تجديد الربيع العربى بين التمرد والثورة ( 4 )

سعيد السبكي

الأحد, 01 مايو 2011 11:35
بقلم : سعيد السبكى

ذكرت فى الحلقة الماضية أن فرض كثير من الأنظمة العربية قيود مُشددة على جماعات المُعارضة خلق حالة من القهر السياسى والاجتماعى ، وخاصة لدى الجماعات الاسلامية التى اندفعت للعمل فى خلايا تحت الأرض فى الظلام ، لذلك فإن ميلاد التطرُف كانت لبنته الأولى من رحم الظلم والقهر والقمع ، وأن غياب الديمقراطية أفسح المجال لبطانة منافقة ارتمت فى أحضان نظم استبدادية .

الآن انتقل لمرحلة لها بصمات غائرة تأثرت بها كل الشعوب العربية ومصر على وجه الخصوص ، فشباب مصر كان قبل حرب  67 مشحونا معنوياً ، مؤمناً بالعروبة كأساس جغرافى ومُعتقداً بعروبة مصر ، وفجأة تحطمت أحلامه ومُعتقداته على صخرة نكسة حرب الأيام الستة عام 1967 ، وحدث نوع من الانكسار النفسى والاجتماعى فى حينه ، وانحدار لمفهوم القومية العربية بنسب متفاوتة عند الشعوب العربية ، تنامت معه على التوازى حالة من العودة للإسلام كانت بمثابة إعادة أسلمة للمُجتمع المصرى إذا جاز الوصف ، وشهدت تلك المرحلة حالة أخرى لقدر من التسامح مع الإسلام السياسي .

ومرت المنطقة العربية بمتعرجات سياسية كان ظاهرها الاستقرار وباطنها الارتعاش العقائدى بحثاً عن أيديولوجية تجمع شتات مفهوم القومية العربية من جديد ، أو مفهوم آخر بديل يسير الشباب العربى على دربه ، استغرقت هذه الفترة حوالى ثلاثة عشر عاماً ، بعض المُجتمعات العربية تمسكت بتلابيب الخط الناصرى ، وأخرى تأرجحت بين العلمانية والماركسية ، وثالثة راودها الحنين لسد الفراغ الروحى تنتشل نفسها من انكسار هزيمة اسرائيل للجيوش العربية ، وذلك باللجوء للإسلام كشبكة إنقاذ على اعتبار أن الاسلام هو الحل ، وهو الأمر الذى سعت لاستثماره ثورة إيران الاسلامية عام 1979 ، ووجدت عملية إعادة الأسلمة  لدى غالبية الشعوب العربية أنصار لها .

أما حقبة الثمانينيات والتسعينيات فقد شهدت صداما مريرا بين الأنظمة العربية والجماعات الاسلامية ، وصلت لحد استخدام العُنف والعُنف المُضاد ، وقد بالغت الأجهزة الأمنية فى استخدام العُنف ، وبالغ قادة عدد لا بأس به من القادة العرب فى تهديد أصحاب الانتماءات السياسية الاسلامية ، وهو الأمر الذى ساعد نسبياً على زرع بذور شديدة العُنف لدى كثير من الجماعات الاسلامية ، وقد انعكس ذلك على الأوضاع الاجتماعية فى حينه ، وحتى الوقت الراهن فى المرحلة التى سبقت الثورات العربية بسنوات قليلة  ، واستمر بعد تفجر ثورتى تونس ومصر .

ومع ذلك فإننا نرى أن جحافل المتظاهرين فى المنطقة العربية منذ الثورة التونسية مروراً بمصر والبحرين وسوريا والمغرب وليبيا لم تقتصر على الاسلاميين ، حيث ان المعارضة الاسلامية لم تكن إلا جزءا من جموع المحتجين ، أما الغالبية فهى معارضة Progressive شبابية تدعو الى إسقاط الأنظمة ، مزجت ( الاحتجاج – الرفض – التمرد ) فى بوتقة ثورية وتعرض الشباب للموت ، والمثير أنه وقت أن سالت الدماء وسقط الشهداء ، كانت الشعارات السلمية للمتظاهرين بمثابة سلاح جديد يحمل إرادة ثورية لتفويت الفرصة على لجوء الأجهزة الأمنية لمزيد من القمع ، نجحت حتى الآن ثورتا تونس ومصر فى ذلك ، لكن فى بلدان أخرى فى منطقة الخليج من ناحية وسوريا وليبيا على الجانب الآخر لجأت أنظمتها للقمع العنيف ، وبعضها لإسكات صوت الثورة بضخ الأموال ، وفى شمال أفريقيا حالات لم تحسم بعد لصالح نظام بعينه أو بنصرة الثوار ، أما المطالب بمحاربة الفساد والقضاء عليه ، تحسين الحالة الاجتماعية الاقتصادية ، وإطلاق الحُريات ، وتأسيس المجتمع المدنى ، وإقامة أنظمة ديمقراطية فهى مطالب قائمة حتى اللحظة ، ونتوقع أنها لن تنتهى قريباً ، حيث إن الاعلام الجماهيرى البديل الذى أدهش العالم كله ، متمثل فى وسائل اتصالات متطورة بين الشباب ما زال يلعب دوراً مؤثراً ، على الرغم من محاولة أنظمة مثل مصر وتونس فى الدخول فى منافسة مع الشباب ، اعتقادا منها – بقايا الأنظمة التى وضعت حولها غلافا جديدا – انها ستتمكن من إحداث توازن ما ، أو تعطل أو تجهض المسيرة الثورية ..

