رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تجديد الربيع العربى بين التمرد والثورة ( 2 )

سعيد السبكي

الجمعة, 22 أبريل 2011 11:19
بقلم - سعيد السبكى:

 

انتهيت فى المقالة السابقة بذكر ان بعض الأنظمة العربية اتخذت إجراءات وصفها البعض بالمُسكنات السياسية قصيرة المدى، والبعض الآخر يصفها بالدواء والعلاج البطئ اعتقادا منها – الأنظمة العربية - انها حالة من التمرد سرعان ما تنتهى،  وهو اعتقاد نصفه الأول صائب اما النصف الثانى فهو محل شك، لأن تأثير الامتداد الجغرافى الثورى بدأ بالفعل، وحالة التمرد مرحلة تمهيدية للثورة، وأصبحت حقيقة واقعة، وبصرف النظر عما تحقق فى كل من تونس ومصر، نؤكد انه تمت ولادة أفقا حيا وجديدا فى العالم العربى، حتى لو اصيب بأمراض الطفولة من وقت لآخر الا انه سيكتسب قوة وسينمو، وسيكون له قدرات جديدة أيضا للمقاومة .

ولعلنا جميعا نعرف ان اهم الأسباب التي أدت إلى الانفجار هى : الرفض المكبوت ثم الغضب ثم الاضطرابات ثم التمرد ثم الثورة في الدول العربية التى شهدت وتشهد حالة من الغليان كلها تقريبا واحدة، حيث ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، والقمع السياسي، وهذا فى وقت زادت فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء، اضافة الى ان الأعمال الفنية السينمائية خاصة المسلسلات التليفزيونية انتجت خلال العقد المنصرم كما من الأعمال التى اظهرت شرائح مجتمعية تعيش حالة من الترف والثراء بإفراط، وهى المشاهد المتنوعة التى أدت لحالة من استفزار مشاعر الغالبية العظمى من الشباب الذى لا يملك الحد الأدنى من حقوقه وسُبل الحياة الطبيعية، فى وقت انتشر فيه الفساد بشكل فاق معنى المفرد ذاته .

إن الطريق لتحقيق الديمقراطية والتوصل لمُعادلة انتقالية لم ولن يكن مفروشاً بالورود، ونستدل على تجارب شعوب أخرى فى التاريخ الحديث، فى جنوب افريقيا وأوروبا الشرقية فى الثمانينات والتسعينيات، فهل نتعلم شيئا ؟ وندرك ان الثورة لا يمكن لها ان تحقق تغييرات جذرية فى الثقافة السياسية بين ليلة وضحاها، وليس بالضرورة ان تجلب انتخابات حُرة نزيهه خلال عام, لذلك لابد ان تواكب الثورة عملية تنوير مكثفة، ولابد من جهاز لإدارة الثورة وحمايتها، وعلى الرغم ان عدم وجود مثل هذا الجهاز أحدث نوعاً ما من التضارب ظهر فى وسائل الاعلام، الا ان هذا التضارب حتى اللحظة لم يُفسد الثورة ولا مناخها، أيضاً عدم وجود قائد لها فى شكل فرد أفاد الثورة ولم يضرها، لأن خطر وجود فرد كقائد كان من الممكن ان يهدد باستبدال ديكتاتور بآخر، لكن لابد من استمرار الثورة شريطة عدم تجميد الحياة ورعاية مصالح جموع الشعب حتى لا يحدُث تضارب

فى المصالح، ودور وسائل الاعلام فى البلد التى ثار شعبها غاية فى الأهمية والخطورة، ومسئوليتها فى عصر الثورة والحرية أكبر بكثير مما كان وقت القيود فى ظل نظام أظهر الديمقراطية وكانت حقيقته ديكتاتورية مُنظمة .

كما انه من الضرورى ايضا ان نتعلم من ثورات شعوب أخرى حالفها النجاح وبعضها فشلت، وندرس اسباب النجاح والفشل كى نستفيد من التجارب ونحمى ثورتنا من وأدها، ولننظر على سبيل المثال الى سيناريوهات حدثت فى (رواندا وبوروندي ويوغوسلافيا السابقة) وهنا لن أترك العنان للعاطفة وأخلطها بالتمنى ان تنجح ثورات شعوبنا العربية، حيث من الضرورى ان نقف جميعا وقفة عقل، فما هى العناصر الضرورية المُلحة والمطلوبة لنجاح ثورة الشباب المصرية ؟ . . . ، حيث إن نجاح ثورة مصر سيكون له أثر فعال فى المنطقة العربية وشمال افريقيا .

اولا : لكى تتمكن مصر من التحول لنظام حُكم ديمقراطى لابد من نزع مخالب العُنف غير المُبرر وغير القانونى للأجهزة العسكرية والأمنية، وإلزامها بقوانين صارمة تمنعها من مُمارسة واستخدام أى نوع من أنواع العُنف البدنى والنفسى ضد المواطنين، وخلق آلية جديدة او تحديث آليات دستورية قائمة " كانت مُعطلة لحساب النظام الديكتاتورى " وذلك من اجل محاسبتها دون تهاون, حال ارتكابها مخالفات قانونية، فى ذات الوقت لابد ان يكون لمجلس النواب حق مقدس فى استدعاء اى موظف عمومى فى الدولة لاستجوابه، وحفاظا على وقت مجلس الشعب من الإهدار، حينما تحدث مخالفة تستوجب مزيدا من المساءلة، يتم تشكيل لجنة تحقيق برلمانية لا تنعقد فى أوقات العمل اليومى للبرلمان، وتكون هذه اللجنة شبه محكمة برلمانية أسوة بالدول الديمقراطية المتقدمة، ومن ناحية لا تقل أهمية من الأفضل ان تحكم الأجهزة ذات الطابع العسكرى والشرطى إدارة مدنية سياسية ذات خبرة فنية .

