يا حرية فينك فينك.. أمن الدولة بينّا وبينك

صحف

الأحد, 06 مارس 2011 13:49
كتب - محمد أبوزهرة:


بالأمس هاجمت جموع من المواطنين الغاضبين مقار جهاز أمن الدولة في مدينة نصر‏,‏ والإسكندرية‏,‏ والجيزة‏,‏ وأكتوبر‏,‏ والشيخ زايد‏,‏ والشرقية ومطروح‏,‏ وقنا وأماكن أخرى.‏ تطورت الأحداث بسرعة بعد الأنباء التي تواردت عن حرائق ضخمة لوثائق مهمة في مقرات الجهاز المنتشرة في محافظات الجمهورية، على أيدي ضباط الجهاز نفسه‏.‏ وفي ظل اتهامات خطيرة بوجود مؤامرة مقصودة لإحراق الوثائق‏,‏ فإن الأنباء تتردد عن وجود اتجاه إلي تجميد نشاط الجهاز. وقد ردد المتظاهرون هتافات أثناء اقتحامهم المباني‏,‏ من بينها‏:‏ يا حرية فينك فينك أمن الدولة بينّا وبينك وكل الشعب قالها خلاص أمن الدولة لازم ينداس‏.‏

حل الجهاز.. مطلب كل المصريين

ويبدوا الآن أن حل الجهاز السيئ السمعة بات مطلب الشعب بجميع طوائفه قبل الثورة سراً وبعد فجر ثورة 25 يناير جهراً. وهذا المطلب، حسب ما كتب ممدوح إسماعيل المحامي في "الدستور"، ليس مطلب شباب الجماعات الاسلامية فقط... ولا هو مطلب جماعة الاخوان فقط التى لفقت ضدها تحريات باطلة ظلماً وزوراً فتم الزج بقياداتها وأعضائها عبر المحاكم العسكرية الى السجون والمعتقلات.. إنما نادى به شباب الفيس بوك الذى معظمه يسمع فقط عن جهاز ارهاب الدولة ويرى بعينيه فى الجامعة كيف يسيطر أمن الدولة على الجامعة ومنعوا كل كلمة وكل حركة وكل رأى يخالف حكومة الإستبداد والفساد.

.. وأيضاً مطلب المعيدين والمدرسين وأساتذة الجامعات الذين منعوا من الترقيات بسبب تقارير جهاز الظلم. ومطلب آلاف المدرسين فى التعليم الذين تم تحويلهم لعمل إدارى بسبب تقارير جهاز رعب الدولة.. ومطلب الأطباء والمهندسين الذين شاهدوا ممارسات الجهاز فى زملائهم المعتقلين وقام جهاز الرعب بمنع الإنتخابات فى نقاباتهم ومنع حريتهم فى الكلمة والرأى.. ومطلب الصحفيين الذين عايشوا إملاء جهاز القهر الأخبار الكاذبة ومنع الحقائق عن الشعب وتعيين ماسحى أحذية أمن الدولة رؤساء تحرير فوق الأحرار والشرفاء فمنعوا كلمة الحق عن الشعب وتستروا على الفاسدين وعاونوا الظالمين.. وهو مطلب نصف مليون من المحامين الذين يعايشون بحكم عملهم ممارسات جهاز الظلم للناس ولا يستطيعون مع جبروته وطغيانه منع الظلم ورد الحقوق للناس بل سيطر هذا الجهاز على رئاسة نقابتهم فزور لقلة شاذة مقاعد ومكّنهم من نقابة المحامين.. وهو مطلب ملايين العمال الذين ظلمهم الجهاز بتعيين اتحادات عمال خاضعة لأمره..

