بين الدولة المدنية والدينية

إيكونوميست: مصرعلي مفترق الطرق

صحف أجنبية

الجمعة, 18 مايو 2012 18:07
إيكونوميست: مصرعلي مفترق الطرق
كتب - إلهامى شوقى:

تحت عنوان " الجمهورية الثانية فى مصر.. التحديات السياسية والاقتصادية"، نشرت مجلة "الايكونوميست" تقريرا عن مستقبل مصر فيما بعد انتخابات الرئاسة، وتساءلت المجلة الى اين تتجه مصر وهل ستكون دولة علمانية ام دولة دينية فهى الآن على مفترق طرق؟.

وقالت المجلة إنه مع انطلاق المناظرات الرئاسية التليفزيونية فى مصر قبل ايام وفيما تجرى الاستعدادات للسباق الرئاسى على قدم وساق، ظهر على شاشات التليفزيون اثنين من ابرز مرشحى الرئاسة، وهما يتشحان باللون الاسود ويتناحران بعنف بهدف ان ينال كل مرشح من مصداقية منافسة بدلاً من ان يصب كل مرشح تركيزه على عرض لبرنامجه .
وأكدت أن هذه المناظرة الأولى من نوعها فى الدول العربية قد لخصت الصراع بين مرشحى الرئاسة فى أعلى مستوياته وهوالصراع الذى تعيشه مصر بأسرها بين الدولة العلمانية والدولة الدينية، وأن نسبة المشاهدة بلغت خلال المناظرة التى استغرقت خمس ساعات معدلات قياسية .
لمن سيصوت المصريون؟
وقد طرحت هذه المناظرة العصيبة اهم الاسئلة الحرجة، وعلى رأسها هل سيختار المصريون ، ممن لهم حق التصويت وعددهم 52 مليون ناخب ، التيار الاسلامى الذى يسبح ضد تيار الزمن ليتولى مقاليد الامور فى مصر لفترة قد تطول؟ ام سيكون هناك توجه اكثر اتساقا مع متطلبات المرحلة الحالية؟ بما يعكس رغبة الناخبين فى تولى دور اكبر فى اختيار رئيسهم من جانب ورغبتهم التى بدأت تتبلور ضد انفراد الاسلاميين بالحكم المطلق من جانب آخر. 
ولا يمكن الاعلان عن فائز بشكل قاطع فى المناظرة الاخيرة الا انه يمكن استنتاج ان الاصوات ستنقسم بين التيار العلمانى ونقيضه الاسلامى بصورة تعكس ان ثورات الربيع العربى قد افرزت مناخا صحيا، يؤكد الرغبة الجامحة فى ابداء الآراء بشكل حر وصحى بعد عقود طويلة من قمع الديكتاتوريات العاتية.
وقال صاحب كشك سجائر يقع قريبا من التحرير :" لم اكترث كثيرا لما دار فى الحوار الا اننى سعدت وانا اشاهد حوارا بناء، بدلا من التراشق غير الموضوعى فى الالفاظ واساليب التهديد والوعيد المعهودة فى الآونة الاخيرة" .
ويتولد عند الشعب المصرى شعور بالالم المختلط بالغضب بسبب طول مدة المرحلة الانتقالية وهوما انعكس بالسلب على الاوضاع الاقتصادية .
ولاتزال الحكومة تترنح ولاتجد سبيلا للخروج من الازمات ولايزال الجيش يقبض على زمام الامور انتظارا لان ينقل السلطة الى رئيس منتخب بعد الانتهاء من الانتخابات يومى 23 و 24 من مايو الجارى ويعقبها جولة الاعادة فى 16 و17 يونية .
ولاتزال البلاد فى انتظار وضع دستور جديد فيما فشلت الاغلبية الاسلامية فى البرلمان فى  الانفراد بتشكيل اللجنة التأسيسية المعنية  بصياغة دستور جديد.
موسى وابو الفتوح
وجرت المناظرة المثيرة للجدل مع "عمرو موسى"75 عاما - الذى تولى منصب  وزير الخارجية الاسبق والامين العام السابق للجامعة العربية والذى اظهر موقفه المناوئ للمشروع الاسلامى ودفاعة عن الدولة العلمانية ومع ذلك لايؤيده الكثير من الليبراليين  على اعتبار انة جزء من النظام السابق القديم رغم ان "مبارك" استبعدة من منصبة بعد ظهور خلافات حادة بينهما . ويحترم بعض الموالين للتيار الاسلامى "موسى" كرجل يمتلك خبرة سياسية كبيرة وفى المقابل كان المتبارى الثانى هو "عبد المنعم ابو الفتوح" 60 عاما والذى يحتل مكانة على اقصى  اطراف الجناح  الليبرالى الاسلامى..وهو طبيب نال شهرتة كطالب ناشط فى حقبة السبعينات وامضى "ابو الفتوح" 30 عاما كعضو فى جماعة الاخوان المسلمين منها 5 اعوام فى السجن فى عهد "مبارك" .
الا ان "ابو الفتوح" قام بتغيير ايديولوجيته بعيدا عن الخط المحافظ المعروف  لجماعة الاخوان والسلفيين .
وقال احد مديرى حملتة بما يلخص فكره..( لسنا بالدرجة الكافية تيار اسلاميا صرف  ولسنا بالدرجة التى تؤهلنا لنكون علمانيين).

