في رقبة الدولة

سليمان جودة

الثلاثاء, 10 مايو 2011 07:27
بقلم - سليمان جودة


أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الحكومة، عند التعامل مع أحداث الفتنة في إمبابة، أن تقول إنها، كحكومة، سوف تعمل علي تفعيل القوانين التي تعاقب مثيري الفتنة بما يستحونه من أشكال العقاب. فمثل هذه اللغة معناها أن القوانين كانت موجودة طول الوقت، ولكنها، من قبل، لم يتم تفعيلها، ولم يتم تطبيقها، وإنما ظلت في الأدراج، وظلت نائمة، وظلت بعيدة عن ضبط حركة المجتمع، وملاحقة الخارجين علي هذه الحركة، في مسيرتها الطبيعية، والذين يحاولون تعطيلها، والوقوف في طريقها!

ذلك أنه عندما قيل في وقت من الأوقات، إننا في حاجة إلي قانون يعاقب بشدة علي التمييز الطائفي، بكل أنواعه، كان الرد السريع من جانب كثيرين من أهل القانون، أننا لسنا في حاجة إلي قانون بهذا المعني، ولا يحزنون، لأنه بالفعل موجود، في ثنايا قانون العقوبات الحالي، ولا يحتاج إلا إلي مسئول يعنيه الأمر بجد، فيستدعي المواد المختصة بهذا الشأن، في قانون العقوبات، ثم يطبقها بجدية أيضاً.. لا أكثر من ذلك، ولا أقل!

أما أن يخرج أفراد، في قرية »صول« في حلوان، علي سبيل المثال، ويقومون بهدم الكنيسة هناك، ثم لا يعرف أحد إلي الآن مَنْ هم هؤلاء الذين هدموها، ولا لماذا لم يعاقبهم القانون، فهذا معناه أن الكلام في الوقت الحالي عن أننا دولة قانون، كلام تنقصه الدقة، ولا يقال إلا علي سبيل الاستهلاك المحلي!

لقد ذهب شيوخ إلي »صول« وحاولوا وقتها، حل المسألة، ولم يكن هذا حلاً بأي معيار، كما أن قيام القوات المسلحة ببناء ما انهدم من الكنيسة، كان شيئاً ممتازاً

بالطبع، وكان إنجازاً يُحسب لهذه المؤسسة الوطنية العريقة، ولكنه في الأصل، ليس الحل الجذري للموضوع، لأن الحل كان، ولا يزال، أن نأتي بالذين ارتكبوا الجريمة، ثم نخضعهم لمواد القانون.. هكذا ببساطة ودون لف ولا دوران!

وحين حدث ما حدث في قنا، عندما قام أفراد هناك أيضا، بقطع أذن مواطن قبطي، فإن صلحاً قيل أنه انعقد بعدها بين الجاني، وبين المجني عليه، ولا أحد بالطبع ضد الصلح، كمبدأ يجب أن يسود، غير أن انعقاد الصلح بالشكل الذي تم عليه، كان ينطوي علي إهدار شنيع لحق المجتمع ذاته الذي وقعت فيه الجريمة، وهو حق تتولاه الدولة، لا لشيء إلا لأنها الدولة، ولا لشيء أيضاً إلا أنه لا يجوز أن يتولاه طرف آخر غيرها، أو نيابة عنها!.. بل أن الشيء المزعج، في ذلك الوقت، كان في استقبال شيخ الأزهر للمواطن المجني عليه، وهي مسألة بدت غريبة، ومرفوضة، وغير معقولة، لأن شيخ الأزهر، لا علاقة له بالموضوع، رغم مقامه الرفيع، وإنما الذي له علاقة في الأول، وفي الآخر، هو القانون، وهو مؤسسات الدولة المعنية بالقانون، أولاً، وأخيراً!

ما نريده، هو أن يذهب القانون هذه المرة إلي إمبابة، لا أن يذهب بعض الشيوخ كالمرات السابقة، ولا أن يدعو شيخ الأزهر إلي اجتماع »بيت العائلة« فلسنا في موضع صلح في خلاف وقع بين شخصين اختلفا داخل أسرة واحدة، وإنما نحن أما مواطن اعتدي علي مواطن، وبالتالي، فإن حق الذي وقع عليه الاعتداء يظل معلقاً في رقبة الدولة، وليس في رقبة شيخ الأزهر.. ولا أي شيخ آخر!