ماذا عن المستقبل؟!

سليمان جودة

الثلاثاء, 05 أبريل 2011 07:55
بقلم :سليمان جودة

 

بدأ الأمر بالتدريج، ثم استقر الآن، ولم يعد فيه نقاش. وما أقصده أنك إلي يوم 24 يناير الماضي، أي قبل قيام الثورة بيوم واحد، كنت إذا قلت في سياق كلامك، عبارة »قبل الثورة«، فإن المستمع كان يفهم علي الفور، وبالبديهة، أن الثورة المقصودة هي يوليو 1952، ولا ثورة غيرها!

اليوم.. الوضع اختلف بزاوية 180 درجة، وأصبح عليك أن تفهم، من العبارة نفسها، إذا سمعتها في أي مناسبة، أن المقصود ثورة 25 يناير، وليس يوليو 1952، ولا أي ثورة غيرها!

بل أصبح عليك، إذا أردت أن يفهم مستمعوك من عبارتك هذه، أنك تقصد ثورة يوليو، أن تحددها علي وجه الدقة، وأن تقول »قبل ثورة يوليو«.. أما إذا قيلت العبارة علي إطلاقها، أي بصيغة »قبل الثورة«.. فالمقصود ثورة وحيدة، هي 25 يناير!

فما هو المعني؟!.. المعني أن ثورة يوليو، بمبادئها الستة الشهيرة، قد طواها التاريخ، وتجاوزتها الأحداث، وتراجعت لحساب ثورة عظيمة جديدة، قامت في حقيقة الأمر، علي ثورة ضباط يوليو إجمالاً، قبل أن تقوم علي حسني مبارك، كشخص، أو علي نظام الحكم الذي كان هو

علي رأسه كنظام.

فالدستور الذي كان مبارك يحكم به، هو ذاته دستور يوليو، مع ترقيعات هنا، وأخري هناك، من أول صدوره لأول مرة عام 1956، إلي 11 فبراير 2011، يوم تخلي الرئيس السابق عن منصبه.

والبرلمان الذي كان يقال إنه يراقب أداء الحكومة ويتولي تشريع القوانين للناس، كان يتشكل إلي آخر انتخابات في نوفمبر الماضي، بالطريقة ذاتها التي كان مجلس الأمة أيام عبدالناصر يتشكل بها.. قد يكون الاسم قد تغير، قد تكون الوجوه قد تغيرت، وقد يكون المبني قد تغير، ولكن بقي المضمون كما هو.

وهكذا.. وهكذا.. من أول نظام التعليم، ومرورا بطريقة مجيء الوزراء وذهابهم عن مناصبهم، وانتهاء بشكل نظام الحكم نفسه!

إذن.. نحن أمام ثورة قامت علي ثورة، وأزاحتها إلي الوراء قليلاً، ثم اتخذت مكانها، ولم يعد لثورة يوليو وجود، إلا في كتب التاريخ!

هذا ما يخص الماضي، فيما نقف أمامه في هذه اللحظة.. فأين ما يخص المستقبل.

وبمعني آخر، فإن ثورة يوليو، حين قامت، كانت له أهداف ستة شهيرة، وكنا طول الوقت، منذ قيامها عام 52، إلي 24 يناير 2011، نتجادل طويلاً حول ما إذا كانت تلك الأهداف قد تحققت كلها، أو تحقق بعضها، أو حتي هدف واحد منها.. ولم يكن الجدل ينتهي إلي نتيجة في الغالب.. وبطبيعة الحال، فإن ثورة يوليو، حين قامت، كانت مشغولة بمحاولة لملمة ما كان قبلها، ومحاسبة الذين أخطأوا يومها في حق هذا الشعب، ولكن عينها لم تكن تغفل في الوقت نفسه عن أهدافها المستقبلية، والسعي إلي تطبيقها.

كانت أهداف المستقبل حاضرة، طول الوقت، إلي جوار الانشغال بما كان في الماضي، جنباً إلي جنب.. ولم يكن اهتمامها بالتعرف علي طبيعة ما كان قبلها، يشغلها عما يجب أن تتطلع به، نحو المستقبل، لتحققه للناس الذين قامت من أجلهم.

ولذلك، فإذا كانت ثورة يناير في حاجة اليوم إلي شئ، فهي أحوج الثورات إلي صياغة أهداف واضحة للمستقبل، علي طريقة أهداف يوليو الستة المعروفة، وأن يكون لأهداف ثورتنا، اليوم، ترتيب معين، يخضع وهو يوضع، لمنطق الأهم، فالأقل أهمية، أو كما يسمي »فقه الأولويات« ليكون الناس علي بينة من أمرهم، ويعرفوا بالتالي أن الأهداف يجب أن يأتي أولاً، وأيها يجب أن يأتي آخراً!

وضع هذه الأهداف، تجاه المستقبل، سوف يكون بمثابة »بوصلة« نعرف منها، أين نحن، وعلي أي أرض نقف، وفي أي اتجاه نطير!