كلنا‮ "‬محمود‮"!!‬

سليمان جودة

السبت, 20 نوفمبر 2010 20:53
بقلم: سليمان جودة

يرسم الأديب الفريد بهاء طاهر،‮ ‬شخصية البطل في‮ ‬روايته‮ "‬واحة الغروب‮" ‬الصادرة عن دار الهلال،‮ ‬ببراعة‮ ‬غير مسبوقة،‮ ‬وليست‮ ‬غريبة عليه‮.. ‬فـ‮ "‬محمود‮" ‬هو بطل الرواية،‮ ‬ويتنقل من فصل إلي آخر،‮ ‬علي امتدادها،‮ ‬محتفظاً‮ ‬بقدرته علي أن‮ ‬يري الحدث الواحد،‮ ‬بعيون مختلفة،‮ ‬مابين صفحة وأخري‮..

 ‬وهو‮ ‬يحمل معه ملامح شخصيته العجيبة،‮ ‬ومعالم طريقته المدهشة،‮ ‬في‮ ‬النظر الي الأشياء،‮ ‬كلما حط في‮ ‬مكان بحكم عمله كضابط،‮ ‬وأيضا كلما ارتحل من منطقة،‮ ‬إلي ما سواها،‮ ‬بطول البلد وعرضه‮.. ‬

وسوف تكتشف،‮ ‬عند نهاية قراءة هذا العمل الأدبي‮ ‬البديع،‮ ‬أن هذا التناقض،‮ ‬في‮ ‬رؤية‮ "‬محمود‮" ‬لما حوله،‮ ‬ومَن حوله،‮ ‬ليس ثراء في‮ ‬أعماقه،‮ ‬ولا عبقرية في‮ ‬عقله،‮ ‬ولا تفرداً‮ ‬في‮ ‬بصيرته،‮ ‬بقدر ما هو‮

‬يعبر عن شخصية مشوهة ومريضة،‮ ‬وناقصة،‮ ‬وتعاني‮ ‬من شتي الأمراض‮.

‬ وقد كانوا زمان‮ ‬يقولون،‮ ‬إن العمل الأدبي‮ ‬تزداد عظمته،‮ ‬وقوته،‮ ‬وسحره،‮ ‬كلما كان قادراً‮ ‬علي إثارة خيال القراء،‮ ‬بشرط أن‮ ‬يختلف الخيال،‮ ‬من شخص إلي آخر،‮ ‬وأن تتوزع زوايا الرؤية،‮ ‬تجاه العمل الواحد،‮ ‬سواء كان قصة،‮ ‬أو رواية،‮ ‬أو مسرحية،‮ ‬بقدر عدد القراء انفسهم‮..

 ‬وكلما اختلفت الآراء،‮ ‬والرؤي‮ ‬حول العمل الواحد،‮ ‬كان ذلك اضافة له،‮ ‬وليس نيلاً‮ ‬منه،‮ ‬أو خصماً‮ ‬من رصيده في‮ ‬مسيرة الابداع‮.‬ ولكن‮.. ‬هناك فارقا كبيرا فيما نظن بين أن‮ ‬يكون هذا المنطق هو المعيار،‮ ‬علي مستوي‮ ‬الادب،‮ ‬وبين أن‮

‬يكون هو القاعدة،‮ ‬او المقياس،‮ ‬علي مستوي‮ ‬الحياة،‮ ‬والواقع نفسه‮.‬

وقد أعادتني‮ ‬رواية بهاء طاهر،‮ ‬الي ما نعيشه،‮ ‬بقوة‮.. ‬وتأملت كثيراً‮ ‬مما‮ ‬يجري‮ ‬حولنا،‮ ‬واكتشفت كما سوف‮ ‬يكتشف‮ ‬غيري‮ ‬بالضرورة،‮ ‬أن الشيء الواحد،‮ ‬الذي‮ ‬قد لا‮ ‬يحتمل التأويل او التفسير،‮ ‬يتعرض منا،‮ ‬ونحن نتعامل معه،‮ ‬لمثل ما‮ ‬يفعله‮ "‬محمود‮" ‬في‮ "‬واحة الغروب‮" ‬ازاء كل ما كان‮ ‬يواجهه،‮ ‬ويقابله‮!!‬ فالإخوان،‮ ‬علي سبيل المثال،‮ ‬يرون وقائع كثيرة،‮ ‬علي النقيض تماما مما‮ ‬يراها الحزب الوطني‮ ‬الذي‮ ‬يراها بدوره،‮ ‬بشكل معاكس لما تصل به الواقعة ذاتها،‮ ‬الي أحزاب المعارضة‮.. ‬فإذا نزلت انت،‮ ‬الي الناس،‮ ‬في‮ ‬عمومهم،‮ ‬سمعت منهم وجهات نظر،‮ ‬لا علاقة لها،‮ ‬بما أبداه الأطراف الثلاثة‮..

‬ويتصادف ان تكون وأنت تتابع أي‮ ‬واقعة،‮ ‬وتتحري حولها ما سوف‮ ‬يقال‮.. ‬يتصادف ان تكون مقتنعا بأنها لا‮ ‬يجوز أن تكون محل جدل كبير أو صغير‮.. ‬فهل أراد بهاء طاهر أن‮ ‬يقول إننا كلنا‮ "‬محمود"؟‮!‬ يجوز‮!!‬