وحينما ننظر للسياق الإقليمي متمثلا فى رائحة الياسمين لثورة الشعب التونسى نجد أن تونس كانت بالفعل الشرارة التي أشعلت برميل البارود

، حيث كان مشهد الشاب التونسى " محمد البوعزيزي " البالغ من العمر 26 عاماً وهو يحرق نفسه محتجاً بدوافع اليأس والاحباط ، هو أول مشهد درامى لثورة الشباب ، خلق نوعاً إيجابيا من التراجيديا التحريضية للشباب العربى ، وقد أسقط البوعزيزى بالنيران التى التهمت جسده الستارة الحديدية التى أعادت روح الأمل من جديد فى ربيع العرب .

وهنا نوضح أن وعود رئيس تونس الهارب " زين العابدين بن على " لم يتم تنفيذها ، فقد تأخر بن على ونظامه ولم يف بوعوده التى أعلن عنها فى الماضى بأن عام 2014 سيشهد تنازله عن السُلطة ، وإطلاق حُرية الصحافة ، وتخفيض أسعار السلع الغذائية .

لقد أثبت الشعب التونسي حقاً واقتنع بأن حقوق الانسان قيمة لا يمنحها السُلطان ، وأن الحُرية ليست منة أو عطاء على سبيل الصدقة ، وقد أخذها بنفسه وأيقظ العالم العربى ، وفاجأ امريكا وأوروبا معا ، تلك المفاجأة التى أسقطت قناع الغرب وأسقطت معها ورقة التوت ، وأكدت ثورات شباب العرب أن أمريكا وأوروبا ساندت استقرار أنظمة عربية فاسدة ، ودعمت الاستبداد من خلف الستار حفاظا على مصالحها الاقليمية فى الشرق الأوسط وشمال افريقيا ، وترك الغرب اليد الطولى للأنظمة العربية تقمع الشباب وحركات المعارضة ، دون المساعدة الأمينة لمُكافحة البطالة ، ودفع حركة التنمية فى العالم العربى .

الآن ليست الأنظمة العربية وحدها التى تشعر بالقلق والخوف من سقوطها ، فهناك أنظمة لبلاد أخرى خارج المنطقة العربية مثل ( ألبانيا وروسيا والصين ) تشعر بالرعب من قدوم رياح الغضب والتمرد والثورة الي أراضيها ، وهى مخاوف مشروعة حيث إن النشطاء من بين الشباب المتعلم والمثقف فى حالة حراك سياسى ومعارضة لتلك الأنظمة هناك .

إن تعطش الشباب العربى للديمقراطية ، والرغبة فى الحُرية ، والغضب من الأنظمة الفاسدة كلها دوافع قوية أطاحت بالرئيس التونسى الهارب " زين العابدين بن علي " وأجبرت الرئيس المصرى السابق " حسنى مبارك " على خلع نفسه من سدة الحُكم .

إن المكونات التى أدت الى الثورة كانت واضحة ، إلا أن النظامين التونسى والمصرى لم يرغبا فى رؤيتها ، ودفعت نظرة التعالى الى حالة إغماءة سياسية وأمنية ، وعلى الصعيد فإن دولة مثل فرنسا بما لها من علاقات متينة وتاريخية مع تونس ، وما لها من شبكات معلوماتية بعضها رسمى ومعظمها غير رسمى داخل الأراضى التونسية فشلت – فرنسا – فى أن يكون لها نظرة استشرافية لحدوث ثورة ، وشعرت الخارجية الفرنسية بالحرج والخجل ، ولإنقاذ ماء وجهها ظلت تدعم زين العابدين بن على ونظامه الى اللحظات الأخيرة .

إن غياب سياسات طموحة لدى دول الاتحاد الأوروبى ، وسيطرة هاجس الخوف من حدوث عدم استقرار فى تونس يهدد المصالح الأوروبية وخاصة فرنسا ، وفوبيا نمو التيارات الاسلامية وصعود جبهات إسلامية سياسية لسدة الحكم ، أدى لسوء تقييم وغياب التوقعات الحقيقية لأوروبا ، ولا يمكن إغفال أن اليمين المتطرف الأوروبى والاعلام المساند له ساهم بشكل كبير فى ترسيخ المخاوف الأوروبية ، لذلك كانت المفاجأة كبيرة ومحرجة للحكومات الأوروبية .

أيضا واقع الجغرافيا السياسية لتونس ، وكونها لا تلعب دورا كبيرا فى السياسة الدولية ، أدى لحدوث حسابات خاطئة لدى خبراء السياسة الأوروبية ، وأبعد مجرد التفكير فى أن حالة الغضب والتمرد فى تونس سيكون لها تأثير فى الشرق الأوسط وشمال افريقيا ، إلا أن الديناميكية الثورية لا تزال مستمرة ولا زالت أوروبا تنظر بدهشة ، لكنها تراقب عن كثب الآن مسارات الثورة التونسية ، وتتابع الى أى مدى ستصل مرحلة التحول الديمقراطى فى تونس .

ويبقى الفيصل فى النجاح متوقفا على عناصر أساسية أهمها : تعديل النصوص الدستورية التى تركها وراءه زين العابدين بن على ، دور فعال للجيش ، تنظيم انتخابات حُرة ترضى الشعب بكافة طوائفه ، إفساح المجال للمعارضة - التى تم قهرها على مدار 23 سنة – للمشاركة السياسية ، إرادة جماهيرية وصبر وتحدي الشعب التونسى لإنجاح ثورته ، التوصل الى عقد اجتماعى جديد يُعيد التوازن للشارع التونسى .

والى حلقة مقبلة إن شاء الله .

[email protected]