رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نقطة ساخنة

عندما بكي أمامي وزير الداخلية

سيد عبدالعاطى

الأربعاء, 24 ديسمبر 2014 21:36
بقلم -سيد عبدالعاطي




«صفوت الشريف» و«زكريا عزمي» و«يوسف والي» دبروا جريمة الأمن المركزي عام 1986

لم أكن أتخيل يوما، أن أجلس أمام اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية الأسبق.. ثم أجده فجأة ينفجر في البكاء أمامي.. ليس مرة واحدة.. ولكن أكثر من مرة.. لدرجة أنني كنت أتوقف عن الحديث معه، لأمنحه الفرصة ليجفف دموعه وتهدأ نفسه لنواصل الحديث معا.
اللواء أحمد رشدي هو أعظم وزير داخلية أنجبته مصر، بعد الراحل العظيم فؤاد باشا سراج الدين زعيم حزب الوفد، الذي تولي وزارة الداخلية قبل يوليو 1952.. لم يكن أحمد رشدي وزير داخلية عاديا.. كان رجلا بحجم دولة فعلا لا قولا.. وطنيا.. مخلصا.. شريفا.. نزيها.. في عهده لم تشهد مصر تجاوزات داخل أقسام الشرطة.. لا تلفيق للتهم.. لا تعذيب داخل السجون.. لا اعتقالات سياسية.. كان أول وآخر من طبق شعار «الشرطة في خدمة الشعب».. وأول وآخر من أحدث انضباطا في الشارع المصري.. أعلن الحرب علي رؤوس الفساد وبدأ اصطياد الكبار.. وأعلن الحرب علي تجار المخدرات ونجح خلال شهور في تفكيك الإمبراطورية التي لا تقهر.. إمبراطورية الكيف بالباطنية.. كان شجاعا.. قويا.. حازما.. صارما.. لا يعرف الاستثناءات.. ولا الوساطات.. ولا المجاملات.. وكانت المكافأة التي نالها هذا الرجل العظيم.. أن الحاكم نفسه وحاشيته وعصابته هم الذين دبروا له المؤامرة.. خانوه.. أطاحوا به.. بعد أن تأكد لهم أنه أصبح خطرا عليهم.. يهدد عروشهم.. يلف الحبل حول أعناقهم.. قرروا التخلص منه بخسة ووضاعة ونذالة.. حتي لو كان الثمن أن يحرقوا مصر كلها.
منذ 5 سنوات.. وتحديدا في بداية 2009، ذهبت أنا والزميل الصحفي محمد عبدالفتاح واللواء الصديق رؤوف المناوي مساعد وزير الداخلية الأسبق، للقاء اللواء أحمد رشدي للاتفاق معه لعمل حوار مع قناة «الحياة» التي كنت أعمل رئيسا لتحرير أحد برامجها.. كان الفوز بإجراء حديث مع رجل بهذا الوزن سبقا صحفيا وإعلاميا كبيرا، خاصة أنه ظل 23 عاما صامتا.. لا يريد الإدلاء بأي أحاديث إلي أي وسيلة إعلامية مصرية أو عربية رغم كل الإغراءات المالية التي كانت تقدم له.. إنه الوحيد الذي يملك حل لغز انتفاضة الأمن المركزي عام 1986.. تلك الانتفاضة التي كادت تحرق مصر كلها.
ثلاث مرات التقينا فيها -

