رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سيرة الإمام علي بن أبي طا‬لب

رحيق الكتب

الخميس, 11 نوفمبر 2010 11:48
علاء عريبي


السيرة تشبه الإمام علي بالخضر المذكور مع موسي في سورة الكهف

عرفطة الجني المسلم ذهب في الحلقة السابقة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام واستغاث به من جبروت الملك الهضام الحجاف الجني الكافر،

وحكي للنبي قيام الهضام بإجبار قومه من العفاريت والجن والمردة بعبادة "المنيع" وهو صنم ضخم، أعد حوله حفرة كبيرة أشعل فيها نارا وأسماها جهنم، وأخري أشجارا وفاكهة وانهارا وأطلق عليها الجنة، من يعصِ يدخل النار، ومن يحسن اسكنه الجنة، وطلب من الرسول أن يكون الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفارس الذي سيفده لمحاربة الهضام، لأنه الإنسان الوحيد الذي يقدر علي محاربة الجن والعفاريت وهزيمة الهضام الكافر، وفي نفس الحلقة قرأنا نزول جبريل عليه السلام إلي الرسول وأقرأه السلام من الله عز وجل، وأبلغه انه سبحانه وتعالي اختار ابن عمه لمحاربة وقتل الهضام، بعدها دعا الرسول الصحابة إلي الصلاة بالمسجد، وبعد أن أدوا الفرض وقف علي المنبر وخطب وأخبرهم بأمر الهضام وما نزل به جبريل من تكليف، ثم استفسر من الصحابة عن الهضام، وأخبره أحد الصحابة بما يعرفه، وقيل إنه يسكن في وادي القمر وهي بالقرب من اليمن، ونادي الإمام علي واستشاره فيما هو فاعل، وبعد فترة صمت وتفكير وافق الإمام، وجلس يكتب رسالة من الرسول إلي الهضام، خيره فيها بين عبادة الله الواحد القهار والدخول في الإسلام أو الحرب"، وطلب الرسول من الحضور أن يتبرع أحدهم بحمل رسالته إلي الهضام، وتقدم جميل بن كثير لتنفيذ هذه المهمة، واشترط ألا يكون تحت إمرة علي بن أبي طالب، ولا يسير معه في رحلة واحدة لأنه لا يطيق هذا، ووافق الرسول وسلمه الرسالة، وودع جميل أهله والصحابة وانطلق بالرسالة إلي الهضام،  إلي هنا وقف الراوي الأسبوع الماضي بحكايته، واليوم يستكمل سيرة الإمام علي بن أبي طالب وسيره وحيدا إلي ملك الجن والعفاريت الهضام بن الحجاف، وقطعه الحصون السبعة حتي وصل إليه ونصره الله عليه، وفي حلقة اليوم يستهل الراوي الحكاية بتوديع الرسول للإمام علي بن أبي طالب، بعد أن مضي الإمام علي اليوم بالمدينة، وأقسم للرسول أنه سيظل صائما حتي عودته سالما منتصرا، وهو ما أبكي الرسول عليه الصلاة والسلام، أو علي حد قول الراوي:

