأكثر اهتماماً بين كل رؤساء الحكومات في تاريخ مصر بمحدودي الدخل والفقراء ومتوسطي الحال، وحين رأس حكومات الوفد دعا إلي نظام الضريبة التصاعدية مستهدفاً تجنب الأزمات المالية الناتجة عن سياسات النظام الشيوعي والنظام الرأسمالي وقتها، وللأسف لا يمكن عقد أية مقارنة بين ما فعله النحاس وبين السياسات الحالية، فالنحاس قاد الاقتصاد الوطني للنهوض لدرجة أن الميزانية كانت الأضخم في تاريخ مصر خلال فترة حكمه طبقاً لجريدة «المصري» وقتها، وكان النحاس رجل سياسة من الطراز الأول يبدأ حياته السياسية بكل وزارة يتولاها بمنح مكافآت أو منحة لجميع المصريين، وكانت تمثل البهجة والفرحة بالنسبة للطبقات الفقيرة والطبقات المتوسطة أيضاً، ولذلك كان يوم انتخابه عيداً عاماً لكل المصريين ولم لا وهو الرجل الذي جعل حاضرنا أفضل من ماضينا، وسعي لأن يكون مستقبلنا أكثر إشراقاً، ولذلك أهديت كتابى «ثورة النقد في عالم الأدب» لروحه الطاهرة، وكتابي «التنوير والمجتمع» لروح سعد زغلول، فتحية لذكرى العملاق الكبير - التى توافق نهاية فبراير المنصرم - بقدر ما أعطى لوطنه وما قدم لطلابه ونفعنا المولى عز وجل بعلمه وعوضنا خيرا عن رحيله.
[email protected]