رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

حاتم الجبلي.. زعيم عصابة صفقة الإسعاف

صحة الأسرة

الجمعة, 16 سبتمبر 2011 13:03

مجدي سلامة

صفقة القرن.. لقب يطلق علي صفقات السلاح والمخدرات والرقيق الأبيض، وأحياناً الأدوية المهربة.والجديد أنه أطلق مؤخراً علي صفقة سيارت إسعاف!الصفقة تقترب قيمتها من 2 مليار جنيه، وبطلها د. حاتم الجبلي، وزير الصحة الأسبق.

ولو أن «الجبلي» لم يفعل في حياته سوي هذه الصفقة لكان ذلك كفيلاً بأن يساق صاغراً للتحقيق معه في قائمة طويلة من الاتهامات.. أولها إهدار المال العام وسوء استخدام السلطة.. وآخرها مخالفة القانون ومحاربة الصناعة الوطنية.
المثير أن رائحة الفساد التي صاحبت الصفقة، دفعت احدي محاكم أوروبا للتحقيق فيها بينما مصر لاتزال تغمض عينيها عن الفضيحة، فلم تكلف الحكومة خاطرها وتسأل «الجبلي» عما جنته يداه في هذه الصفقة المشبوهة!
وحكاية «الجبلي» مع صفقة القرن بدأت فور توليه منصب وزير صحة مصر في يناير 2006، ومن سخريات القدر انه قال وقتها جملة تعد اعترافا منه بأن ما فعله في صفقة الإسعاف هو جريمة الجرائم!.
ففور توليه منصبه كوزير للصحة شنَّ «الجبلي» هجوماً حاداً علي وزير الصحة الأسبق اسماعيل سلام، وقال بالحرف الواحد: «سلام» خرب مصر.. اشتري سيارت اسعاف تكفي الشرق الأوسط كله.
هكذا قال «الجبلي» بعضمة لسانه - كما يقولون - بسبب شراء سلام 1000 سيارة اسعاف خلال 6 سنوات، والمفاجأة أن «الجبلي» نفسه اشتري 2087 سيارة اسعاف خلال عامين اثنين من توليه وزارة الصحة!
وفوق هذا فإن «سلام» اشتري حوالي 250 سيارة اسعاف من خلال منح أوروبية لا ترد، أي أنه لم يكلف خزينة الدولة مليماً واحداً لشرائها بينما «الجبلي» اشتري ما اشتري من سيارات بأغلي الأسعار وكلف خزينة الدولة حوالي 2 مليار جنيه!