فلما سمع النبي صلي الله عليه وسلم ذلك الكلام من علي كرم الله وجهه(القسم بالصيام طوال فترة رحلته وحربه) تغرغرت عيناه بالدموع، ثم قال: اللهم لا تفجعني بفقده ولا تحزني من بعده، اللهم إنه وديعتي إليك فاحفظه حتي ترده سالما إلي يا من لا تخيب عنده الودائع، ثم أن الإمام عليا رضي الله عنه انصرف إلي منزله وبات الليلة يتحدث مع أولاده، فلما أصبح الصباح قام الإمام علي رضي الله عنه، فتوضأ وأفرغ آلة حربه وتحزم بمنطقته( بحزامه)، وتنكب (حمل علي كتفه) بجحفته (بقربة الماء)، وضم أولاده وجعل يقبل هذا مرة وهذا مرة، ثم أقبل علي فاطمة الزهراء رضي الله عنها وقبلها بين عينيها، ثم خرج إلي المسجد وصلي مع النبي صلي الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم قال: يا رسول الله منك القول ومني السمع والطاعة أتأذن لي بالخروج، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم: لله الأمر من قبل ومن بعد، فإذا عزمت فتوكل علي الله، ثم نهض رسول الله صلي الله عليه وسلم قائما علي قدميه، ونهض الناس معه ولم يبق أحد إلا خرج مع النبي صلي الله عليه وسلم، وهو يوصي الإمام عليا كرم الله وجهه ويحدثه بما يجري به في طريقه، والناس يتعجبون من سير الإمام علي وحده، فلما بعد عن المدينة وقف النبي صلي الله عليه وسلم وودع الإمام علي ودعا للإمام بدعوات تحجب عنه خلق الأرض والسموات ثم أمر الإمام بالمسير، وقال: سر بارك الله فيك الله خليفتي عليك، (قال الراوي) ثم إنه صلي الله عليه وسلم رجع وأمر الناس بالرجوع، فرجع الناس وسار الإمام طالبا بلاد اللعين الهضام وحيدا بنفسه ليس معه من يؤانسه إلا الله، وكان المنافقون قد خرجوا جميعا عند الوداع وهم يقولون: أما ترون هذا علي بن أبي طالب، إذ هو تعرض لمرارة الموت لم يبق لهذه الديار يعود وهم فرحون مسرورون، يقولون قد فقد علي بن أبي طالب حين صار لمرارة الموت، والنبي صلي الله عليه وسلم والصحابة يدعون للإمام بالنصر والتأييد علي أعدائه، فهذا ما كان من أمر المنافقين والنبي صلي الله عليه وسلم

(قال الراوي) وأما ما كان من أمر الإمام علي كرم الله وجهه فإنه سار واستقام به المسير وأسلم نفسه لله عز وجل وأنشد شعرا:

أسير وحدي إلي ما قد أراجيه... إذ كل ما قدر الله من أمر ألاقيه

لا تكره الموت في بدو ولا حضر... إن يدن منك فكن أنت مدانيه

أسير مستسلما لله معتمدا... عليه في كل أحوالي أناجيه

به الود ومالي عنه من عوض... جل الإله فإني من محبيه

مالي سواه ومالي عنه مصطبر ... وكيف عبد يرجي من مراجيه

صلي الإله علي طه وعترته... مادام طير علي غصن يناجيه

جاسوس المنافقين

(قال الراوي) فبينما الإمام سائر وقد غاب عن المدينة وإذا بصائح من ورائه ينادي: يا أبا الحسن سألتك بالله ورسوله أن تقف لي حتي ألحقك، فوقف الإمام والتفت وراءه، وإذا برجل طويل السواعد عريض المناكب وهو يسرع في خطاه ويهرول في مشيه، فتأمله الإمام علي رضي الله عنه فإذا هو رجل من أشرار المنافقين، يقال له ورقة بن خضيب(شخصية خيالية) من أقارب ابن أبي سلول(عبد الله بن أبي بن سلول، بادر بنشر رواية حادثة الإفك، ت 9 هـ ) المنافق لعنه الله، وكان الملعون يتجسس الأخبار لعدو الله الهضام بن الجحاف، ويظهر الإسلام ويكتم النفاق، ويريد بذلك انه يظهر برسول الله صلي الله عليه وسلم وابن عمه، فلم يجد لذلك سبيلا فلما نظر الإمام خرج في ذلك اليوم وحيدا فريدا، أقبل ذلك الرجل علي قومه المنافقين فرحا مسرورا، وقال لهم: الآن قد بلغت مرادي وبلغت أمنيتي، وها أنا أريد أن أرافق علي بن أبي طالب إلي أن أجد منه فرصة أو غفلة عند نومه أو سيره، فأقطع رأسه وأمضي بها إلي الملك الهضام لأنال عنده المنزلة العليا وعند الإله المنيع الرفيع، وأتقرب إليهم وأصير عندهم صاحب قدر واشفي قلبي من العلل، فقال إخوته المنافقون: نشكر اللات والعزي (وهما اسمان لصنمين كانوا يعبدونما في الجاهلية)، وفرحوا بذلك فرحا شديدا لما يعلمون من شجاعته وقوة قلبه، فما منهم إلا وقد وعد بصلته(الصلة: العطية والإحسان)، وجعل له جعلا(أجرا أو رشوة) إن وصل إلي ذلك (قال الراوي) فعند ذلك خرج ورقة بن خضيب ولحق أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه معارضا له سالكا طريقا، قال فالتفت الإمام إليه، وقال: من أنت؟، ومن أين أتيت؟، وإلي أين تريد؟، فقال ورقة: أتيت أريد مرافقتك ومصاحبتك ومساعدتك علي أعدائك، لأنني مبتهج بمحبتك ومجتهد في خدمتك، قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: من أحبنا لقي بحبنا نعيما، ومن أبغضنا لقي ببغضنا جحيما وكان الله بما قضي عليما، ارجع يا ورقة لا أنس لي بك والله أعلم بما أضمرت فجزاك عليه يوم يقوم الناس لرب العالمين، فقال ورقة: يا أبا الحسن إني ما أتيت حتي استأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم في الموافقة والمسير معك والمساعدة لك علي أعدائك، ثم انه (ورقه) ألح عليه (الإمام علي) في السؤال بالمخادعة والحيلة، ومع ذلك لم يخف عن الإمام ما أضمره اللعين وما هو

