الأدب النسائي.. إشكالية صنعها الرجل

رحيق الكتب

الاثنين, 20 ديسمبر 2010 15:34
كتبت:سمية عبد المنعم



" آن الأوان لأن يروي العالم من وجهة نظر امرأة"
صرخة أطلقتها الروائية ميسلون هادي ربما تطرق كلماتها باب الذاكرة ونحن نتابع هذا الكم من الاصدارات النسائية التي شهدها عام 2010 ليعبث باذهاننا صدي تلك الاشكالية الجدلية التي اشتعلت في الاوساط الادبية حول مصطلح الادب النسائي وهل يحيل بظهوره ما تكتبه المرأة لادب مقيد تحت حروف المصطلح فحسب أم أن العكس هو الصحيح فهو يضفي علي أدب المرأة مكانة رفيعة يجعله يستحق عن جدارة أن يكون فنا قائما بذاته وليثبت أن المرأة كائن مبدع منذ بدء الكتابة الادبية وليست دخيلا يعمل علي نبذه.

بداية يمكننا أن نستعرض خيطا رفيعا من نسيج الإنتاج الأنثوي العربي لهذا العام ، فقد تعددت الاعمال ما بين الرواية والمجموعة القصصية والشعر: الروائية المصرية ميرال الطحاوي اصدرت روايتها"بروكلين هايتس" وهي ترصد من خلالها حياة سيدة تهاجربابنها الصغير لنيويورك لتجابه من أجل البقاء العديد من المشكلات التي تفضح سوءات هذا المجتمع. أما القاصة والروائية العراقية ميسلون هادي فتضع روايتها" شاي العروس" لتصور من خلالها الواقع العراقي المر ولتثبت بها تربعها علي عرش أب المحنة مثلما عنون د.حسين سرمك كتابه عنها. "حبي الاول" لسحر خليفة ذات النكهة الفلسطينية الخالصة التي ترصد عبرها انعكاسات اثر الاحتلال علي الفلسطيني داخليا وما يعانيه من شتات.كما اصدرت لطفية الدليمي الروائية العراقية روايتها"سيدات زحل".. هند مختار "قالب سكر"..امال بشيري"لا تصدق ما يقال".. جليلة القاضي"البوركيني".. دينا يسري "غزل البنات".. غادة نبيل"تطريز بن لادن".. واخيرا ديوان الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان "ما يقوله الوصف".

هذا الاصرار علي التواجد والتميز النسائي بين الاقلام المبدعة يجعلنا نتساءل بأي معيار يتم الحكم علي أي أدب ووصفه بأنه أدب نسائي هل كون مبدع العمل امرأة أم نظرا لطبيعة الموضوعات المتناولة من حيث كونها تمس عالم المرأة وتستخدم في ذلك اسلوبا ولغة خاصة ام لتمرد العمل علي الرجل ومجابهته ندا لند والدعوة للتحرر من سطوته؟ وهل لهذه الاسباب أو لاحدها اذا ما تحقق في العمل الادبي ان يتم فصله عن

خط الادب عامة وحصره بين حروف مصطلح بعينه؟سؤال مازالت تتردد كلماته بين ثنايا الندوات الادبية والحوارات الصحفية حتي صار مادة اجبارية علي كل ناقد قد يتعرض بنقده لما تخطه امرأة ولكل قلم أنثوي يبدع، إلا ان الملاحظ ان المبدعات عموما قد رفضن بالطبع حصر ما يكتبنه في الادب النسائي واعتبرن ذلك تقليلا من شأنه فمنذ أكثر من مائة عام صرخت جيني هيربكورت ردا علي الجدل الدائر في الغرب حول قيمة ما تكتبه المرأة" لا أستطيع ان أكتب إلا كامرأة بما ان لي شرف كوني امرأة" اما الروائية التونسية "عروسية النالوتي" فنراها تعلن في كل محفل عن انها لا تري اي فرق في الكتابة بين الرجل والمرأة، بينما تقر الروائية مسعودة ابو بكر بوجود خصوصية ولا تنكر وجود نكهة انثوية. وتعول ميسلون هادي علي الرجل في مسئوليته عن تهميش إبداع المرأة وتري ان الرجل لا يشعر بارتياح لندية المرأة في مجال الادب فالمثقف العربي من النادر ان يقتبس نصا لامرأة او يستشهد بها عند الحديث عن الادب العربي. اما بركسام رمضان والتي تنبأت لجيل التسعينيات من الكاتبات بمستقبل ادبي باهر وتحققت نبوءتها ووضعت لذلك كتابها"موسم كتابة البنات" فقد صرحت مؤخرا بأنها "ضد مسمي الكتابة النسائية، فالكتابة لا يجب أن تقرن بالجنس وانما يتم تحديدها وفقا لحالتها الابداعية سواء كانت كتابة جيدة او سيئة"

