تجديد الربيع العربى بين التمرد والثورة ( 3 )

سعيد السبكي

الأربعاء, 27 أبريل 2011 11:47
بقلم - سعيد السبكى:

اختتمت الحلقة الماضية بذكر دور القوات المسلحة المصرية كنموذج متميز يقوم بحماية ثورة 25 يناير المصرية، وأوضحت انها لم تقع فى شرك زرع بذور للفتنة سواء من الداخل او الخارج، الآن لابد من تناول نموذج لأجندة ثورية ضرورية التطبيق، كأساس يُشكل ضمانات لاستمرار الثورة ونجاحها، على ثلاثة محاور رئيسية تشمل جوانب ( سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية )، وهى ضمانات لنظام ديمقراطى مُتناغم ورصين يُحقق شفافية الواجبات والحقوق لكافة المواطنين دون تمييز، منعاً لتكرار حدوث قهر اجتماعى لفئات مجتمعية بعينها .

أولا : إعادة تنظيم حركة السوق الاقتصادىة مع مُراعاة وضع أولويات للطبقات الفقيرة، والوضع فى الاعتبار ( سُكان المقابر والعشوائيات – الباعة الجائلون ) لأنهم فى حالة تساؤلات دائمة عن ماذا قدمت وماذا ستقدم لهُم الثورة، فيجب ان تكون الاجابة عن اسئلتهم المشروعة هى تقديم حلول عملية حاسمة، وذلك قبل ان تتفجر حالة من التمرد وهى التى يُطلق عليها بثورة الجياع، التى لو انطلقت ستهدد ثورة 25 يناير، كما يجب أيضا سُرعة إشراك أصحاب الأعمال والشركات فى مسئولية إعادة تنظيم حركة السوق وفق نظام اقتصادى ديمقراطى، وتنبيههم للمخاطر المُحتملة عليهم وعلى مسيرة الثورة، كما يجب الحد من تنامى الثراء فى يد طبقات بعينها دون غيرها، وما يصلح لمصر هو نظام اقتصادى حُر يجمع بين الرأسمالية الوطنية والاشتراكية المعتدلة، وهذا يمنع تنامى الحركات اليسارية المُتطرفة، ويحمى المجتمع من استغلال جماعات بعينها للجوانب الروحية العقائدية عند الفقراء، شريطة ان يكون دور الطبقة الوسطى قائم على عمل معادلة اقتصادية اجتماعية عادلة .

ثانيا : القضاء على العُنصرية السياسية يقتضى طرح برنامج تثقيف سياسى قومى لا يقتصر على النخبة فقط، بل يكون لعامة الشعب، وهذا البرنامج يجب ألا يرتبط بأى حزب سياسى أو توجه ايدلوجى بذاته، وأهم عناصر هذا البرنامج تكون شرح وتعليم أسس حقوق الانسان، حق المعارضة والمظاهرات السلمية وشروطها وفق إجراءات يتبعها الجميع، حُرية التعبير عن الرأى فى الأطر القانونية .

ثالثا : فصل عملية مُمارسة التقاليد الدينية والثقافية عن العمل السياسى وإيجاد آليات واضحة تضمن الحقوق الفردية العقائدية للمواطن .

رابعا : تشجيع المؤسسات السياسة والأحزاب على تدريب كوادر مُتخصصة منعاً لحدوث فراغ سياسى مُستقبلاً، كى تتخلص الشعوب العربية من طرح سؤال مُتكرر ومُحبط حال البحث عن

مسئول سياسى او حتى رئيس جديد يحظى بثقة ومصداقية لدى غالبية شرائح المُجتمع مثل : السؤال المطروح على الساحة الآن فى مصر بعد خلو منصب رئيس الجمهورية " من يصلح لرئاسة مصر ؟ " فى بلد تعداده السُكانى يقارب الـ 85 مليون نسمة، وبذلك  يُمكن فى أى وقت ان يشارك أى حزب فى الحُكم أو يتقاسم السُلطة، وهذا لا ينطبق على مصر وحدها بل على كثير من البلاد العربية، خاصة التى تمُر حاليا بحراك ثورى .

خامساً : عودة مراكز الوعى الاجتماعى أو القصور الثقافية، ونشرها فى المُدن والقرى والأحياء، لنشر حركة تنوير ثقافى وسياسى واجتماعى واقتصادى، وتكون هذه المراكز بمثابة حلقة وصل واتصال مُحايد بين الجماهير والمؤسسات الحكومية، وفى ذات الوقت معامل تفريخ وتدريب على مُمارسة الديمقراطية .

سادسا : من اجل القضاء على عشوائية اختيار الموظفين الحكوميين، ونهاية تقليد تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة، خاصة فى الوظائف الخدمية داخل مجالس المُدن والأحياء، يجب اعتماد الأسلوب الانتخابى الذى تحكمه القوانين، ووضع آليات سريعة تسهل عزل من يثبت إدانته بالفساد الادارى او المالى .