طالبه، فأخذ حذرا منه وولي عنه ناحية إلي ناحية من الطريق وسمح له بالمسير معه، (قال الراوي) ثم سار الإمام متجانبا متباعدا عنه، وسار عدو الله إلي جانبه ولم يبد له شيئا وكتم أمره، فقال له الإمام: إن كان ولابد من مصاحبتي فلا تسألني عن شيء حتي أحدث لك منه ذكرا، فأجابه ورقة إلي ذلك، وقال: بأبي أنت وأمي، وكيف أتعرض لك في شيء وأنت من بيت النبوة ومعدن الرسالة، وأقتبس منك ومن علمك ولا أنازعك في صنعك ولا أمانعك في أمرك، وإنما أنا مساعدك في سفرك ومعاونك علي أعدائك، فعند ذلك خلي الإمام سبيله، وجعل يقول:

من صاحب الليث يرجو منه خدعته... يسقي من أظفاره كأس الري

جرما من يشرب السم لا يأمن عواقبه... لو كان يعلم عقبي السم لامتنعا

من أضمر الشر يأتي نحوه عجلا... مسارعا قاصدا قد جاء متبعا

 

المائدة المسمومة

(قال الراوي) فلما سمع ورقة هذه الأبيات من الإمام لم يرجع عما أضمره (أخفاه)، بل انه ازداد غيظا علي غيظه، ولم يزالا سائرين والإمام علي يقول: حسبي الله ونعم الوكيل،  حتي وجب عليهما (الصلاة) فلم يجد الإمام ماء يتوضأ منه، فسار إلي أن قرب العصر، فأشرف الإمام علي رجل واقف علي بئر وقد ملأ سقيه، والي جانبه مائدة منصوبة وعليها صحف مملوءة بالطعام وأقراص من العيش، فلما نظر ذلك الرجل الإمام وورقة قال: هلما إلي الطعام الفاخر والماء البارد بلا ثمن ولا جزاء، فأسرع إليه الإمام ولم يمهله حتي قبض علي أطواقه، وجلد (ضرب) به الأرض وجلس علي صدره وحز رأسه، ثم عمد إلي الماء فأراقه، ثم حفر حفرة كبيرة وجعل فيها الطعام ورد عليه التراب حتي غيبه، وسار كأنه لم ينبه شيئا، فقال له ورقة: يا أبا الحسن، قد تجرأت علي فعلك وأسرفت في صنعك وظلمت في حكمك بما فعلت بهذا الرجل الذي يبرد الماء لعابر هذا الطريق، وينصب للجيعان من غير ثمن ولا جزاء، وتقدمت إليه وذبحته وإلي طعامه فدفنته وإلي مائه فأرقته، وتركتنا نلتهب عطشا، فوالله لقد تجرأت في فعلك وأسرفت في صنعك، فقال له الإمام: ألم أقل لك لا تسألني عن شيء حتي أحدث لك منه ذاكرا، ارجع الآن فانك لن تستطيع معي صبرا (انظر: قصة موسي والخضر في سورة الكهف من الآية 65: 82).