اذن فمن حق المرأة كإنسان يملك عالمه الخاص ان تعبر عن هذا العالم فيما تكتب وان تصبح لها لغتها الخاصة المختلفة قطعا عن الرجل دون ان يصبح ذلك سببا في نفي ما تكتبه في مصطلح الادب النسائي.. علي ان التاريخ يحمل لنا حسما لتلك الاشكالية وردا قاطعا لما يثار من تساؤلات فهناك الكثير من

المبدعات اللاتي استطعن ان يعبرن الحد الجنسي الفاصل بين المرأة والرجل ليقدمن أدبا مهموما بالقضايا العامة ليس محصورا في التعبير عن الذات النسوية فحسب بل نجد منهن من استطاعت ان تسهم في الادب العربي منذ عهود قديمة ربما منذ الجاهلية مثل الخنساء التي ادركت الجاهلية والاسلام واشتهرت بشعر الرثاء فغلب علي شعرها البكاء والمديح وبكت أخاها صخرا بكاء شديدا خلدت به اسمه في تاريخ الادب العربي، وقد قال عنها النابغة الذبياني"الخنساء اشعر الجن والانس". وفي العصر الاندلسي من له ان ينسي ولادة بنت المستكفي الاميرة العربية التي اشتهرت بالفصاحة والبيان وكانت صاحبة مجلس مشهود بقرطبة يؤمه الاعيان والشعراء فكانت تخالطهم وتنافسهم فتتفوق عليهم. وهناك اخريات اشتهرن في تاريخ الادب العربي امثال:ليلي الاخيلية ورابعةالعدوية وعائشة بنت المهدي والسيدة زبيدة بنت جعفر زوجة هارون الرشيد.

اما في الادب العربي الحديث فقد تقدمت الكتابة النسائية وكان لها السبق عن الرجل فاول رواية عربية كتبتها اللبنانية زينب فواز عام 1899 بعنوان"حسن العواقب" وتلتها لبيبة هاشم ب"قلب الرجل" وكلتاهما تبتعد عن الذات الانثوية لتتعرض لقضايا عامة فالاولي قامت علي اساس من الصراع بين الامراء الاقطاعيين علي السلطة وليس علي اساس علاقة بين الانوثة والذكورة والثانية قامت علي ما تبع احداث 1860 من ويلات علي اللبنانيين ذكورا واناثا. ثم توالت المبدعات مثل لطفية الزيات بروايتها "الباب المفتوح" والتي ترصد فيها العلاقة المباشرة والوثيقة بين ما هو انثوي وما هو مجتمعي وتحرري."ذاكرة الجسد" 1993 لاحلام مستغانمي وهي جزائرية استطاعت في روايتها ان تربط بين المرأة والوطن فيكون العشق وثيق الصلة بالشهداء الذين يخلصون ويضحون من اجل الوطن مقابل من يبيعونه بالمال.

كما عملت المرأة المبدعة علي تطوير السرد وتحديثه مثلما فعلت "مي التلمساني" في "دنيا زاد" 1997 عندما قدمت صوتين سرديين يشتركان في مشاعر الفقدان.

بعد هذا الطرح لنا ان نسأل: هل يمكن ان ينبذ هذا الادب ونعتبر ماتكتبه المرأة عن المرأة تهمة تستحق من اجلها النفي داخل مصطلح؟ اننا يمكننا الجزم اذن بأن الجدل الدائر حول الادب النسائي ومعاييره انما هو اشكالية من صنع الرجل وحده فهو الرافض لذلك الشكل المختلف عما اعتاد ان يقدمه من خصوصية الموضوعات التي تخرج بالمرأة من قفص الحريم وسطوة واو الجماعة فهاله ان تكشف للملأ عالمها المتخفي خلف ستار وان تخرج قلمها الانثوي لتصرخ في وجهه وتواجهه

بسطوته، فعندما ارتأي له ان مجابهة نون النسوة قد تستحيل فاختار ان يحصرها داخل مصطلح عقيم..لكن هل يمكن لمصطلح او تصنيف ان يقوض إبداع المرأة ويدخلها في حريم الادب؟

أهم الاخبار