تمهيد تكتيكي
منذ أن وطأت قدم د. الجبلي وزارة الصحة وكل المؤشرات تؤكد أنه يضع عينيه علي سيارات الإسعاف بدليل انه بعد اسابيع قليلة من قوله ان اسماعيل سلام اشتري سيارات اسعاف تكفي الشرق الأوسط، طرح «الجبلي» ممارسة محدودة لتوريد 6 سيارات اسعاف لوزارة الصحة وحدد موعد فتح المظاريف بعد أسبوع واحد من طرح الممارسة، وبالفعل تقدمت 3 شركات وبعدها حدثت مهازل.. تزوير في محاضر لجان البت ومحاباة فاضحة لإحدي الشركات المتقدمة ولما اعترضت الشركتان الاخيريان تم ايقاف الممارسة وأحيلت للنيابة للتحقيق في المخالفات التي شابتها.
وفي نهاية التحقيقات حفظت النيابة التحقيقات ولم تحقق في وقائع تزوير محاضر لجان البت وتجاهلتها تماماً.
والأكثر غرابة ان د. حاتم الجبلي ووزير الصحة آنذاك نقل رئيس لجان البت في الممارسة للعمل وكيلاً لوزارة الصحة بمطروح رغم أنه كان علي الدرجة الثانية وبالتالي لا يحق له قانونا تولي مناصب قيادية ولكن «الجبلي» فعل ما يشاء!
وقبل مرور عام علي تلك الواقعة أعلنت وزارة الصحة عن مناقصة عامة لتوريد 40 سيارة إسعاف واشترت 10 شركات كراسة الشروط والمواصفات وعند بدء جلسة فتح المظاريف الفنية في مايو 2007 اتضح أنه لم يشترك في هذه المناقصة سوي شركتين فقط وتم قبول عرضيهما من ناحية نوعية السيارات بينما تم رفض بعض الأجهزة الطبية لعدم مطابقتها للمواصفات الطبية الواردة بكراسة الشروط، ولما اعترض مندوب احدي الشركتين مؤكداً أن الاجهزة الطبية الواردة بعرض الشركة مطابقاً تماما لما ورد في كراسة الشروط، وعندها قال بعض أعضاء اللجنة الفنية «خلاص مفيش مناقصة» وبالفعل تم الغاء المناقصة!.. وبعدها بدأ «د. الجبلي» مشوار توريد سيارات الإسعاف بالأمر المباشر!
وكأنها عملية حربية بدأ «الجبلي» التمهيد لمشوار التوريد بالأمر المباشر عبر صحف مختلفة دفع لصحفيين فيها 700 ألف جنيه لكي ينشروا موضوعات صحفية تقول ان اسعاف مصر يحتضر وأنه علي وشك الانهيار.
وبالفعل بدأ مرتزقة الصحافة عزف نشيد «الاسعاف مات.. مات»!
واستغل «الجبلي» الحملة الصحفية مدفوعة الأجر وراح يستدعي ما شاء من الشركات العاملة في مجال السيارات وطلب منها التقدم بعروض لتوريد 100 سيارة إسعاف!
هكذا بدون مناقصة ولا ممارسة ولا حتي إعلان!
وتقدمت الشركات بعروض أسعار تتراوح بين 150 ألفاً و220 ألف جنيه، فطلبت الوزارة تعديل بعض المواصفات فنفذت الشركات التعديلات فعادت الوزارة تطلب تعديل مواصفات اخري وواصلت طلباتها حتي طفشت الشركات كلها، بعدما ثبت لها أن «الجبلي» غير جاد في ممارساته ومناقصاته وأنه يستغلها لتحقيق حاجة في نفس «يعقوب»!
ممارسة وهمية!