ثانياً : تؤكد كافة الدراسات السياسية والأبحاث الاجتماعية الميدانية التى أجريت على الثورات، إن نسبة كبيرة من النخبة المُستفيدة من نظام ما قبل الثورة تتصدى بقوة وشراسة لحماية مصالحها، وهو ما اطلق عليه البعض فى مصر بـ " الثورة المُضادة  "، أيا كانت الأسماء والتوصيف فإن تلك الجماعات تستغل مرحلة

التحول الثورية الحساسة وتلعب دوراً لتشويه الثورة، واثارة الفتن بين الثائرين وبين أقوى جهاز يحمى الثورة، ولإنعاش الذاكرة حدث ذلك فى مصر، ومازالت هناك عناصر خفية وبعضها تكَشف أمرها، تسعى للوقيعة بين الجيش الذى يحمى ثورة مصر حتى الآن، وبين جموع التظاهرات الاحتجاجية، كما تبتكر تلك العناصر أساليب فساد جديدة سعياً لبث روح الإحباط، خاصة فى نفوس الشباب، لذلك فضرورة تواجد جهاز قوي وواعي لإدارة الثورة أمر مُلح .

ثالثا : منعاً للفوضى وعدم إيجاد مناخ اجتماعى لترسيخ عادة تخوين المواطنين لبعضهم البعض لابد من التطهير على اساس واع ومدروس، وليس بالضرورى إقصاء صغار الموظفين، لكن من المهم جدا إقصاء كبار مُديرى الإدارات السياسية والاقتصادية خاصة فى القطاعات الخدمية، واستبدالهم بمدراء شرفاء معروف عنهم القدرة على الحسم والشجاعة، ولابد من رعايتهم وبث الروح الثورية فيهم، وتنظيم دورات تدريبية لتوعيتهم بالدور الوطنى المطلوب منهم لمصر، كما ان التأثير عليهم نفسيا بإيجابية يساعد على تحملهم المسئولية الثورية ومتطلباتها .

هذه كانت بعضا من الأمثلة المطلوبة لنجاح الثورة ليست فى مصر وحدها بل فى كل الدول العربية التى تتشابه فى كياناتها ونظمها .

ايضا يجب ان نضع فى الحسبان حقيقة لا يمكن إغفالها وهى انه في معظم البلدان العربية نجد ان دور ( الوكالات العسكرية والاستخباراتية والأجهزة الأمنية) أكثر تطورا من الأجهزة المدنية، وتملك عادة آليات تفتقر اليها المؤسسات المدنية، من حيث النظام الصارم والمراتب القيادية بداية من كبار الجنرالات وانتهاء بصغار صف الضباط والجنود، كما انها – الأجهزة العسكرية – تملك ايضا آليات وأموالا كثيرة سرى وقليلها العلنى، وهى متغلغلة فى كثير من مناحى حياة المجتمعات العربية، معظم هذه الأجهزة تشعر بآلام شديدة وهى ترى النظام الديمقراطى يولد من رحم ثورة تفجرت من الشعب وليس من طرفها هى .

ومن حُسن الطالع شاءت الأقدار لثورة شباب مصر على وجه الأخص ان القوات المُسلحة متمثلة فى مجلس قيادة الجيش المصرى قامت بحالة نادرة الحدوث فى مثل هذه الأحوال، حيث إنها تدخلت فى الوقت المناسب لحماية الثورة، ولم تنقض عليها، ولم تنسب لنفسها أعمالا لم تقم بها، وحقنت الدماء، وحفظت الأمن مدنياً وعسكريا، وهو دور سيسجله التاريخ المصرى .

إن حالة التمرد الشعبى التى سبقتها عملية حراك سياسى مجتمعى أفرزت ثورة حقيقية، وقد آمن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بأن مصر فى مرحلة تحول مصيرية، وعلى الرغم من ان موقفه كان ومازال شديد الحساسية الا انه قام بدور رُمانة الميزان الثورى بين كل القوى السياسية داخل مصر بحكمة .

وما سيسجله التاريخ ايضا ان الجيش المصرى لم يقع فى شرك او فخ سياسى لفتنة كانت هناك جهات أجنبية تريده له، حيث جرت محاولات استخباراتية غربية واسرائيلية تسترت فى لباس مقالات صحفية وما اطلقوا عليه دراسات لثورة مصر، او اطلاق نصائح عن بُعد كانت تهدف لدفع الجيش لينقلب على الشعب، وهو الأمر الذى تداركته القيادات العليا فى الجيش، واضافت صفحة بيضاء لثورة شباب 25 يناير ولمصر .

والى حلقة قادمة فى سلسلة تجديد الربيع العربى بين التمرد والثورة .