الجارية الحسناء

(قال الراوي) فازداد اللعين كفرا وامتلأ غيظا وقال: في نفسه كيف أرجع وأدع ابن أبي طالب، وحق اللات والعزي لا أرجع حتي أقطع رأسه وأمضي بها إلي الملك الهضام وأبرد قلبي وأشفي غليلي، ثم اقبل علي الإمام بمكره وخداعه، وقال: يا أبا الحسن أنتم أهل الجود والكرم والإحسان والعفو والامتنان، ولست أعود إلي شيء تكره، فسمح له الإمام بالسير معه، فسار إلي وقت العصر ثاني يوم، فاشرف الإمام علي حوض مملوءة وبجانبه مسجد قد طرح النحل علي جدرانه، وإذا بشيخ كبير جالس إلي جانبه وعنده جارية حسناء وعليها أثواب الزينة وثياب مزعفرة، فلما وصل إليها الإمام حل منطقته ووضع سلاحه، وأخرج زنادا (خشبتان يقدح بهما النار) كان معه، وقدح (أشعل) منه نارا وأطلقها في المسجد، فاحترق المسجد سريعا وتساقطت حيطانه، ثم انه حفر حفرة وعمد إلي الصبية فجعلها فيها ورجمها حتي ماتت، ثم عمد إلي الشيخ فقطع يديه ورجليه وتركه مخضبا (ملطخا) بدمائه، ثم عمد إلي الماء فتوضأ وصلي وانصرف كأنه لم يفعل شيئا، (قال الراوي) فلما رأي ذلك ورقة ثار وامتلأ غيظا وحمقا علي الإمام، لكنه خشي من صولته وهجومه عليه، قال له وهو يلين له الكلام: يا ابن أبي طالب، والله ما أمرك الله ولا رسوله ولا نطق بذلك القرآن، عمدت إلي المسجد فأحرقته وهدمته والآن عاد خرابا، وعمدت إلي الشيخ فقطعت يده ورجليه من غير ذنب ولا جناية سبقت منه إليك، ثم عمدت إلي صبية من حسن الناس وجها فرجمتها حتي ماتت وهي كانت تصلح لمثلك، والله لا نصرت وهذه الفعال فعالك، فتبسم الإمام وقال: والله لولا إني أريد أن أظهر لك بياناً بما رأيته وإلا كنت عجلت بروحك، ولا كذبت علي وعارضتني في شيء لا تعرفه ولا لك عليه طاقة، ولكن أسامحك وامضي إلي حال سبيلك ولا تتعرض لي فأهلكت، وتدبر أمرك، وانظر إلي ما أنت له صانع وسيظهر لك، يا ويلك أما رأيت وعاينت؟، وان سألت عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم أخبرك به، فارجع عني واستغنم السلامة وأكرم الناس، من إذا قد عفا وهذه الثانية؟، إذا عدت إلي الثالثة جازيتك بفعلك، يا ويلك ألم أقل لك ما قاله العبد الصالح لموسي بن عمران: إنك لن تستطيع معي صبرا (الكهف: 72)  فقال: يا أبا الحسن اعف عما قلت ولست أعود إلي ما تكرهه، ودخل علي الإمام بمكره وخداعه وهو يظن أن يظفر به، فسمح له الإمام بالمسير معه.

 

سبعان وعبد أسود

ولم يزالا سائرين إلي غروب الشمس وهما علي غير طريق، فبينما هما سائران، وإذا هما بواد  فيه عين ماء كثيرة المياه، وبجانبها حظيرة واسعة وعلي بابها عبد عظيم الخلقة أحمر العينين عريض المنكبين مفتول الساعدين، فلما نظرهما قال للإمام: اعدلا إلي هذا المنزل الرحب الطيب الخصيب، فقال ورقة عند ذلك: أعدل بنا يا أبا الحسن إلي هذا المنزل فقد ولي النهار وأقبل الليل، فقال الإمام: سر ولا تتعرض لما ليس لك به علم، فقال ورقة: والله ما بك خوف من هذا الأسود حيث رأيته يطيل النظر إليك، فلما سمع الإمام ذلك تغير وجهه وقال لورقة: ويلك أمثلي يفزع من ابيض واسود وأنا من أهل العلم والتأويل والدلالة والتفصيل؟، ثم عطف الإمام ناحية العبد فلما رآه العبد مقبلا إليه وقف ورحب به وفتح له باب الحظيرة، فدخل الإمام ودخل الأسود في نحوهما وأغلق باب الحظيرة، فلما وصل الإمام وسط الحظيرة، وإذا هو بجماجم مقطوعة وعظام مهشمة فوقف ينظر إلي ذلك ويتفكر ويتعجب، وإذا هو بسبعين عظيمين قد خرجا من جانب الحظيرة، وقصد احد منهما إلي نحو الإمام والآخر إلي ورقة، فالسبع الذي وصل ورقة هدر وزمجر، فلما عاين ذلك قصد نحو الإمام وهو يرتعد كالسعفة في مهب الريح ، واصطكت أسنانه واهتزت ركبتاه من شدة ما نزل به من الخوف والفزع، وهو ينادي برفيع أصواته أدركني: يا أبا الحسن خالفتك فهلكت، فبالله عليك يا أبا الحسن خلصني مما أنا فيه، ولا تؤاخذني بسوء أفعالي فأنت من أهل الكرم والجود، فتبسم الإمام ضاحكا من مقالته، وأما الإمام فلم يعتن بالسبع الذي وصل إليه

