رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إيكونوميست:مقهى ريش"سر"ثورات مصر

صحف أجنبية

الاثنين, 19 ديسمبر 2011 19:40
كتب- حمدى مبارز:

نشرت مجلة "ايكونوميست" البريطانية ملفا كاملا يحكى تاريخ مقهى "ريش" الشهير وسط القاهرة. ركزت المجلة فى تناولها للموضوع على الأهمية التاريخية لهذا المقهى وكيف أنه منذ تأسيسه عام 1908، كان مؤثرا فى الأحداث السياسية المهمة. وقالت المجلة إن هذا المقهى كان ملتقى المثقفين والكتاب والقوى الثورية التى قامت بثورة 25 يناير. فبعد كل جولة من المظاهرات أو المواجهات الصعبة مع الأمن، يتجمع الثوار على هذا المقهى لالتقاط الأنفاس.

وسردت المجلة تاريخ المقهى الذى تم تصميمه بمعرفة مهندسين فرنسيين، ولذلك يأخذ شكل العمارة الأوروبية، وكيف أنه يقع فى منطقة حيوية بالقرب من ميدان طلعت حرب وبجوار مكاتب الصحف ودور النشر والمحاكم ومكاتب كبار المحامين والأطباء، وعلى بعد أمتار قليلة من ميدان التحرير. وقالت المجلة إن المقهى يقع فى منطقة تضم مبانى فخمة ومهمة تم بناؤها فى بداية القرن الماضى بخبرات أوروبية، وكان ينظر لها على أنها "باريس التى تطل على النيل"، كما أسهبت المجلة فى وصف المقهى والعاملين به والزى الأزرق الذى يرتدونه والأكواب الذهبية والمانضد الخشبية والحوائط ذات الزجاج الفخم والحشب النادر. والأحجار التاريخية كتلك التى بنيت بها الأهرامات.


وأضافت المجلة أنه فى عام 1919 جلس طالب الطب "عريان يوسف عريان" على مقهى "ريش"، منتظرا مرور رئيس الوزراء الذى كان يمر يوميا من أمام المقهى، ثم ألقى قنبلة كانت معة على سيارة رئيس الوزراء الذى نجا من الحادث، وكيف أن هذا الحادث كان شرارة لثورة وطنية ضد الاحتلال البريطانى .

وأشارت إلى أن المنطقة الواقعة أمام المقهى شهدت العديد من المعارك خلال ثورة 1919، بينما تحول بدروم المقهى إلى ملاذ أمن للثوار هربا من جنود الاحتلال البريطانى. وأضافت المجلة أن المقهى به العديد من المخارج المرتبطة بأنفاق تحت الأرض ، تم بناؤها منذ قرن من الزمان، ويقال حسب المجلة إن الأنفاق تصل إلى ميدان التحرير .

وأشارت إلى أن آثار هذه الأنفاق ربما تكون موجودة حتى الآن ، فهناك قبو مغلق بالمقهى، وأبواب

خشبية تشير إلى أنه تم إغلاقها ، لكن لاتزال آثارها قائمة. وقالت المجلة إن مداهمات قوات الأمن للمقهى دائما، كانت تفشل، ولا تنجح فى الإمساك بالمطلوبين فى العشرينيات من القرن الماضى، وهو ما يؤكد وجود الأنفاق. وواصلت المجلة سردها، قائلة إنه بعد أن نالت مصر الاستقلال فى عام 1922، وتولى الملك "فاروق" الحكم، ونظر إليه المصريون على أنه فاسد، حاول الملك احتواء الغضب الشعبى وعمل على كسب ود الشعب، حتى إنه أعلن أنه تعرف على زوجته الثانية على مقهى "ريش".

وأكدت المجلة أن العقيد "جمال عبد الناصر" دبر انقلابه على الملك من مقهى "ريش" ، حيث كان التخطيط الأول للقيام بثورة 1952 من خلال التقاء الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة على مقهى "ريش" . وأشارت المجلة إلى أن المقهى التاريخى كان ومازال ملتقى المفكرين والكتاب الكبار أمثال "كامل زهيرى" و"إبراهيم اصلان" ، كما أنه كان ملتقى السياسيين والثوار خاصة الشيوعببن والماركسين واليساريين، وفى نفس الوقت فهو أيضا ملتقى للجواسيس والمخبرين.

