رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تسلل

عندما يبكي الرئيس!

صبري حافظ

الاثنين, 14 مارس 2011 07:14
بقلم :صبري حافظ

عمل كماسح للأحذية، وصبي بمحطة بنزين، وميكانيكي سيارات، وبائع خضار، فقد انحدر من أسرة فقيرة، فهو الطفل السابع لأسرة تضم (8) أطفال، توفي والدهم وتولت الأم »الأمية« المسئولية الكبري.. واضطرت العائلة لتسكن في غرفة واحدة خلف »ملهي ليلي« تنبعث منه الموسيقي الصاخبة، وسباب السكاري والمخمورين. ترك مدرسته وهو في الصف الخامس الابتدائي بسبب المعاناة والفقر، وقبل أن يبلغ الـ »19« ربيعاً خسر إصبعه الصغير في يده اليسري أثناء عمله في مصنع لقطع غيار السيارات، مما دفعه ليشارك في اتحاد نقابات العمال ليدافع عن حقوقه وحقوق زملائه.

لم يتوقع الرئيس البرازيلي »اليتيم« لولا داسيلفا - الذي انتهت مدة رئاسته خلال أيام - أن يكون رئيساً لدولة يقارب عدد سكانها ربع مليار نسمة، وبالتحديد 200 مليون، فهو واحد من أبرز الزعماء السياسيين الذين خرجوا من »رحم« الفقر والتهميش إلي قمة هرم السلطة.

ولم يدر »داسيلفا« بخلده - وهو في صباه - أنه سيحول دولته التي كانت علي شفا الإفلاس ومدينة لدول العالم بالمليارات من الدولارات إلي ثامن أكبر قوة اقتصادية في 8 سنوات

فقط ومرشحة قبل أن تحتضن أوليمبياد 2016 لتكون خامس اقتصاد في العالم.

»داسيلفا« يمتلك كل الصفات الجميلة والإرادة الحديدية والإحساس المرهف بالآخر وبغض الظلم والفساد، فلم يستسلم لثلاث هزائم متتالية في انتخابات الرئاسة 89 ، 94 ، 98 قبل أن يتولي الرئاسة 2002 ويعاد انتخابه 2006. ليعلن الحرب علي كل ما هو فاسد، الذي استشري في عهدي الرئيسين »فيرناندو ميلو« و»فيرناندو دوسو« ونسف معابدهم، ووضع تشريعات وقوانين للنهوض بالبلاد كقوة عظمي اقتصادياً علي خلفية انخفاض قيمة العملة البرازيلية (الريال البرازيلي) أمام الدولار وضعف الاستثمارات، ولأن عواطفه جياشة ويكره الظلم، فقد قاد بلاده ودول أمريكا اللاتينية إلي الاعتراف بدولة فلسطين.

لم يغال البرازيليون عندما وصفوا »داسيلفا« بـ »ابن البرازيل« فلم يقدم يوماً تبريرات واهية للاستمرار علي العرش، أو يراوغ ويخدع شعبه، ولم يتحجج بأن الزيادة السكانية عبئاً وتلتهم موارد التنمية، أو يحنث في وعوده، أو في قسم اليمين الدستوري بحماية

وطنه وقطع يد الفاسدين، رغم أن رؤساء دول العالم الثالث والنامية تختزل اليمين في رعاية مصالح الوطن علي حماية الوطن من العدو الخارجي الذي هو حماية فقط لـ »الكرسي« رغم أن العدو الداخلي ممثلاً في الفساد والحاشية أشد فتكاً من المتربصين بالوطن علي حدوده لأنهم معروفون! ولم يكن بكاء »داسيلفا« ثلاث مرات في خطابه الأخير لتركه السلطة، بل استعاد ذكريات طفولته الصعبة، وبكي مع ثناء أحد الشعراء عرفاناً بالجميل وقد حظي بأكبر قدر من محبة شعبه.. وزرفت دموعه بشدة مع استحضاره لذكريات فوزه بعد ثلاث هزائم وقال: »خسرت لأن جزءاً من الفقراء لم يكن لديهم ثقة فيَّ حينذاك«.

يبكي »داسيلفا«، بينما المغتصبون للأوطان لا يبكون ولا يعتذرون، ولا يتألمون لألم الجائع أو المظلوم!

.. يا لها من لحظات فراق بين حبيبين.. بين رئيس ومرؤوسه.. رئيس وفي بوعده ونشل مواطنيه من الغرق في يم الفقر والبؤس، وشعب ينحني إجلالاً وعرفاناً لقائده.. وسيظل »داسيلفا« متربعاً في قلوب البرازيليين وستفوق مكانته وعظمته تقدير الشعب لفن الموهوبين من نجوم الكرة مثل بيليه، ورونالدو، ورونالدينهو وغيرهم.

ما أحوجنا لاستنساخ رئيس يمتلك مواصفات »دا سيلفا« في تواضعه وكبريائه في رؤيته وبُعد نظره ومواجهة التحديات الصعبة في ظروف أصعب.. وفرق كبير بين دموع شعب علي فراق رئيس.. وبين فرحة عارمة لرحيل »كابوس« يظل جاسماً علي الصدور لسنوات واللعنات تطارده وعصابته ليل نهار!!

[email protected]