وفي يوليو 2007 عاد «الجبلي» للإعلان عن ممارسة محدودة لتزويد وزارة الصحة بـ 900 سيارة اسعاف، وحدد جلسة 2-8-2007 لفتح المظاريف الفنية لتوريد 360 سيارة اسعاف عناية مركزة فئة «أ» وجلسة 5-8-2007 لفتح مظاريف توريد 270 سيارة اسعاف عناية مركزة فئة «ب» وجلسة 6-8-2007 لفتح مظاريف توريد 270 سيارة اسعاف عناية مركزة فئة «جـ».
وكانت هذه الممارسة غاية في الغرابة لأسباب كثيرة أولها أنها تعلن عن صفقة تتجاوز قيمتها 650 مليون جنيه وتطلب تقديم مظاريف فنية خلال أسبوع واحد وهو زمن قصير جداً جداً!
والمفاجأة الثانية ان الوزارة طرحت 3 كراسات شروط ومواصفات بمعدل كراسة لكل نوع من السيارات المطلوبة، ولكن الكراسات الثلاث كانت متطابقة تمام التطابق ولا اختلاف بينها إلا في عدد السيارات المطلوبة وتاريخ جلسة فض المظاريف!
وطبعاً انتابت الدهشة كل الذين تقدموا للممارسة وكان سؤالهم المنطقي جداً هو: كيف تطلب الوزارة سيارات اسعاف فئة «أ» بذات المواصفات التي تطلب بها سيارات إسعاف فئتي «ب» و «ج»؟!
وطبعاً لم يجد أحد إجابة عن سؤاله هذا، واكتفي الكثيرون بالسخرية من الوزارة والوزير «الجبلي» قائلين «رزق الموردين علي وزارة الصحة»!
وفي الموعد المحدد لفتح المظاريف رفضت وزارة الصحة جميع العروض الخاصة بتوريد سيارات إسعاف «تويوتا» و«فولكس T5» لعدم مطابقتهما للمواصفات الفنية ووافقت فقط علي عروض توريد سيارات مرسيدس واعلنت الوزارة أنه سيتم فتح المظاريف المالية للشركات التي تم قبول عروضها الفنية في أكتوبر 2007 ثم غيرت الوزارة الموعد وأجلته الي 13 ديسمبر 2007.
وفي تمام الساعة الثانية بعد ظهر يوم 12 ديسمبر 2007 ابلغت وزارة الصحة الشركات انه تقرر تأجيل فتح المظاريف المالية الي شهر يناير.. وفي يناير طلبت الوزارة من الشركات سحب مظاريفها المالية المغلقة التي تقدمت بها!
وكانت المفاجأة المدوية ان تلك الممارسة بكل ما تم فيها لم تكن سوي ممارسة وهمية.. لماذا؟ لأن د. حاتم الجبلي كان قد تعاقد بالأمر المباشر مع شركة ألمانية علي توريد 500 سيارة إسعاف في 30 أكتوبر 2007!!
والكارثة ان «الجبلي» وافق علي شراء تلك السيارات رغم أنها جميعاً ماركة «فولكس T5» وهي ذات الماركة التي رفضها «الجبلي» نفسه لعدم مطابقتها للمواصفات الفنية.
والكارثة الثانية أن «الجبلي» تعاقد علي شراء الـ 500 سيارة بسعر 405 آلاف جنيه للسيارة الواحدة وهو سعر يزيد 30٪ علي الاسعار التي عرضتها الشركات في الممارسات التي طرحتها الوزارة وألغتها.
والكارثة الثالثة، أن اللجنة الفنية التي اختارها «الجبلي» للبت في عرض الشركة الألمانية ضمت منتدباً من مستشفي دار الفؤاد - الذي يساهم فيه الجبلي - والثاني يعمل بعقد مؤقت