وعلى عكس كل المقاهى المنافسة، يقدم مقهى ريش الخمور، حتى الآن. وأوضحت المجلة أن مؤسس المقهى يقال إنه ألمانى وهناك روايات تقول إنه نمساوى، ولكن فى النهاية اشتراه شخص فرنسى، والذى قام بدوره ببيعه لمجموعة من اليونانيين. وأضافت المجلة أن سيدة الغناء العربى "أم كلثوم" عرضت فى المقهى إحدى روائعها فى عام 1923 . وبعد أن تولى الرئيس "جمال عبد الناصر" الحكم ، تحول مقهى "ريش" إلى منتدى للكتاب والفنانيين .

ونقلت المجلة عن صحفيين ورواد للمقهى ، "إنهم يتجمعون فى هذا المكان لمقابلة كبار الكتب والمؤلفين ورموز الأدب فى مصر" . كما أن كاتبا مثل الراحل نجيب محفوظ كان من رواد هذا

المقهى، بل إنه كتب روايته الشهيرة "مقهى الكرنك" حول مقهى "ريش" وروادها، وفى نفس الوقت هناك من يرى أن المقهى ليس آمنا، كونه مرصودا من أعين الشرطة.

وتروى المجلة بأنه فى عهد "جمال عبد الناصر" وعهد "السادات" تغيرت الأوضاع على مقهى "ريش" ، حيث زادت عزلة الكتاب والمفكرين، حتى إن شاعرا معروفا مثل "أحمد فؤاد نجم" ، لم يكن يتردد على المقهى ، وزاد الأمر سوءا بعد تطبيق قانون الطوارئ عقب اغتيال السادات وتولى "مبارك" الحكم عام 1981 ، كما بدا المقهى يتعرض لمنافسة قوية من مقاهى عديدة تم تأسيسها على الحداثة فى المنطقة، وعقب زلزال 1992 ، تم اغلاق مقهى "ريش "فترة طويلة ، وتغير واقع المكان بعد ذلك حيث ازدحم شارع طلعت حرب بالمحلات والانوار الكثيرة وتم تغيير واجهات المبانى ، وبدأت الحكومة تنظر الى بعض الميانى فى تلك المنطقة على انها اثرية ولا يجب احلالها او اعادة بناءها او هدمها ، وتعددت المشاكل فى المكان . واوضحت المجلة ان اخر مالك اجنبى للمقهى ، كان فى عام 1962، حيث باعه لشخص مصرى يدعى " عبد المالك" ، وحاليا يملكها ابناءه "مجدى" و"مايكل".

والتقت المجلة باحد العاملين فى المقهى ويدعى "فلفل" من النوبة، حيث يقول ان المقهى لايبحث عن الاموال بل يبحث عن الزبائن الاكثر احتراما ، كما انه لايسمح بأى امور تخرج عن العادات والتقاليد المصرية الاصيلة . ويضيف ان اغلب الزبائن حاليا من الشباب خاضة من طلاب الجامعة الامريكية ، وتقول "هدى بركة" الناشطة فى مجال البيئة ان المقهى يبدو وكأنه متحف . وتحكى المجلة كيف استرد المقهى دورة كملتقى للسياسيين ، مع فيام ثورة 25 يناير ، ورغم وجود مقهى منافس هو "مقهى البورصة"، إلا أن "ريش" ، كان القاعدة التى ينطلق منها الثوار الى ميدان التحرير ثم يعودون.

وكما حدث فى العشرينات من القرن الماضى ، وخلال ثورات 1919 و1952 ، شهد مقهى "ريش" كل احداث ثورة 25 يناير ، حيث وقع العديد من الضحابا امام المقهى وكان ايضا ملاذا للثوار ، ونقطة تجمع ، ورغم إغلاق الشوارع من قبل قوات الأمن ، إلا أن المقهى ظل يعمل دون توقف يقدم خدماته للثوار . واليوم يتجمع العشرات على المقهى يتبادلون الاحاديث السياسية حول مستقبل مصر . وتختم المجلة بقولها إنه حتى إذا تغيرت مصر كلها ، يبدو أن مقهى "ريش" وملاكه سيظلون يعيشون فى عبق التاريخ، وسيظل هذا المكان رمزا للثورات المصرية.