رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

قطارات الدم والصندوق الدولى والتبعية للأمريكان

سعيد السني

الخميس, 22 نوفمبر 2012 10:00
بقلم – سعيد السنى

على وقع كارثة قطار أسيوط البشعة , التى راح ضحيتها 53 من أطفالنا الأبرياء , ليس لهم من  ذنب ,  كى يلقوا   هذا  المصير المفزع للجميع , سوى أنهم أبناء زمن الفقر والإهمال والهوان , وإنتهاك الآدمية للمصرى , وفيما لم تجف دمائهم على القضبان , وقبل أن نفيق من ذهولنا  .

.إذا بكارثة جديدة تحل علينا .. وإذ  بصحف الأربعاء( 21 نوفمبر) ووسائل الإعلام الحكومية  تزف إلينا بفرحة غامرة , نبأ توقيع  الدكتور هشام قندبل رئيس الحكومة ل"الإتفاق المبدئى" مع بعثة صندوق "النكد" أو النقد الدولى, لافرق , لمنحنا القرض المطلوب ,البالغ 4.8 مليار دولار , مع تبشيرنا  بأن مجلس إدارة الصندوق على وشك أن يقر "البرنامج الإقتصادى  والإجتماعى  الوطنى" , ويوافق نهائياً , فى شهر ديسمبر المقبل على القرض , ورغم أن قنديل أصدر بياناً بعد التوقيع نشرته وسائل الإعلام , قال فيه  كلاما  كثيراً عن مراعاة البعد الإجتماعى, وتخفيض معدلات الفقر.. فإن كل كلام قنديل والمسمى البرَّاق للبرنامج المقدم للصندوق, لا ينفى أن هذا البرنامج الإقتصادى والإجتماعى الوطنى الذى ينتظر  موافقة الصندوق عليه , ماهو إلا " شيك على بياض" , تعهداً من قنديل وحكومته وإلتزاماً  ب"شروط الصندوق"  التى لانعرفها حتى الآن , لأنها محاطة بستار كثيف من الضبابية..بينما الواجب أن تعلن على الشعب , لنعرفها من قبيل الشفافية ,وإدارة حوار مجتمعى  حول القرض , وشروطه , وما أدراك ماهذه الشروط التى كانت السبب الرئيسى غير المنظور لثورة 25 يناير , رغم أن الرئيس السابق مبارك , كان قد توقف فى  التسعينات عن الإقتراض من هذا الصندوق سئ السمعة الذى لم يُقرض بلدا إلا وأنهار إقتصادها , وزاد بها الفقر والتهميش , وكان من تبعات التعامل معه , أن إندلعت إنتفاضة 17 و18 يناير عام 1977 الشهيرة ,ضد الرئيس الراحل أنور السادات , والتى تعرف ب"إنتفاضة الخبز"  , وكادت هذه الإنتفاضة تحرق الأخضر واليابس , لولا أن الجيش تمكن من السيطرة على الوضع الأمنى فى

