إخوان الأردن.. المرحلة وما بعدها (2-3)

سعد الفاعور

الأربعاء, 02 مايو 2012 09:25
بقلم : سعد الفاعور

لا أحد يفشي سراً عندما يقول إن "إخوان الأردن" هم الابن المدلل للنظام. فمنذ بدأت الحركة تكرس حضورها في الساحة السياسية، مطلع خمسينيات القرن الماضي، بالتزامن مع اعتلاء الملك الراحل الحسين بن طلال الحكم، وخروج قوات الانتداب البريطاني من البلاد، وهناك شعور خفي بين الأوساط الشعبية، بأن البريطانيين استبدلوا وجودهم الاستعماري، بـ "الإخوان"، كوكيل حصري ينوب عنهم في التصدي لزخم الصحوة الوطنية للأردنيين المتشبعين بالمد القومي والناصري والفكر الحزبي اليساري بكل أطيافه البعثية والاشتراكية والشيوعية.


حاول التنظيم – الذي يمتلك شبكة متجانسة وغير متجانسة من العلاقات الإقليمية والدولية المشبوهة - أن يكرس حضوره شعبياً من خلال واجهة سياسية مصطنعة عمادها عباءة الدين الزائفة. كما استعان بعلاقات ثنائية متداخلة مع النظام السياسي الناشئ، الذي تبناه وأسبغ عليه الكثير من العطايا والمنح، كما ساهم في تلميعه، من خلال منحه الشرعية والأرضية والحاضنة السياسية والحماية من المطاردة والمحاسبة الأمنية، حيث لم يسجل على مدى تاريخ الأردن السياسي الحديث، وطوال العقود الستة الماضية، تعرض أي قيادي إخواني للتعذيب أو السجن أو المطاردة، على عكس ما حدث لبقية قادة الأطياف السياسية والحزبية القومية واليسارية، بل وحتى السلفية الجهادية في الأردن، الذين لوحقوا وعذبوا وحرموا من الوظائف ومنعوا من السفر وسجنوا في المعتقلات.

تنظيم "إخوان الأردن" الذي ساهم النظام السياسي في صناعته في خمسينيات القرن الماضي، بالتزامن مع دخول نظيره المصري، في خصومة سياسية عنيفة مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، لم يكن جاحداً، بل رد المعروف بمثله وأكثر، ووقف إلى جانب النظام الأردني، في التصدي للمد القومي الناصري، والمد اليساري الجارف الذي كان مسيطراً على الساحة الحزبية الأردنية في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

كما أن "الإخوان" يمنون بأن لهم الفضل في التصدي للميليشيات الفلسطينية التي حاولت الانقلاب على الشرعية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، لاسيما وأن النظام السياسي الأردني، رأى فيهم واجهة سياسية يمكن أن تمثل الثقل الفلسطيني بالأردن، كبديل مقنع للميليشيات الفلسطينية المسلحة، التي تم تطهير الأراضي الأردنية من عبثها، ومن فوضى

السلاح الذي أحدثته.

ويتباهى قادة "الإخوان" أيضاً في أنهم خدموا النظام في هبة نيسان/ أبريل 1989، عندما أصدروا فتاوى تحرم الخروج للشارع والتظاهر أو المشاركة في العصيان المدني. وكذلك حظرهم على كوادرهم في حاضناتهم التقليدية، عمان والزرقاء، المشاركة في الانتفاضة الشعبية التي انطلقت شرارتها من معان في جنوب الأردن لتمتد سريعاً إلى الكرك والطفيلة والسلط، وبعض مناطق الشمال في إربد ولو بشكل محدود.

النظام السياسي حاول مكافأة الإخوان على موقفهم هذا بشكل سريع، ومنحهم قانون انتخابي في ذات العام، مفصلاً على مقاسهم، بعد تعهد الملك الراحل الحسين بن طلال، بإعادة الحياة البرلمانية والحزبية للساحة الأردنية، بعد حظر طويل، دام لأكثر من ثلاثة عقود. بينما الأردنيون الذين ثاروا على حقبة الفساد، واسقطوا حكومة زيد الرفاعي الفاسدة، كان نصيبهم المعتقلات والسجون، والإقامة الجبرية، والحرمان من حسن السلوك، وتحرير دائرة المخابرات العديد من القيود الأمنية بحق نشطائهم، والتي لا تزال تطاردهم حتى اللحظة!.

وهكذا، تداخلت خدمات "الإخوان" الجليلة للنظام السياسي. وفي كل الظروف، كانت مواقف التنظيم نابعة من فكر براجماتي انتهازي، لا علاقة لها بمبادئ الدين. وإن كان من الصعب إنكار إن بعض المواقف صبت في المصلحة الوطنية العليا للدولة، فإنه أيضاً لا يمكن التعامي عن حقيقة إن قادة التنظيم تاجروا بالشعب كثيراً من أجل مصالح ذاتية ومنافع خاصة، انعكست عليهم وعلى أسرهم وأبنائهم، بحيث يكاد من الصعب جداً، رؤية أي من قياديي "الإخوان" ليس مساهما في جمعية عمومية لإحدى الشركات المدرجة في السوق المالية، أو لا يملك عقارات واستثمارات ومحافظ مالية باسم أبنائه أو بناته أو زوجته أو زوجاته.

إن أي مراقب، لا يستطيع أن يغض الطرف، عن سياسية مسح الجوخ التي تميز بها "الإخوان" تجاه النظام والحكومات المتعاقبة، والغزل الرخيص، والمعارضة الانتهازية القائمة على
مبدأ "الميكافيللية"، التي أوقعت البلاد والعباد في مديونية تزيد عن 20 مليار دولار، فطوال (60 عاما) من تنعم "الإخوان" بصفة الحزب السياسي المعارض والوحيد المرخص والناشط على الساحة الأردنية، لم يسمع لهم أي صوت احتجاجي على أي من عمليات السرقة المنظمة لثروات الوطن والشعب، والتي جرت تحت عناوين: السلام مع إسرائيل، توقيع اتفاقية وادي عربة، الخصخصة، الليبرالية، وبرنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي، وحتى عندما مررت "وادي عربة" تحت قبة البرلمان، لم نشهد لنواب التنظيم أي استقالات احتجاجية، ولو من باب حفظ ماء الوجه!.

لكن الشراكة الثنائية بين "الإخوان" والنظام السياسي، والقائمة على المنافع المتبادلة، سرعان ما انفرط عقدها، في ظل ثورات ما يسمى "الربيع العربي"، والتي أغرى بريقها قادة الإخوان بشكل لا يمكن تخيله. فشعر التنظيم بأن له فضل على النظام، أكبر مما للنظام فضل عليه، وأن فاتورة الدين المستحقة على النظام، أصبحت واجبة الدفع، ولا مجال للمماطلة في سدادها، وأنه لا فائدة من تهرب النظام من الاعتراف العلني بأن "الإخوان" هم الرقم (1)، في معادلة الاستحقاق السياسي، والتي تتمثل باستعادة الشعب للسلطة، وتقليص صلاحيات الملك، بحسب مطالبهم العلنية.

شجع "الإخوان" على التمادي في هذا الموقف الانقلابي، عدة عوامل تختص بالساحة الأردنية الداخلية، وبتطورات الإقليم السياسية، التي صاحبها تحول واضح في مواقف القوى الدولية عامة، والأميركية خاصة، تجاه الحلفاء التقليديين. الأمر الذي دفع بقيادات وكوادر الإخوان إلى تبني أجندة إعلامية متداخلة الشعارات والأهداف المحلية والإقليمية، من خلال تجسير قنوات الغزل المتبادل مع السفارات الأجنبية، كما كشفت ذلك محاضر اجتماعات ثنائية بين قادة في التنظيم وسفراء غربيين وضباط ارتباط في أجهزة المخابرات الغربية.

وقد سعى التنظيم إلى فرض هذه الأجندة على سائر أطياف الحراك الشعبي الأردني، وتوصيف مطالب أبناء المحافظات المهمشة والفقيرة والجائعة، التي أطلقت شرارة الحراك الإصلاحي في الأردن، بأنها "مناطقية"، وكذلك العمل على محاولة إقصاء هذه القوى الشعبية عن الساحة السياسية، وإظهارها بأنها هامشية وغير مؤثرة، وقليلة العدد، إن لم تقبل بسقف شعارات الأجندة الإخوانية، وتبني المطالبة بما يرد فيها، وبلا نقاش.

وفي ظل ركوب "الإخوان" لموجة الحراك الشعبي الإصلاحي، وامتطائهم لظهور الناشطين البسطاء، من خلال استغلال عاطفة الدين، نجحوا في رفع سقف الشعارات، بغية إحداث صدام دموي مع النظام وقواه الأمنية، من أجل تكريس أمر واقع جديد، وهو أن مطالب المتظاهرين تنحصر فقط بالرغبة بإجراء إصلاحات دستورية، تشمل على وجه الخصوص البنود (34، 35، 36) من الدستور الأردني، والتي تتعلق بحصانة مجلس النواب، وبتكليف الأغلبية البرلمانية بتشكيل الحكومة، وبإلغاء مجلس الأعيان أو انتخابه، وهي تعديلات تعني تقليص صلاحيات الملك.

وللحديث بقية.