تحديات الإخوان ومرسى
وما بين "موسى" و"ابو الفتوح" و11 مرشحا آخرين، فقد طرح الاخوان المسلمون مرشحا وهو "محمد مرسى" المهندس الذى أكمل تعليمه فى كاليفورنيا، وصاحب الخبرة البرلمانية ويتمتع بدعم اكبر تنظيم وحزب سياسى فى مصر "حزب العدالة والحرية " .
وتركزت حملة "مرسى" على إثارة العاطفة للشارع باستخدام الشعارات الدينية اسوة بما جرى فى الانتخابات البرلمانية السابقة بما يعكس نجاح قوة شعارهم الابرز "الاسلام هو الحل" .
الا ان "مرسى" تنقصه الكاريزما التى يتمتع بها بعض المرشحين الآخرين، بل إنه لم يكن الخيار الاول للجماعة والتى طرحت

فى البداية "خيرت الشاطر" والذى استبعدته اللجنة الانتخابية العليا التى يديرها الجيش .
ويتعرض "مرسى" الى حملة انتقادات عنيفة تعكس الرفض لفكره وشحصيته وهذه الحملة ايضا تنال من الاخوان التى اخذت شعبيتهم فى التراجع سريعا فى اعقاب الانتخابات البرلمانية .
والسبب الرئيسى عجز الجماعة عن تحقيق اى انجازات منذ سيطرتها على البرلمان بسبب تنازع اختصاصاتهم والصدام مع مجلس الوزراء المعين من قبل الجيش .
وفى العام الماضى تعهدت جماعة الاخوان بالحصول على ثلث مقاعد البرلمان فقط الا انها انتزعت ما يقرب من النصف، كما وعدت بعدم المشاركة فى الانتخابات الرئاسية الا انها دفعت بمرشحين اثنين كما تتعرض الى هجوم من الاحزاب الاخرى والتى تصف الاخوان بالانحياز الى جانب الجيش اضافة الى تخليهم عن القوى الثورية والتى خاضت معارك دامية فى الشارع ، كما يتعرضون لهجوم عنيف بسبب محاولاتهم السيطرة على اللجنة التاسيسية للدستور رغم حكم المحكمة بعدم شرعية الاجراء فضلا عن قيامهم بتعليق جلسات مجلس الشعب دون اى استشارة للاحزاب الاخرى.
واثارت هذة التصرفات غضب ليس فقط الاحزاب الليبرالية ولكن ايضا الجماعات السلفية التى تسيطر على حوالى ربع مقاعد البرلمان الاكثر التصاقا بجماعة الاخوان المسلمين ولو من الناحية الفكرية.
ولذلك قرر حزب "النور" الممثل الاكبر للسلفيين ان يدعم "ابو الفتوح" وهو الامر الذى من شأنة ان يمنحهم تقديرا وثقة اكبر نسبيا  مع القوى الليبرالية المليئة بالشكوك تجاة الاسلاميين. 
ويعتقد كثيرون انه  من الحماقة منح الاخوان المسلمون سلطة مطلقة للسيطرة على البرلمان والرئاسة والمحاكم واتحادات الطلبة والنقابات المهنية  .
الاستطلاعات
وتشير استطلاعات الرأى والتى كانت محظورة حتى اندلاع الثورة الى ان قطاعا كبيرا من الناخبين  لن يمنح الاخوان تفويضا مفتوحا على بياض حتى ان الكثيرين ممن صوتوا لصالح الاخوان فى الانتخابات البرلمانية لن يمنحوهم اصواتهم فى الانتخابات الرئاسية القادمة .
