رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هاشم صالح يكتب: مؤتمر مراكش وتجديد الخطاب الديني

جولة عربية

الجمعة, 09 مايو 2014 10:13
هاشم صالح يكتب: مؤتمر مراكش وتجديد الخطاب الدينيهشام صالح
بقلم: هشام صالح

تعقد مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» مؤتمرها الكبير الثاني في مدينة مراكش بتاريخ 17 و18 مايو (أيار) الحالي. وقد ركزت اهتمامها هذه المرة على موضوع «الخطاب الديني: إشكالياته وتحديات التجديد». والواقع أن خطابنا الديني الحالي يطرح إشكاليات كثيرة، بل ويسبب لنا مشكلات عويصة مع مختلف أمم العالم.

ومن نافلة القول إن تصريحاتنا العنترية النارية التي تكفر الآخرين وتهدر دمهم قد أساءت لنا ولقضايانا أكثر من ألد الأعداء. عندئذ، توهَّم الناس شرقا وغربا بأن ديننا هو دين عنف وإرهاب ليس إلا. وهذا ظلم ما بعده ظلم. ولذلك أرعبنا العالم. حتى الدالاي لاما عبّر عن قلقه وتخوفاته، وطالبنا علنا بتوضيح هذه النقطة، بل وترجانا. والدالاي لاما ليس من المحافظين الجدد لكي نقول إنه حاقد علينا. على العكس، لقد عبر أكثر من مرة عن إعجابه بالإسلام والمسلمين وصلواتهم وخشوعهم ومكارم أخلاقهم. ومعلوم أنه أشهر شخصية بوذية في هذا العصر، ويمثل الضمير العالمي المسؤول خير تمثيل. انظروا كتابه عن «الإسلام والمسيحية واليهودية.. كيف يمكن أن نعيش بسلام؟ أو كيف يمكن تحقيق الإخاء والوئام بين الأديان». وانظروا أيضا ذلك الحكيم والفيلسوف الكاثوليكي الكبير هانز كونغ. فقد كرس كتابين ضخمين للتحدث عن كيفية تجديد الفكر الديني في الإسلام، وقدم مقترحات محسوسة وملموسة. وهو أيضا يحترم تراثنا ولا يريد بنا إلا الخير. وانظروا أيضا ذلك المفكر المسلم الصاعد عبد النور بيدار. إنه أحد فرسان التجديد الديني، وأحد أقطاب «إسلام الأنوار». احتفظوا بهذا المصطلح جيدا، فله مستقبل عظيم. والواقع أن تراثنا يحتوي على كنوز من الأنوار الدينية والعلمية والفلسفية، ولكن لا أحد يركز عليها أو يحاول اكتشافها من جديد وإدخالها في برامج التعليم. من يركز على آيات الصفح والغفران والخير العميم؟ وهي جوهر