ولم يلتفت إلي ميلته، فلما قرب السبع من الإمام صرخ صرخته المعروفة الهاشمية فتضعضع السبع من شدتها ووقف مكانه وخمدت قوته من صوت الإمام، وجعل ينادي: أنا السيف المسلول أنا ابن عم الرسول/ أنا مفرق الكتائب أنا مظهر العجائب/ أنا الحسام القاضب (القاطع) حامل ذو الفقار/ أنا البحر الساكب القاضب/ أنا ليث بني غالب/ أنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب/ ثم وثب علي السبع بقوته وضربه ضربة عظيمة فمات، ثم حمل الإمام علي السبع الذي حمل علي ورقة فوثب عليه ونادي: أنا الليث التمام/ أنا البطل المقدام/ أنا قاتل اللئام/ أنا مفرج الزحام، فعند ذلك فر السبع داخل البيت عندما نظر ما حل بأخيه، وجعل العبد يحد النظر إلي الإمام ويتعجب مما فعل، فجرد صفيحة (رخامة عريضة) هندية وتقدم إلي السبع يحرضه وهو في شدة غيظه علي قتل أخيه، فحرضه علي الإمام فعمد السبع إلي الإمام وعمد الأسود إلي ورقة يريد قتله قبل قتل الإمام، فقال ورقة للأسود: مهلا وقيت(حميت من) الردي (الهلاك) وكفيت شر العدي، فإنني معين لك علي أمرك، لعلي اقتله وأخذ رأسه إلي الهضام لأنال المرتبة العليا، والآن اختلطنا بعدو الملك الهضام، فان قتلناه فتكون لنا اليد العليا عند الملك الهضام وعند الإله الرفيع، فعند ذلك فرح الأسود من مقاله ومال علي الإمام وورقة معه وقال: يا ابن أبي طالب إلي أين طالب فانظر إلي نفسك وتدبر أمرك؟، فلم يلتفت الإمام وهجم علي السبع وضربه ضربة هاشمية بين عينيه، فلما نظر الأسود ذلك انذهل وعلم انه إن أقدم علي الإمام أرداه (أهلكه)، فرمي صفيحته من يده ونادي: يا ابن أبي طالب أرفق علي أسيرك وأحسن إلي، فاني لم اعلم بك ولا بمكانك حتي سمعت ذكرك من رفيقك، أحسن إلي يا أبا الحسن أحسن الله إليك، فلما سمع ذلك منه الإمام قال: اعتزل حتي أفرغ من عدو الله وأعود إليك فيقضي الله بحكمه ما هو قاض.