وهو مطلب ملايين الموظفين الذين يشاهدون ما يجرى من فساد في وزاراتهم وأعمالهم ولا يستطيعون التكلم بكلمة واحدة لفضح المفسدين وكشف أوراقهم بسبب الخوف من معتقلات وتعذيب أمن الدولة. وهو مطلب الفلاحيين الذين ضيعت حقوقهم وازدادوا فقراً على فقر والرعب من أمن الدولة والتعذيب فى المعتقلات جعلهم

خاضعين للظلم.. وهو مطلب ملايين من طلاب المدارس الذين خوفهم مدراء المدارس من كلمة حق على مجلة حائط بسبب رعب وظلم أمن الدولة فجعلوهم بدون انتماء للوطن.. وهو مطلب السياسيين الشرفاء الذين اضطهدهم جهاز القهر وجعل السفلة من منافقي السياسة يتصدرون المشهد السياسى كأن مصر عقمت أن تلد سياسيين أحرار.

كل التقدير والاحترام للمجلس العسكري، ولكن..

ورغم كل التقدير والاحترام الذي نكنه للمجلس الأعلى للقوات المسلحة فإن كل الأحداث التى شهدتها البلاد منذ إجبار الرئيس السابق على التخلى عن السلطة تدل على افتقار المجلس إلى رؤية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما قد يفضى فى نهاية المطاف، بوعى أو بدون وعى، إلى الالتفاف على الثورة واحتوائها تمهيدا لإجهاضها. وفي رأي الدكتور حسن نافعة المطروح بمقاله في "المصري اليوم" فإن ذلك يعود إلى "أن سلطة إدارة شؤون الدولة آلت إليه –أي المجلس- فى ظروف استثنائية، دون أن يسعى هو إليها أو يرغب فيها، فقد بدا.. وكأن همه الأول ينحصر فى إثبات أنه لا يسعى للاحتفاظ بها، ومن هنا حرصه على ألا تتجاوز الفترة الانتقالية ستة أشهر مرتكباً بذلك أول الأخطاء التى عكست حيرة وارتباكا وتسببت فى سلسلة من الأخطاء اللاحقة، أهمها:

١- رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى الآن تشكيل مجلس رئاسى لمعاونته فى إدارة شؤون البلاد، وهو ما عكس تناقضا فى توجهاته. فمن ناحية بدا المجلس شديد الحرص على الإسراع بنقل السلطة.. لكن بدا فى الوقت نفسه غير مستعد، من ناحية أخرى، لإشراك عناصر غير عسكرية فى إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

٢- إصراره فى البداية على استمرار عمل حكومة شُكلت بتكليف من الرئيس السابق، ثم قيامه لاحقا بإدخال تعديلات عليها، رغم وصفها بحكومة «تسيير أعمال»، وحرص فى الوقت نفسه على احتفاظ رموز مكروهة بمقاعد وزارية فيها، إلى أن رضخ فى النهاية لمطالب الشعب..

٣- إقدامه على تشكيل لجنة لتعديل الدستور على الرغم من إعلانه تعطيل العمل به، ثم قيامه بإنهاء عملها دون إبداء الأسباب وتشكيل لجنة أخرى، وقصر صلاحيات عملها على اقتراح تعديلات محدودة لا يمكن أن تفى بالغرض أو تؤدى إلى انتخاب أفضل العناصر سواء لرئاسة الجمهورية أو لعضوية البرلمان، ثم تحديد يوم ١٩

مارس موعدا للاستفتاء على التعديلات الدستورية المقترحة قبل إنضاجها وتحسينها من خلال النقاش العام.

فلنتمهل قليلاً.. حتى لا نصنع طاغية جديد

وإذا كانت القضية الحقيقية التي تواجهنا هي ضرورة الإسراع بترجمة الثورة إلي قواعد وأسس لنسير عليها في المستقبل حتي لا تضيع‏,‏ فإن أول وأهم شيء حسب رأي الأستاذ حازم عبد الرحمن في "الأهرام" هو المبادرة إلي وضع دستور جديد‏,‏ يتم فيه حرمان رئيس الجمهورية من صلاحياته الواسعة التي يتمتع بها حاليا‏,‏ هذا الحرمان هو الأرض التي ينبغي أن يقف عليها مستقبلنا إذا كنا نريد أن نصبح مجتمعا حرا وديمقراطيا مادام الدستور القائم يمنح الرئيس كل هذه الصلاحيات‏,‏ دون أن يجرؤ أحد علي مساءلته والتحقيق معه‏,‏ ولومه أو توبيخه أو حتي عزله‏,‏ دون هذا‏,‏ ومادام نص الدستورـ كما هو يسمح له بتشكيل الوزارة وحلها وحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة وتعديل الدستور‏..‏ إلخ ـ سوف تظل كل الظروف قائمة لكي نصنع طاغية جديدا‏.‏