أنا وعبدالفتاح والمناوي - مع اللواء أحمد رشدي بڤيلا نجله «محمود» بمدينة الشروق.. لإقناعه بالتحدث إلي المصريين.. بنقل تجربته إلي أبنائه من ضباط وجنود وقيادات وزارة الداخلية.. في وقت كانت كراهية الشعب المصري لكل من ينتمي لوزارة الداخلية علي أشدها.. وفي وقت كان فيه حبيب العادلي وزير الداخلية يعيث في الأرض فسادا.. وقهرا.. وظلما.. وعدوانا.. علي المصريين.
وكانت المفاجأة أن اللواء أحمد رشدي كلما ذكرناه باحترام الداخلية في عهده لحقوق الإنسان وللمواطن المصري.. كان يبكي.. وكنا نجفف دموعه.. ونهدئ من روعه.. وتكرر هذا المشهد أكثر من 10 مرات.. حتي إننا خشينا أن يحدث هذا أثناء تصوير اللقاء.. نحن لا نريد أن نحقق نصرا صحفيا وإعلاميا علي حساب كرامة الرجل بعد أن تخطي الثمانين من عمره.. نريد أن نحافظ علي صورته قويا كما عرفه الناس.. ووافقتنا الرأي الإعلامية الشهيرة «رولا خرسا» التي أدارت الحوار حرصت هي الأخري علي عدم استغلال كبر سن اللواء أحمد رشدي.. وكان لقاءً رائعا.
بعد التسجيل فوجئت باللواء حبيب العادلي وزير الداخلية يسوق كل رجاله، وعلي مدي أسبوع كامل، ليحصل علي نسخة من تسجيل اللقاء مع اللواء أحمد رشدي ليطلع عليه قبل بثه علي شاشة قناة «الحياة».. محاولات عديدة.. وضغوط شديدة.. باءت جميعها بالفشل.. ولم أعرف هل كان يريد حبيب العادلي أن يعرف ماذا قيل عن سياساته الخرقاء.. أم أن «مبارك» هو الذي أمره بذلك حتي يعرف ما إذا كان اللواء أحمد رشدي قد كشف عن أسرار الانقلاب عليه وتفجير أزمة جنود الأمن المركزي عام 1986.
ما كان يخشاه «مبارك» لم يقله اللواء أحمد رشدي علي شاشات قناة الحياة.. فهو يعلم علم اليقين.. أن نظام مبارك مجرم.. يستطيعون قتله دون وازع من ضمير.. لكنه قاله لنا لنكون شهداء عليه.. قال اللواء رشدي بعد فترة من الصمت.. جفف فيها دموعه: كنت أريد أن أطهر مصر من
الفساد والمفسدين.. وأعلنت صراحة تحت قبة البرلمان وأمام نواب الشعب، أنني سأقضي علي رؤوس الفساد وسأبدأ بالكبار.. وأنني سأقضي علي تجارة المخدرات.. وبدأت بالفعل الحرب علي رؤوس الفساد.. وكان أولهم عبدالخالق المحجوب شقيق الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب  - في ذاك الوقت - ألقي القبض عليه وتمت محاكمته.
واشتعلت الحرب ضد تجار المخدرات حتي صار البحث عن «قرش حشيش» ضربا من ضروب الخيال.. ووجد رجال الدولة من أعوان وحاشية مبارك أنني مصر علي تنفيذ كل ما أقوله.. وأنني أريد بالفعل تطهير البلد من الفساد.. وعندما وجدوا أنني خطر عليهم.. بدأوا تنفيذ مؤامرة قذرة ضدي.
فجأة انفجرت انتفاضة جنود الأمن المركزي يوم الثلاثاء 25 فبراير 1986 في منطقة الأهرامات.. وتطورت علي نحو واسع.. أكثر من 8 آلاف جندي خرجوا في مظاهرات احتجاجية بعد أن ترددت بينهم شائعة تفيد بأنه تقرر مد فترة التجنيد الإجباري من 3 سنوات الي 4 سنوات.. وأن تخفيضا سوف يلحق بمرتبات الجنود لسداد ديون مصر.. وتطورت الأحداث بعد ذلك فيما يشبه انتفاضة شاملة امتدت الي 6 معسكرات مختلفة من الجمهورية.. وبدأ الجنود في تحطيم الفنادق الموجودة في منطقة الأهرامات.. وحطموا قسم شرطة الهرم وواجهات بعض المجال التجارية.. وأشعلوا النيران في عشرات السيارات.. وفي الثالثة من صباح الأربعاء 26 فبراير أعلنت حالة الطوارئ، وتم فرض حظر التجوال.. ولولا تدخل الجيش بعد أن نزل بدباباته ومدرعاته ومجنزراته لاحترقت مصر كلها.. وقتها قدمت استقالتي للرئاسة.. فهدأت الأمور(!!)
< سألت اللواء أحمد رشدي: من دبر مؤامرة انتفاضة جنود الأمن المركزي؟!
<< قال: صفوت الشريف والدكتور زكريا عزمي والدكتور يوسف والي.
< قلت له: «الشريف» و«عزمي» مجرمون،. يفعلونها، بل يفعلون أكثر من ذلك.. لكن أنت متأكد من اشتراك «يوسف والي» في المؤامرة.. وكررت السؤال ثلاث مرات؟!
<< قال اللواء رشدي: نعم، الدكتور يوسف والي كان شريكا معهما في المؤامرة.
< قلت: وما السبب؟!
<< قال: التخلص مني. بعد أن اكتشفوا أنني أواجه الفساد بجد وبكل قوة ودون الرجوع الي رئيس الجمهورية.
< سألته: وهل كان «مبارك» يعلم ذلك؟!
<< قال اللواء أحمد رشدي: وقتها لم أكن أعرف.. هل الرئيس كان يعلم بما يدور حوله وما يفعله رجاله أم لا(!!).
لقد تصور المجرمون الأربعة حسني مبارك وصفوت الشريف وزكريا عزمي ويوسف والي أنهم يلعبون لعبة صغيرة ليجدوا مبررا للإطاحة باللواء أحمد رشدي بعد أن وجدوه يهدد عروشهم.. ولم يتصوروا أن الفتنة التي زرعوا بذورها وأثارت جنود الأمن المركزي قد انفجرت لتحرق البلد كله.
إن «مبارك» وأعوانه، كانوا عصابة احترفت الإجرام، ويجب محاكمتهم ومحاسبتهم علي ما اقترفت أيديهم دون رحمة.. خاصة أن هناك بلاغات قدمت الي النائب العام منذ ثلاث سنوات بهذا الخصوص ولم يتم التحقيق فيها.
رحم الله اللواء أحمد رشدي وأدخله فسيح جناته.. آمين.

ا