 

مقتل ورقة

ثم عمد الإمام إلي ورقة وقال: يا رأس النفاق، قد أظهرت يا عدو الله ما كنت له ساترا، وما أنت عليه عازم وضامر، فانظر الآن لنفسك وتدبر أمرك فقد آن أوان قتلك، ثم نادي ورقة: يا ابن أبي طالب، سألتك بحق محمد ابن عمك إلا ما أبقيت علي وأحسنت بكرمك إلي، فقال له: بعد نفاقك وكفرك ما ابقي عليك هيهات هيهات، فلما أيقن اللعين بالهلاك قال: يا ابن أبي طالب الظلم لا يفارقك ولا يفارق ابن عمك، فحدثني عما ظهر لك أنت في طريقك هذه من سوء فعلك مما لا يرضاه الله، ثم افعل ما بدالك فإني اشهد أنك أنت وابن عمك ظالمان ساحران، فغضب الإمام من مقاله ورقة غضبا شديدا وقال له: يا عدو الله، إن الله تبارك وتعالي قد باعد بيننا وبين الظلم والعدوان، وجعلنا من أهل الكرم والإحسان، ويل لك ولقومك، فأنا اكشف لك ولقومك جميع ما رأيته في طريقنا، أما الرجل الذي اقبلنا عليه وعنده الماء والطعام فانه كان مسموما، وإنما صنعه للناس حيلة فإذا أكل احد الطعام وشرب من الماء هلك لوقته فيأخذ ما كان معه وقد اهلك بهذه الحيلة خلقا كثيرا، فلما أتيته قتلته عمن قتل من الناس، وأهرقت الماء ودفنت الطعام لئلا يأكل منه الطير والوحوش فتهلك، وأما الشيخ الذي أتيناه بالمسجد وعنده الجارية فإنها بنته، وهو ينكحها للصادر والوارد، فإذا أنزل عنده سالك طريق عرض عليه ابنته، فإن أجابه إلي ذلك كان، وإلا يتركه حتي ينام ويسرق منه جميع ما معه، فلما قدمت عليه قطعت يديه ورجليه لأجل سرقته، ورجمت الجارية لزناها حتي ماتت، وأحرقت المسجد، وأما هذه الحظيرة وهذا الأسود وهذان السبعان فيقتل بهما جميع من أتي إليه في هذه الحظيرة ويأخذ ما كان معه، ثم إن الإمام تقدم إلي ورقة وضربه بذي الفقار (سيفه) علي رأسه ففلقه نصفين ووصل إلي الأرض وعجل الله روحه إلي النار.

 

هولب يشهر إسلامه

فلما نظر الأسود إلي ذلك حار عقله ونادي: يا ابن أبي طالب، امدد يدك فاني اشهد أن لا إله إلا الله، وأن ابن عمك محمد رسول الله، وإني كنت في لجج الضلالة سارح فلا زلت لك منذ هذا اليوم إلا مواليا، فعند ذلك تبسم الإمام علي كرم الله وجهه وقال له: خذ سلب (ملابسه وسلاحه) عدو الله وامض حيث شئت مصاحبا للإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين إني لا أكون معك وبين يديك، فقال له الإمام: هذا جبل بعيد لا يصل إليه كل ضامر سلول، فقال الأسود: هذا الوصف لا أجده إلا لك يا ابن عم الرسول صلي الله عليه وسلم أنت زوج البتول، وابن عم الرسول سيف الله المسلول، إلا يا أمير المؤمنين، سألتك بحق ابن عمك ألا أخبرتني إلي أين تريد؟، فقال له: إني والله أريد الهضام بن الحجاف وصنمه المنيع وحصنه الرفيع لأذيقه السم الفقيع، فقال الأسود وقد تحول سواد وجهه إلي الاصفرار لما سمع بذكر الهضام، فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تعرض نفسك للهلاك فطريق ما ذكرته غير سالك، فكيف تصل إليه وبينك وبينه سبعة أودية وفيها سبعة حصون، وكلها مملوءة بالرجال والأبطال، لا يطير عليهم طائر إلا منعوه من الجواز حتي يستخيروه، ووصولك إلي صنمه أبعد من ذلك، وأن له جنة وناراً ويدخل في جنته من أطاعه ويدخل في ناره من عصاه، وأنا أخشي عليك مما أعده من الأهوال، فقال الإمام: امض أنت إلي حال سبيلك ومعي ربي تعالي ينصرني وهو معي أينما توجهت فهو حسبي ونعم الوكيل، ثم قال له: ما اسمك؟، فقال له: اسمي هولب فقال الإمام: اكتم أمري ولا تبح بسري، وامض إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وجدد إسلامك علي يديه، فقال هولب: يا سيدي هذا الذي ضمرت عليه (قال الراوي) فعند ذلك ودع أمير المؤمنين وسار إلي المدينة قاصدا النبي عليه السلام، وأمير المؤمنين ساير بلاد الهضام حتي ولي النهار واقبل الليل، فبعد غروب الشمس صلي المغرب والعشاء ثم سافر طول ليلته حتي لاح الفجر فصلي الصبح ،ثم سار وطاب له السير وقرب الله البعيد وسهل عليه كل صعب شديد (قال الراوي) حدثنا أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: كنت أري الجبال الشاهقة أمامي، فبينما أنا أتفكر في الوصول إليها فما أدري بنفسي إلا وأنا قد وصلت إليها وعولت عليها بحول الله وقوته ولا ادري بتعب ولا ألم، كل ذلك بحول الله سبحانه وتعالي وبركة رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم انشد وجعل يقول شعرا: طاب المسير بنور الله إذ لمعا/ وبان ضوء الفجر إذ طلعا.