بوزارة الصحة والباقي تمت الاستعانة بهم من ادارات مختلفة بالوزارة وليس لهم أي خبرة في مجال سيارات الاسعاف.. وهؤلاء فقط هم الذين فوضهم «الجبلي» للبت في صفقة لشراء 500 سيارة اسعاف قيمتها 202 مليون و500 ألف جنيه!
مهازل «الجبلي»
لم تتوقف مهازل «الجبلي» في صفقة سيارات الإسعاف عن هذا الحد، ولا نبالغ إذا قلنا إن المهازل صاحبت الصفقة منذ التفكير فيها وحتي ما بعد استلامها.. فاللجنة الفنية وكل لجان البت الاخري لم تتضمن خبراء فنيين وماليين وقانونيين حسبما نص القانون.
والغريب أن الشركة الألمانية قدمت عرضها في 28 أكتوبر 2007 وفي نفس اليوم اجتمعت لجنة البت ووافقت علي العرض.
وتتوالي المهازل لتصل الي أمر توريد الـ 500 سيارة والذي وافقت عليه وزارة الصحة، فلم يحدد أمر التوريد طراز السيارة الفولكس التي سيتم توريدها، حيث إن هناك عدة طرازات لذات السيارة، تختلف في المواصفات والقيمة!
وليس هذا فقط بل إن أمر التوريد لم يحدد سنة صنع السيارة التي سيتم توريدها بل ولم يتم تحديد موعد التسليم حيث ذكر أمر التوريد انه سيتم توريد 500 سيارة اسعاف علي دفعات خلال 5 أشهر ابتداء من نياير وحتي مايو ولم يحدد السنة هل هي 2008 ام 2009 أم 2010!
وفوق هذا كله سدد الجبلي 70٪ من قيمة الصفقة قبل التوريد واستبقي 30٪ فقط لما بعد الاستلام!
ولم يكتف «الجبلي» بـ 500 سيارة اسعاف بل تعاقد وبالأمر المباشر أيضاً علي توريد 1587 سيارة اسعاف من ذات الشركة الألمانية واسمها WAS وهكذا اشتري «الجبلي» بالأمر المباشر 2087 سيارة اسعاف اسعارها بلغت حوالي 2 مليار جنيه.
والمرعب أن WAS التي اشتري منها «الجبلي» كل هذه السيارات ليست شركة بالمعني المعروف وإنما كانت أقرب لورشة والدليل أن احد وسطاء الصفقة عندما علم في البداية أن وزارة الصحة المصرية تطلب توريد 100 سيارة تصور أن العرض وهمي وقال بالحرف الواحد أنه لم يصدق العرض في البداية لأن الرقم المطلوب كبير جداً.
الاختباء الكبير
المؤكد أن «الجبلي» كان يدرك تماما أن تجاوزات صفقة سيارات الاسعاف كانت تفوق الوصف ولهذا فكر في وسيلة يتحصن فيها إذا ما تم فتح ملف هذه الفضيحة وهداه تفكيره الي التحصن خلف مجلس الدفاع الوطني، فأقنع «عمر سليمان»، رئيس جهاز المخابرات بأن تتم الصفقة من خلال مجلس الدفاع الوطني، فاختار المجلس شركة وادي النيل للمقاولات لكي تتولي اتمام الصفقة.. هكذا تقول الأوراق، لكن الذي حدث هو أن «الجبلي» نفسه هو الذي قام بالصفقة من الألف إلي الياء حتي إنه كان يسافر بنفسه الي ألمانيا لكي يفحص بنفسه سيارات الاسعاف التي سيتم توريدها!.. كما أنه هو نفسه الذي اقنع يوسف بطرس غالي باعفاء سيارات الاسعاف الموردة من سداد الجمارك المقررة عليها والمقدرة بعشرات الملايين من الجنيهات.
والمثير أن الشركة الألمانية التي فازت بصفقة الاسعاف تعاقدت مع شركة مصرية متخصصة في تجارة الدخان والمحاليل الطبية والمقاولات لكي تكون وكيلاً لها في مصر وبناء علي هذا التعاقد حصلت شركة الدخان علي عمولة بلغت 6 آلاف و819 يورو عن كل سيارة تم توريدها لوزارة الصحة، أما الوسيط السويسري في الصفقة واسمه «جريديو رادتك» فطلب 2500 يورو عمولة عن كل سيارة تم توريدها.
ولأن العمولات كانت مهولة حدث صدام كبير بين الشركة الألمانية WAS وشركة انجليزية تسمي «انتر سيرش جروب» وهي الوكيل الحصري للشركة الألمانية في الشرق الأوسط وبالتالي طلبت هي الاخري نصيبها من عمولة الصفقة.
ووصل الصدام الي المحاكم الأوروبية ومازالت الدعوي منظورة بين «بيتر كوهين» رئيس الشركة الألمانية والشركة البريطانية.
والمريب ان د. محمد سلطان، القائم بأعمال نائب رئيس هيئة اسعاف مصر سافر الي أوروبا في اوائل يوليو الماضي لحضور الدعوي إياها وشهد لصالح شركة WAS الألمانية.. ولا يعرف أحد لماذا سافر الدكتور سلطان ومن الذي تحمل مصاريف سفره واقامته في أوروبا.
ومازال السؤال الذي يبحث عن اجابة من يحمي حاتم الجبلي من محاسبته في جريمة الصفقة المعروفة في أوروبا باسم صفقة القرن والمشهورة في مصر باسم صفقة «سيارات الاسعاف».
بعض الخبثاء يقسمون بأن «جمال مبارك» كان هو الحامي والداعم لحاتم الجبلي بسبب العلاقة الوثيقة التي كانت تربط الجبلي بمحمود الجمال - والد زوجة جمال مبارك.
والآن ذهب جمال مبارك.. فمن الذي يحمي حاتم الجبلي؟ ذات الخبثاء يقولون إن «الجبلي» تربطه صداقات وثيقة مع النائب العام الحالي عبد المجيد محمود وعدد من كبار مستشاريه فهل صحيح أن هؤلاء هم حُماة حاتم الجبلي حتي الآن؟!