مفاجأة المشير!

سليمان جودة

الأحد, 14 أغسطس 2011 09:15
بقلم :سليمان جودة

الذين طالعوا نبأ زيارة المشير طنطاوي، إلي ميدان التحرير، في الصحف الصادرة صباح أمس، لابد أنهم قد وجدوا أنفسهم أمام زيارة من نوع غير مسبوق.. فهذه هي المرة الأولي، التي يقوم بها مسئول، علي هذا المستوي الرفيع، بزيارة لموقع عام، دون أن تكون الكاميرات في انتظاره، ودون أن يكون مصورو الصحف في رفقته، ودون أن تكون «التشريفة» قد سبقته لتصطف علي الجانبين!.. ولذلك، فقد صدرت الصحف دون أن تكون فيها صورة واحدة للمشير، وهو يزور الميدان، وإنما كانت هناك كلمات هنا، وأخري هناك، تصف الزيارة وما كان فيها، بعبارات محددة، ولم تكن مع الكلمات صورة من أي نوع، تسجل أجواء الزيارة، وملامحها!

 

كان في إمكان المشير، لو أراد، أن يجعل صور الزيارة في صدر كل صحيفة، وفوق كل شاشة، خصوصاً وأنها الأولي بالنسبة له، منذ زيارته الشهيرة للميدان، في وقت الثورة، ولكنه لسبب ما، أرادها زيارة «مفاجئة» بالمعني الحقيقي لهذه الكلمة، وأرادها - فيما يبدو - زيارة لوجه الله، والبلد، والمكان، ولم يشأ أن

تتكاثر عليه الكاميرات، وهو هناك، بما يفسد الزيارة، ويحولها من رغبة صادقة من جانب صاحبها، للتعرف علي حقيقة الموقع الذي تتم فيه الجولة، إلي طقس احتفالي يُخفي أكثر مما يبدي، ويغطي أكثر مما يكشف!

في مرات سابقة، كان مسئولون كثيرون، كبار وصغار، يقومون بزيارات لمواقع عمل، ويقولون إنها زيارات مفاجئة، وحقيقة الأمر أنها لم تكن تفاجئ احداً، إلا الذين كانوا «يفاجأون» بها علي الشاشات، والصفحات.. وبخلاف ذلك، فإن كل شيء كان يظل مرتباً، من قبل، وكانت كل تفصيلة في الزيارات «المفاجئة» يجري إعدادها بدقة، مسبقاً، ثم يتم تسويقها للناس، علي أنها زيارات فاجأت مواقع العمل، ولم يكن ذلك حقيقياً، بأي مقدار!

ميزة الزيارة من هذا النوع الذي تنتمي إليه زيارة المشير، أنها تضع المسئول أمام الوجه الآخر للبلد.. وجه لا تعرفه الشاشات، ولا تكاد تقترب منه الكاميرات، ولا يظهر علي أي شاشة، إلا

إذا تزين مقدماً، وارتدي قناعاً فوق ملامحه الحقيقية، ومعالمه الأصلية!.. ومن سوء حظ هذا البلد، أنه لا يعرف هذا النوع من الزيارات، التي تتيح لصاحبها بحكم طبيعتها، أن يتعرف علي أحوال المصريين التعساء، كما هي، دون أية رتوش، من أي صنف!.. ولو أن أحداً راح يراجع أرشيف الزيارات السابقة علي زيارة المشير، لأي موقع، والتي قيل عنها، وقتها، أنها مفاجئة، فسوف  يكتشف أنها مسجلة بالصوت، والصورة، بما يعني إنها، جميعاً، خداع للناس، واستخفاف بهم، واستهزاء بأقدارهم، أكثر منها حرصاً علي التعرف علي أحوالهم حيث هي، وكما هي، دون أصباغ!

وعندما فكر د. عصام شرف، رئيس الوزراء، ذات يوم، في أن يتناول إفطاره مع أسرته، في مطعم شعبي، فإنه اصطحب معه الكاميرات، ثم راح مكتبه يوزع صور الزيارة بلا حياء علي القنوات والصحف، باعتبارها زيارة «مفاجئة» من نوع فريد، ويبدو أنها كانت فريدة حقاً، لأنها كانت نفاقاً في نفاق، للرأي العام، ولأن المسئول الذي يريد أن يصور نفسه بسيطاً أمام الناس، لا يستدعي الكاميرات بالشكل الفج الذي جري يومها، وإنما يترك للمصريين أن يراقبوا تصرفاته، ثم يحكموا بأنفسهم!

ما أحوج البلد إلي زيارات عدة، من نوعية زيارة المشير، ليري المسئولون ساعتها،  وساعتها فقط، كيف أن هناك مسافة واسعة للغاية، بين مصر علي الشاشة، وبين مصر علي الأرض!