ووفقا للتصور الحالي‏,‏ فلسوف نجري الاستفتاء علي الدستور يوم‏91‏ مارس‏,‏ ثم تجري انتخابات برلمانية نحو شهر يوليو‏,‏ ثم انتخابات رئاسية نحو شهر أكتوبر‏.‏ من يستطيع أن ينظم كل هذه الانتخابات المتتالية بكل المعارك والخلافات التي ستشهدها في مثل هذه الفترة الضيقة؟ إن الزمن أمامنا واسع وممتد‏,‏ والقيامة لن تقوم لو أعطينا أنفسنا مهلة من الوقت حتي يستعيد جهاز الأمن بعض عافيته‏,‏ وتتكون لدينا أحزاب سياسية تستحق هذا الوصف‏,‏ ويجري ضبط قوائم الناخبين‏,‏ ويطمئن الناس إلي أن ثورتهم لن يسرقها أحد‏,‏ ويظهر للناس أن البلد علي طريق التغيير الحقيقي‏,‏ فينعكس ذلك في الانتخابات‏.‏ فالمجتمعات لا تتغير بالانتخابات‏,‏ ولكن الانتخابات تعكس التغيير وتعبر عنه‏.‏

اللي اختشوا ماتوا

ربما لو توافر لمصر ربع عدد المنافقين من المثقفين والإعلاميين الذين تقرأ لهم وعنهم هذه الأيام لانصلح حالها ولما كنا بحاجة إلى ثورة. أصبحنا نرى الآن ادعاءات بعضهم أنهم لم يغادروا ميدان التحرير طول الوقت، وحديث البعض الآخر أنهم كانوا ممن تنبأوا بالثورة وظلوا يرصدون مؤشراتها (سرا طبعا) منذ سنين طويلة. فى حين تباهى آخرون أنهم كانوا بين الأباء الذين تعبوا وأجهدوا أنفسهم كثيرا لكى يتحقق الحلم الذى غاب طويلا وراء الحجب. هذه الظاهرة سجلها الكثير من الكتاب بالنقد والرصد والتحليل.

وعن هذا يقول الأستاذ فهمي هويدي في "الشروق": ظللت متفرجا على المشهد، الذى آثار انتباهى فيه أمران، أولهما سرعة التحول لدى البعض من النقيض إلى النقيض، وثانيها مراهنة زملائنا هؤلاء على ضعف ذكراة القارئ أو المشاهد المصرى، وافتراض البلاهة والغباء فيه ــ مع ذلك فقد آثرت أن أبقى متفرجا ومتعجبا مما يحدث، لكننى لاحظت أخيرا أن المسألة زادت على حدها، وأن المنافقين ازدادوا جرأة، فلم يكتفوا بهجاء ولى نعمتهم، وزايدوا على الجميع فى إهانته وتجريحه، ولم يكتفوا بادعاء الشجاعة والبطولة، وإنما أيضا اعتلوا المنصات وراحوا يوجهون إلينا النصائح لكى يبصروننا بما علينا أن نفعله.

إذ بدلا من أن يعتذروا إلينا ثم يختفون من المشهد مؤثرين الصمت، وشاكرين لله أن أحدا لم يحاسبهم على ما اقترفوه بحق الشعب من تضليل ومناصرة للطغيان وترويج للكذب والبهتان، بدلا من ذلك، فإنهم تقدموا الصفوف بكل جرأة وصفاقة ــ مرتدين مسوح الثوار والمناضلين، وشرعوا فى وعظنا وتوجيهنا."

صحيح اللي اختشوا ماتوا..!

أهم الاخبار