القرآن الكريم. لا يركزون إلا على دعاة الظلام وأفكار التطرف التي تعطي عنا صورة مشوهة في الخارج. إنها تملأ البرامج والشوارع والفضائيات.
أعتقد شخصيا أن تجديد الخطاب الديني له الأولوية القصوى على كل تجديد آخر، بما فيه تجديد الخطاب السياسي. بل ولا يمكن إصلاح السياسة قبل إصلاح الدين. هذا من ذاك. انظروا العقبة الكأداء التي اصطدمت بها الانتفاضات العربية والجدار المسدود الذي وصلت إليه. ولكن كيف يمكن تجديد الخطاب الديني؟ كبار فلاسفة العالم وحكمائه، بمن فيهم الدالاي لاما وهانز كونغ، يقولون لنا ما معناه: كل ما في تراثكم من صفحات مضيئة تحترم إنسانية الآخر وكرامته فأهلا وسهلا به. كل ما يتماشى مع مبادئ العدالة والإخاء والتعايش نرحب به.
ولكن لا نستطيع أن نقبل بفتاوى التكفير والقتل واحتقار الشعوب الأخرى لمجرد اختلافها عنكم.
ينبغي أن تدخلوا مادة تاريخ الأديان المقارنة إلى كل معاهدكم العليا وجامعاتكم. ينبغي أن توسعوا عقولكم قليلا وتخرجوا من انغلاقاتكم وتقوقعاتكم على ذاتكم. وهذا يعني أن ما تربينا عليه منذ نعومة أظفارنا ينبغي أن يوضع على محك التساؤل والنقد. فما نجح في الامتحان نبقي عليه، وما فشل نتخلى عنه. سوف أضرب مثلا من تجربتي الشخصية لكيلا يقال إني أتحدث في الفراغ. في طفولتي الأولى تلقيت بعض الأفكار الظلامية الخاطئة عن الأديان والمذاهب الأخرى؛ فهل أتشبث بها؟ أضيف نقطة أخرى لشرح معنى التنوير بالضبط. كانت تلاوة القرآن الكريم أول شيء أفعله بعد الاستيقاظ. وعموما، كان يحصل ذلك على مسمع من
والدي الشيخ لكي يصحح أخطائي، وبالأخص لكي يرضى عني ويجعل مني ولدا صالحا ومؤمنا تقيا نقيا (أين كنا وكيف أصبحنا؟ من التقى والورع إلى العقلانيين العرب! سامحونا!). وبالتالي فقد قرأت القرآن آلاف المرات، ولكن هل يمكن القول إني فهمت القرآن؟ أبدا لا. كانت تلاوة عبادية ليس إلا.
بعد أن كبرت وسافرت إلى فرنسا أتيح لي أن أقرأ القرآن بعيون جديدة لأول مرة. عندئذ أدركت أن معظمنا «بحياتنا كلها لم نقرأ القرآن!» كما يقول الباحث التونسي يوسف الصديق في كتاب لافت. كان أستاذنا أركون دائما يطرح هذا السؤال: كيف نقرأ القرآن؟ أي كيف نقرأه بعقلية هذا العصر لا بعقلية العصور الغابرة؟ كيف نفقهه عن جد؟ كيف نفهمه على ضوء أحدث المناهج التأويلية للنصوص الدينية الكبرى؟ انظروا مقدمته الشهيرة لترجمة كازيمرسكي، وكان يقصد بذلك ضرورة فهم القرآن وتراث الإسلام كله على ضوء المناهج الألسنية والدلالية السيميائية والتاريخية والاجتماعية والإنثربولوجية، ثم أخيرا تجيء اللحظة الفلسفية والتقييم الشامل. أحيل بهذا الصدد إلى مثال عملي محسوس هو قراءته لسورة أهل الكهف المتضمنة في كتابه «قراءات في القرآن». ضربة معلم! على هذا النحو استطاع محمد أركون أن يطبق منهجية الحفر الأركيولوجي في الأعماق على تراثنا الإسلامي، فأضاءه بشكل غير مسبوق.
وهذا هو التنوير كما أفهمه. إنه يعني انبثاق النور من الأعماق وتبديد الظلمات الداخلية. وما أكثر ظلماتي وتراكماتي!
وأخيرا، سوف أقول لكم شيئا، وأعتقد أني سأزعجكم وأفقد كل رصيدي لديكم. لكن «أنا الغريق فما خوفي من البلل؟». سوف أقول إن تجديد الخطاب الديني يتطلب منا ترجمة أمهات الكتب الاستشراقية الكبرى.. لماذا؟ لأنها هي التي «أرخنت» التراث الإسلامي لأول مرة؛ أي قدمت عنه صورة تاريخية واقعية محسوسة.
وهي المضادة للصورة التبجيلية اللاتاريخية المهيمنة علينا من أقصى العالم الإسلامي إلى أقصاه. لقد طبقت عليه المنهجية التاريخية - النقدية التي كانت قد طبقت من قبل على التراث المسيحي ذاته وأثبتت نجاعتها وفعاليتها. لا ريب في أن تطبيقها على التراث المسيحي أثار عاصفة هوجاء لدى الفاتيكان وبقية علماء اللاهوت المسيحي التقليدي، ولكنها انتصرت في النهاية، واضطرت الكنيسة الكاثوليكية للاعتراف بها بعد طول مقاومة وعناد. وأعتقد أننا سائرون على الطريق.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط