المعرفة المحرمة في مصر

سامح جويدة

الخميس, 03 نوفمبر 2011 09:51
بقلم : سامح جويدة

المعرفة هى شمس تشرق او نار تحرق كما قال الإغريق ... وهناك قصة ملهمة للفيلسوف برتراند راسل بهذا الشأن تحكي عن زوجة رجل دين تعيش في دير ضخم في منطقة نائية و كانت زوجها مسئول عن المكتبة التي كانت تشكل النافذة الثقافية و المعرفية الوحيدة لكافة سكان الدير

و كان لزوجها مكانة عظيمة بسبب ذلك و عرفت الزوجة بعد سنوات من الزواج ان زوجها يحذف من الكتب و المخطوطات أجزاء معينة  لأنه يعتقد ان تلك الأجزاء تحتوى علي معرفة محرمة تدعوا للفساد و تحفز علي الرذيلة و كان يطلق عليها علوم الشيطان و يخفيها في خزنة خشبية عميقة لها مفتاح ضخم لا يتركه الزوج من يديه  .. و ظلت فكرة الاطلاع علي تلك العلوم المحرمة تراود الزوجة و تشغل تفكيرها فهي لن تعيش إلا مرة واحدة و لم تعرف من الحياة الا ما تعلمته من الدير و ما اختاره زوجها العجوز .. و بالصدفة نسى الزوج الخزنة مفتوحة و هرول لاستقبال احد رجال الدين المهمين و الذي جاء في زيارة للدير .. و فتحت الزوجة باب  المعرفة المحرمة و اخذت تقرأ فيها لساعات طويلة حتى جاء زوجها و هي منهمكة في ما تقرأ

كعطشان الصحراء الذي رموه في بركة ماء .. و صرخ زوجها بحسرة و حزن حينما شاهدها تقرأ في تلك الأجزاء المحذوفة و سألها في لوعة و حزن كيف فتحتي باب الشيطان .. و لم تجيبه الزوجة و لم ترد عليه بل لم تتكلم إطلاقا بعد ذلك فهي لم تنسى ما قرأته و لم تتوقف عن التفكير فيه و ظلت هائمة شاردة  مع المعرفة المحرمة حتى ظن سكان الدير أنها أصبحت مجنونة أو مسها الشيطان بالشر .... و لم يوضح راسل نوع المعرفة التي اطلعت عليها الزوجة لتصيبها بهذا الجنون فهل هي أخلاقية ام علمية ام دينية ام فلسفية و لكنها في النهاية ممنوعة بأمر رجال الدين المسيطرين علي مجتمع الدير ككل .. نستطيع ان نأخذ تلك القصة الفلسفية كنموذج عام عن كافة انواع المعرفة المحرمة في أي مكان علي الأرض و التي قد تصيب من يجهلها بالجنون بغض النظر عن أسباب تحريمها او منعها و هل هي أسباب  حقيقية او مزيفة .. خاصة ان معلومة بسيطة
نعرفها جميعا عن ظهر قلب مثل حركة الأرض حول الشمس قد أدت الي نفي جاليليو و تهديده بالإعدام  لانه اول من اكتشف ذلك و ظل جاليليو منفيا في منزله بأمر الكنيسة حتى وافته المنية في 1642م . وقدمت الكنيسة اعتذارا لجاليليو عام 1983 بعد ان قتله جهل رجال الدين .. اى ان المعرفة المحرمة قد تكون اكثر صدقا بكثير من المعرفة المتاحة و المحللة سوا كان يحللها رجال الدين او السياسة او حتى الإعلام الان .. و استطيع ان اقول ان المعرفة الوحيدة التى تصيبني شخصيا بالجنون هي معرفة احوالنا السياسية و الاقتصادية كل يوم و هذا الكم الهائل من الفضائح التي لا تنتهي من رجال السلطة او السادة الوزراء السابقين و اللاحقين و نواب مجلس الشعب الراحلين و المنتظرين .. تلك المعارف و المعلومات التي نطالعها كل يوم علي صفحات الصحف او من خلال الفضائيات .. تصيب اي عاقل بالجنون .. هي أشبه بالحقائق التي عرفتها زوجة رجل الدير و التي كان يخفيها لأعوام طويلة .. فهذا الكم الهائل من الفساد لم يتكون بين ليلة وضحاها بل هو كالمرض الخبيث الذي دخل البلد من زمن طويل و اخذ ينخر في الجسد حتى حلله و افقده القدرة علي المقاومة .. و معرفتنا بقضايا الفساد الجديدة لن تزيد من قدراتنا المعرفية بقدر ما تقلل من قدرتنا العقلية خاصة و انها بلا عقاب واضح في اغلب الأحيان  ,, فلو سألوك الان ما هي المعرفة التي كالنار تحرق فقل في ثقة أخبار بلادي ..  

[email protected]