البلاد , وأعاد أليها الهدوء ,بينما تراجع السادات فوراً , عن قرارات رفع الأسعار التى أشعلت الإنتفاضة .
إن  سياسة الإقتراض من الصندوق  كانت قد بدأت فى السبعينيات وحتى التسعينيات    , وأسفرت فى النهاية , عما نعانيه اليوم من  تدهو حال الخدمات العامة من تعليم , بحيث لم تعد المدارس مكانا للتعلم والدراسة , بل  للتسامر بين الطلاب والمدرسين ,وصار الدروس الخصوصية هى المؤسسة الموازية للتعليم , بل والأقوى .. ولا يختلف الحال كثيراً فى المستشفيات نتيجة تلاشى المخصصات للخدمات الطبية , وصار الأصل فيها هو الإهمال , ونقص الإمكانيات اللازمة حتى لإسعاف الحالات الحرجة ,وضابط الشرطة المتوفى قبل أيام متأثرا بجروحه ,خير مثال , فقد أصيب  فى معركة بين عائلتين , وأمضى عدة ساعات  بمستشفى أسوان  قبل أن  نقله لمستشفى عسكرى بالقاهرة , لكنه فارق الحياة حال وصوله , وغير ذلك فإن مستشفيات وزارة الصحة ذاتها , ناهيك عن الخاصة , ترفع شعار" الموت للفقراء ومتوسطى الحال" , وهذا بخلاف إرتفاع أسعار الكهرباء ومياه الشرب , المشكوك بانها تصلح للإستهلاك الآدمى فى الكثير من المدن والقرى , لكننا شعب إعتاد للأسف على التعايش مع الظلم والقهر , و شُرب المُر وتجرع السموم ..بل إن حوادث وكوارث  قطارات الموت والدم , هى بسبب تخفيض مخصصات الخدمات مما أدى لتدهورمرفق السكك الحديدية  تماما , مثلما  إنهار التعليم , و القطاع الصحى ,  من نتاج سياسات الإقتراض من الصندوق , وتطبيق شروطه التعسفية التى تصنع ناراً تحت الرماد, إذ يتدخل  لدعم وإعلاء وخدمة الرأسمالية المتوحشة , التى تدهس الفقراء وتدعمهم بإفقار المزيد ,  وضرب أدوات الإنتاج والقضاء عليها , حتى تظل الدولة فى حاجة إلي قروض الصندوق ,  والذى تهيمن
عليه "الولايات المتحدة الأمريكية" بنسبة 23%, وهى أعلى نسبة مساهمة به,والذى يستخدمه الأمريكان  فى فرض الوصاية على المقترضين .
إن مما يثير الغرابة الشديدة  ويطرح علامات إستفهام لا أول لها ولا آخر ..هو  أن يوافق الصندوق على طلب حكومة قنديل للقرض , ذلك  أن مصر بلا دستور تقريبا اللهمًّ  إلا  "جزء"  من دستور مؤقت أى الأعلان الدستورى فى 30 مارس 2011 , وبلا برلمان , يقر إتفاقية القرض , ثم يراقب إنفاقه , كما أن مصر ليس بها إستقرار, وفى حالة شبة فوضوية , وفضائح الجمعية التأسيسة تملأ الدنيا, وتجعلنا مثار سخرية بصحف العالم عن الدستور الذى يجرى تفصيلة كى يصنع من مرشد جماعة الإخوان المسلمين أو الرئيس نصف إله , ويبيح تزويج القاصرات , ويُهدر حقوق الأقباط والمرأة والحريات والحقوق للجميع , ويتعارض مع المواثيق والعهود الدولية .. فكيف والحال هكذا يوافق الصندوق ؟ ولماذا ؟  ومعلوم  أنه سبق للصندوق  قبل عدة أشهر ,أن رفض  طلب الدكتور كمال  الجنزورى رئيس الحكومة آنذاك , لقرض بنصف هذا المبلغ تقريباً , وربط الأمر بموافقة البرلمان ,بعدما أعلن الإخوان أن "برلمانهم" الملاكى ( المنحل) , لن يوافق على القرض.. فلماذا الموافقة الآن .. إلا إذا كان الغرض تكبيل مصر لعشرات السنوات مجددا بسياسات الإفقار للسواد الأعظم من المصريين المطحونين أصلا من جراء القروض السابقة من الصندوق ؟ .
إن حكومة قنديل هى  مؤقتة أصلا , بل والرئيس الدكتور محمد مرسى نفسه مؤقت , وتنتهى ولايته بإقرار الدستور الجديد , أو هكذا هى الأعراف الدستورية فى العالم كله .. فكيف لسلطات مؤقتة أن تُقدِم على هذا الإقتراض الذى ينال من إستقلالية القرار الإقتصادى , وربما السياسى  لمصر , وكيف يسمح الرئيس وقنديله هذا أن يرهن القرار السياسى المصرى  لمشيئة الذين يديرون الصندوق من وراء الكواليس ؟, و إرغام البلاد  على الدوران فى فلك التبعية لأمريكا لسنوات طويلة قادمة  , وأيضا إعادة إنتاج الفقر , الذى أمتد بمظلته  ليغطى أكثر من نصف المصريين ,ويزرع فى المجتمع  ألغاماً جديدة قابلة للإنفجار فى أى وقت ,  من بطالة وغلاء للأسعار, والمزيد من التدهور الخدمى , وصعوبات حياتية ومعيشية شتى ..  فهل يريد الرئيس مرسي وقنديله  ومرشدهم , ضم بقية المصريين تحت مظلة الفقر من باب المساوة التى لم تتحقق فى مسودة الدستور؟!! وهل نسى الرئيس وإخوانه المسلمين أن ثورة 25 يناير  قامت رفضاً للفقر والظلم والتبعية وطلباً لتحرر القرار السياسى؟ .. نسأل الله السلامة  لمصر مما يُحاك لها من شرور  .
( كاتب وصحفى)
[email protected]