صحف الثلاثاء: تراخى «الدفع الثوري» يهدد بسرقة الثورة

صحف

الثلاثاء, 15 مارس 2011 09:07
كتب- محمد أبوزهرة

لا تقوم الثورات فجأة، ولا تأتى خلسة، ولا تمضى في طريقها من دون عقبات. فإذا كانت الثورة تعنى في مفهومها البسيط إحداث تغيير جذري في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة، فإن هذا التغيير، وذاك التجذر، لا يسير إلى الأمام في خط مستقيم، بل يبدو – حسب وصف الدكتور عمار علي حسن في "المصري اليوم" - أقرب إلى ماء دافق تعترضه صخرة تلو أخرى، ويبقى عليه إما أن يتجمع خلفها ثم يعتليها ويعبرها، وإما أن يلتف حولها ويطوقها ويتجاوزها مواصلا رحلة سيره.

وجميع الثورات تبدأ بحالة دفع جماهيري عارمة، عفوية أم مدبرة، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى مفكرين معارضين للنظام الذي أسقطه الثوار، يقدمون تصورات ورؤى تساعد الثورة على أن تكتمل. إلا أن الأفكار وحدها لا تكفى إن تراخى «الدفع الثوري» أو فلّت قبضة الثوار على زمام الأمور، وتراجعت قدرتهم على تعبئة وحشد الجماهير كلما شعروا بأن الثورة تُسرق، أو أن السلطة الجديدة المنوط بها تحقيق أهداف الثوار كاملة قد بدأت تتباطأ أو تتخذ من الإجراءات ما تلتف به على غايات الثورة ومقاصدها النبيلة.

مطلوب ثورة لتحقيق أهداف الثورة

لكن من أين يأتي الخطر الآن أو من يحاول سرقة الثورة؟، يرى أ. د. علي السلمي في "الوفد" أن "المشكلة الأساسية والخطر الحقيقي الذي يهدد الثورة هو أن المسئولين سواء في المجلس الأعلي للقوات المسلحة أو في الحكومات الثلاث التي تشكلت منذ التاسع والعشرين من يناير قد ألزموا أنفسهم باتباع منهج غير ثوري لتحقيق أهداف ثورة! إن الالتزام بما يسمي الشرعية الدستورية لا يستقيم في ظل أوضاع ثورة شعب أسقط النظام الذي صنع ذلك الدستور وصممه ليسمح له بالانفراد بالسلطة وإقامة حكم ديكتاتوري أضر البلاد وأذل العباد. إن الشرعية الوحيدة التي يجب الالتزام بها منذ 25 يناير هي "الشرعية الثورية" التي تفرض الإطاحة بكل سياسات ونظم وقيادات ورموز النظام السابق كي يتم تأمين الثورة وإتاحة الفرصة لها لتضع دستورها وتؤسس شرعيتها وتقيم أحزابها وتشكل حكوماتها وسياساتها ونظمها وتختار قياداتها اختياراً ديمقراطياً حراً بعيداً عن مؤامرات أذناب النظام الساقط وفلول حزبه ورجال أعماله والفاسدين والمفسدين من أركانه في أجهزة الدولة ومؤسساتها

وهيئاتها والوحدات المحلية."

طلبنا دستوراً لا فضيحة..

ولأن الاستفتاء على التعديلات الدستورية هي احدى أهم القضايا التي تثير جدلا لا يتوقف، فكان لابد أن نتوقف عند تعليق عزت القمحاوي عليها بـ"المصري اليوم" بقوله: "طلب الشعب دستوراً فأعطته اللجنة فضيحة، هذه هي الحقيقة بالضبط، فلا مجال الآن لتهويل أو تهوين.. وقد نبه من كتبوا قبلي إلى عيوب التعديلات، كما نبهوا إلى الالتفاف القانوني الذي تمثله من حيث المبدأ، حتى لو كانت جيدة، فهي النافذة التي يعود منها النظام القديم بعد أن ركله الشعب خارج الباب، لأن يد التعديلات تضفى شرعية على دستور سقطت شرعيته. وفوق هذا التحفظ الأساسي، يتضمن الدستور القديم الكثير من المواد الخطرة بالإضافة إلى المواد التافهة التي تقلل من شأنه بسبب الثرثرة واللغو الفارغ."

الشعب والجيش

وفي المقابل يبدو أن استمرار الثورة التي فجرها الشعب المصري بقيادة طلائعه الشبابية يوم ‏52‏ يناير‏,‏ أو بالأحرى استمرار الفعل الثوري أضحي ضروريا‏,‏ إن لم يكن حتميا لعدة أسباب، لخصها الدكتور محمد السعيد إدريس في مقاله بصحيفة "الأهرام"‏، فقال:‏

أولا‏:‏ تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة وفي مقدمتها هدف إسقاط النظام وإقامة نظام بديل قادر علي انجاز طموحات وآمال الشعب المصري‏,‏ هذا الهدف لم يتحقق منه إلا النذر اليسير‏,‏ سقط رأس النظام وبقي النظام بأجهزته وقياداته ومؤسساته وتحالفاته داخل مصر وخارجها‏,‏ إقليميا ودوليا.