ولهولاء الذين نعموا فى احضان النظام القديم او ممن يتخوفون من تردى الاوضاع الامنية  فلديهم الكثير من الخيارات وعلى رأسها الفريق "احمد شفيق" وهو ضابط سابق فى القوات الجوية واخر رئيس وزراء لمبارك قبيل الاطاحة به.
والمثير ان شعبية "شفيق" اخذة فى الارتفاع وخصوصا فى المناطق الريفية ويحظى بدعم قطاع من الاقباط الذين يتخوفون من ان يطيح الاسلاميين بأمالهم فى التغيير الا ان "شفيق" متورط ايضا فى قضايا فساد لم يتم اثباتها كما ان الكثير من المصريين يعارضون اى شخص تورط مع النظام السابق .
ومع نصف دستة من المرشحين الآخرين الذين يفتقدون الى برامج واضحة بشأن رؤيتهم لمنصب الرئيس يحتدم الصراع على المقعد الرئاسى بما لا يدعو الى توقع ان يتم حسم السباق فى مرحلته الاولى وهناك احتمال، رغم محدوديته، ان يؤدى تزايد عدد المرشحين الليبراليين الى اقصائهم جميعا من سباق المرحلة الاولى، بحيث يصبح الطريق ممهدا لاثنين من مرشحى الاخوان المسلمين. الحالى "مرسى" والسابق " ابو الفتوح" .
الا ان الاغلبية تراهن على ان الجولة الاخيرة ستشهد صراعا بين مرشح علمانى وآخر اسلامى .
وفى الاغلب سوف يتعامل الكثير من الناخبين مع الانتخابات الرئاسية بدرجة عالية من الحرص والاهتمام، فالكثير من هؤلاء لم يمنحوا الاخوان والسلفيين اصواتهم فى الانتخابات البرلمانية توافقا مع ميولهم الفكرية والدينية ولكن بسبب قدرة الحزبين  دون غيرهما على التنظيم بصورة افضل والآمال التى بنيت عليهما لمواجهة الفساد مقارنة مع ضعف قوة المعسكر العلمانى وتمزقه.

مطبات صعبة
  ورغم قدرة الاخوان على تعبئة الناخبين وحشدهم لصالح مرشحهم مقابل وجبة مجانية او بنقلهم مجانا يوم الانتخابات او بوعود لتحسين الخدمات المحلية الا انهم سيواجهون الكثير من العقبات والمخاوف من قبل الناخبين ولن يكون الطريق الى تحقيق الانتصار يسيرا ممهدا كما حدث فى الانتخابات السابقة للبرلمان . 
وتلوح ايضا الكثير من التساؤلات العصيبة عما سيواجهه الرئيس القادم من صعوبات وعلى رأسها المصير المجهول للدستور والموقف الذى سيتم تبنيه ازاء  دور الدولة وموقفها من الدين والشريعة والبيروقراطية.
والاهم والاكثر الحاحا هو دور الجيش فى هذه المرحلة التى لايزال  يسيطر فيها على مقاليد الامور ومنذ ستين عاما مضت .
ويقول "حسام بهجت" احد المحامين الحقوقيين: "ان الصراع الحقيقى سيكون بين المجتمع المدنى وسلطة الدولة ومع غياب الثقة بين مؤسسات الدولة والسلطات الثلاث ستكون خارطة الطريق حتما محفوفة بالمخاطر ومليئة بالعقبات.