بدون دراسة العناصر السابقة، وعمل برنامج لتطبيقها، يكون احتمال نجاح عملية ارساء قواعد فعالة للديمقراطية ضعيف جدا، وبالتالي فرصة الاستقرار السياسى في بلد مثل مصر ضئيلة، اذاً لابد من عمل إصلاحات سياسية لإنجاح تحقيق الديمقراطية التى هى احد أهداف ثورة 25 يناير .

وجدير بالذكر فى هذا المجال توضيح ان أمواج الديمقراطية التى اجتاحت معظم دول العالم إبان مرحلة الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضى ( وما اطلق عليه فى حينه بالطريق الثالث للديمقراطية ) مرت دون إحداث مساهمة فعلية لإنقاذ الدول العربية من النظم الديكتاتورية، ولهذا مجال آخر سنخصصه لسبر أغوار هذا الموضوع بما له وما عليه بغية الاستفادة من تجاربه .

إن منح حُرية منقوصة او مشوهه فى بلد ثائر الآن مثل مصر يُهدد بأخطار كبيرة، ونستدل على ذلك بأن منح نظام مبارك رئيس مصر المخلوع

لحُرية أحزاب منقوصة، وتقييد حُرية الاجتماع وعقد المؤتمرات الحزبية، خلق عملية احتقان سياسى استمرت لسنوات طويلة، الى جانب قانون الطوارئ، مما أدى وأسباب أخرى لحدوث ثورة 25 يناير، تلك الثورة التى راح ضحيتها حوالى 850 شهيدا وآلاف المصابين، نعتقد انه لو تفجرت ثورة ثانية ستكون الحسابات مختلفة تماما، ربما يكون الضحايا والخسائر اكثر بكثير .

إن التاريخ السياسى للعالم العربى يعرف كثيرا من التنوع الثقافي التاريخى، للأسف الشديد لم يُنتج وحدة مصالح عربية، وذلك على الرغم من توافر مقومات وعوامل مُشتركة مثل اللغة والتاريخ، لكن منطقة شمال افريقيا تتسم ببعض التميز الذى اظهر مؤخراً عناصر وخصائص مُشتركة، فتونس ومصر نموذجان اشتركا فى وحدة مُعاناة من القهر الاجتماعى وقمع المُعارضة السياسية بشكل مُباشر وغير مُباشر" خاصة خلال العقد المُنصرم "، وهو الأمر الذى يُفسر نسبياً بعضا من أسباب ودوافع الغضب الشعبى الذى أدى لتفجر الثورة فى البلدين .

وقد اشتركت مصر وتونس فى عدد من الخصائص أهمها : استبدادية النظام وتحجيم تأثير المعارضة على الجماهير عن عمد، والزج بعناصر أمنية ومأجورة الى صفوف الأحزاب للعمل على انقسامها من الداخل وتفتيتها، مما نتج عنه مشاكل قانونية أوصلت بعض الأحزاب لساحات القضاء وينتهى الأمر بتجميدها، وبذلك يحرمها من العمل على كشف قصور وفساد الحكومة أو تبنى سياسات إصلاحية يكون من شأنها توسيع مساحات قواعدها الشعبية .

لقد شهدت منطقة شمال افريقيا حضارات وامبراطوريات تأتي وتذهب دون ان تتأثر كثيرا، لكن مرحلة الهيمنة والاستعمار الأوروبى خلفت وراءها بصمات اثرت على كينونة النظم السياسية فيها، وفى منتصف القرن العشرين رحلت الدول الاستعمارية الأوروبية من المنطقة، واستقلت هذه الدول لتحكم نفسها بنفسها، منطقة المغرب العربى والشرق الأوسط، والحكومات العربية التى تقلدت السُلطة فى الخمسينات افتقرت للخبرات السياسية، واعتمدت على الروح القومية العربية " العروبة " بلون اشتراكى وبعض المؤثرات العلمانية، وعرفت كثيرا من الدول الحزب الواحد الذى يحكم دون منافس او شريك، وبقيت لعقود طويلة وحدها فى سدة الحُكم .

وفرضت قيودا مشددة على جماعات المُعارضة واعتبرتها تهديدا لوجود أسس السُلطة والحُكم، وذهب الأمر لأبعد من ذلك حيث عملت الأجهزة الأمنية المُساندة للحُكم فى تشويهها ووصمها بالخيانة، مما أبعد الجماهير عنها خوفاً من بطش النظام، كما اتبع الحُكام العرب سياسة " فرق تسُد " مع صفوف المعارضة والمثقفين، واشترت البعض الآخر إما بالمال وإما بالسلطة او بكلاهما معا، الا ان بعض الجماعات الصغيرة من العلمانيين والليبراليين تم افساح المجال لهم، على سبيل الديكور السياسى لتجميل وجه السلطة أمام العالم الخارجى، وآخرين تم الضغط عليهم، وكانت المعارضة الاسلامية اكثر تعرضاً للبطش، ودفعهم للعمل فى خلايا تحت الأرض فى الظلام، لذلك فإن ميلاد التطرُف كانت لبنته الأولى من رحم الظلم والقهر والقمع وغياب الديمقراطية فى أحضان نظم استبدادية .

والى حلقة مقبلة فى سلسلة تجديد الربيع العربى بين التمرد والثورة .

[email protected]