 

وادي الظل

(قال الراوي) وسار الإمام علي رضي الله عنه يطوي المنازل ولا يعوج المناهل(مورد الشرب علي الطريق) إلي أن وصل إلي ارض اليمن، جعل يكن بالنهار ويمشي بالليل إلي إطراف البلاد وشرف علي العمران، حتي وصل إلي وادي الظل وهو أول الأودية السبعة، وهو واٍد معشب اخضر نعمه عظيمة كثيرة النبات والأشجار والمياه، والظل المديد واختلاف الألوان وحسن الأطيار، إذا فيه رعاة معهم أغنام، ثم نظر إلي صدر الوادي فإذا هو بحصن حصين وهو يسمي حصن الوجيه، وهو في صدر الوادي يلوح كأنه لؤلؤة له نور ساطع وإشراق لامع، فلما نظر إليه الإمام حمد الله تعالي وشكره وأثني عليه علي تيسير العسير الذي قرب إليه البعيد وسهل كل صعب شديد (قال الراوي) ثم انه انحدر إلي ذلك الوادي وإذا عارضه نهر ماء جار يلوح صفاء بياضه والخيل والأنعام والإبل وسائر المواشي، مرعاه البر الآخر مما يلي ديار القوم والرعاة مجتمعين، ومعهم واحد بيده غابة يصفر بها، وقد نظره القوم ويرتجزون الأشعار، فنزل الإمام رضي الله عنه إلي جانب النهر، وقد نظره القوم فلم يخاطبهم، ثم انه حل منطقه وتوضأ وصلي، فلما رآه القوم يصلي بهتوا إليه ولم يدروا ما هو صانع؟، وقد دهشوا من ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده، فقطعوا ما كانوا فيه من لهوهم ولعبهم وقال بعضهم لبعض: كأن هذا من بعض كتب العرب، فقال بعضهم إنما هو جنة، وقد أكثر القوم في الإمام رضي الله عنه وهو مشغول بما هو فيه (قال الراوي) فلما فرغ من صلاته مال متكئا إلي جحفته، فقال بعض القوم من أين أنت أيها الرجل؟، فقال لهم: من طين من حمأ مسنون خلقني وقدرني الذي يقول للشيء كن فيكون، فقال لهم الراعي: ألم اقل لكم انه مجنون قذفته جنية إلي هذا المكان فترك الراعي قول أصحابه وقالوا: يا هذا من أين أقبلت؟، فقال له الإمام: من عند مولاي الذي كفاني بنعمته ونعمني بفضله وكرمه فقال الراعي: أفقير مولاك أم غني؟، فقال الإمام مولي الموالي علمه بحالي يكفي عن سؤالي مالك المشرق والمغرب والبر والبحر والسهل والوعر والأرض والسماء عليه توكلت وبه أستعين، فقال الراعي: صدقت وبالحق نطقت، أقدم علينا أيها الرجل فالطريق أمامك هذه الصفة صفة الهناء المنيع وهو في إحسانه بديع، ثم أنهم سروا سرورا عظيما وفرحوا به فرحا شديدا وقالوا له: يا فتي بلغت السلامة ومناك وأدركت هواك فان أحببت تأتي إلينا فدونك والجسر عن يمينك واجعل راحتك عندنا لتسر بنا ونسر بك، فقال لهم: الإمام من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واني أرجو أن أكون علي الطريق متبع النبي الناصح.