ثانيا: حماية مسيرة الثورة ضد أعدائها‏,‏ فهؤلاء الأعداء لا يتربصون فقط بالثورة ولكنهم يقاتلون‏,‏ وبشدة وبالوسائل المشروعة وغير المشروعة لاحتوائها واسقاطها‏,‏ أو علي الاقل تفريغها من محتواها‏,‏ فالطواغيت الثلاثة التي ارتكز عليها النظام مازالت تنشط وتتحرك‏.‏

أما السبب الثالث الذي لا يقل أهمية فهو أن الجيش وبالتحديد المجلس الأعلي للقوات المسلحة لم يحسم أمره بعد‏,‏ هل هو منخرط في قيادة ثورة الشعب المصري وأنه عازم علي جعلها ثورة مصر شعبا وجيشا‏,‏ ام انه مع ترميم النظام السابق

وإصلاحه‏,‏ هل هو مع الثورة واهدافها أم هو مع مجرد الاصلاح؟

أساطير نظام هوى

وفي "النهار" اللبنانية نقرأ للأستاذ فهمي هويدي: "نريد لمصر «الجديدة» أن تتطهر ليس فقط من شخوص وقيم النظام السابق، ولكن أيضا من مراراته التي مزقت الأواصر، ومن أساطيره التي شوهت الإدراك... ليس يكفي أن يستعيد المجتمع روحه المغيبة وكرامته المهدرة وحرياته المنتهكة، لكننا نريد للمجتمع أن يستعيد عافيته وأن يستنهض عناصر القوة والمنعة فيه، والخطوة الأولى في هذا الاتجاه ان يتصالح المجتمع مع ذاته ومع تاريخه وجغرافيته. ذلك ان بلدا كبيرا مثل مصر لا يستطيع أن يستــقر أو أن ينهض بمسؤولياته من دون أن يجري مثل هذه المصالحة التي سبـقتنا إليها دولة أخرى كبيرة ومهمة في المنطقة هي تركيا. ذلك انها لم تثبت حضورها ولم تنل حظها المشهود من التقـدير والاحترام والفاعلية، إلا بعد أن قطعت أشواطا بعيدة في المصالحة، سواء مع ذاتها من خلال استدعاء المجتمع وتذويب مراراته، أو مع محيطها الاستراتيجي من خلال رفع شعار «زيرو مشاكل»، الذي كان يعني تسوية كل المشاكل العالقة بينها وبين جيــرانها الأقربين والأبعدين.

المصالحة المنشودة يفترض أن تســبقها إرادة مستقلة ورؤية استراتيجية واضحة تحدد من نحن وماذا نريد. وإذا كـانت معطيات ثورة 25 يناير قد ردت للشعب المــصري اعتـباره، وأعادت إليه ثقته في ذاته وفى دوره، فإن نجاح التقدم على ذلك الطريق يقتضى إجراء المصالحـات التي أتحدث عنـها، وفي مقدمتها ما يلي: مصالحة أساسية تصحح العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهو ما يتكفل به التمسك بقيم الممارسة الديموقراطية التي تجعل السلطة اختيار المجتمع وليس قدره.

حتى لا تعم الفوضى

أما الدكتور ليلى تكلا فقد قالت في "الأهرام" والقلق يستبد بها: "يؤثر في نجاح الثورات أمور منها‏:‏ مدي تعبيرها عن رأي الأغلبية‏,‏ وقدرة الثوار علي تجنب محاذير الفشل والقيام بالمسئوليات التي تمهد للنجاح إلي جانب الظروف الدولية ومدي تدخل الدول الأخرى والقوي الفكرية المتضاربة في مسيرة الثورة نحو أهدافها‏.‏ والثورات كالزلازل لها توابع في شكل ثورة تصحيح أو ثورة مضادة كلها يتحدد مصيرها حسب مسيرة الثورة الأم‏.‏ هذه الأمثلة لا نقولها بل يسجلها التاريخ‏,‏ والتاريخ لا يمكن تغييره لكن من الذكاء والوطنية والحس السياسي‏,‏ الاستفادة من مقومات النجاح مع الحذر مما قد تنزلق إليه الثورات‏.‏"

فـ"مرحلة ما بعد الثورة أشد خطورة من مرحلة الثورة التي من خلالها تكون الأهداف واضحة محددة يشارك فيها بأمل وحيوية‏,‏ كل من يؤمن بها‏..‏ أما بعد الثورة فكثيرا ما تختلط الأمور وتمتليء الساحة بأشكال وفئات وتجمعات مختلفة الهدف والتوجه‏,‏ تصبح الشعوب عقب الثورات أمام مفترق طرق‏,‏ تقف في الميادين الفسيحة التي تنفتح علي شوارع وطرقات متعددة‏,‏ عليهم اختيار أفضلها وإلا اختلطت المسيرة وكان الانقسام والعنف وعمت الفوضي‏."‏

أهم الاخبار