رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الموساد واغتيال علماء مصر

رحيق الكتب

الثلاثاء, 14 ديسمبر 2010 13:46
عرض وتعليق‮ : ‬مصطفى عبيد‮ ‬

‬ ‮ الضحايا ‬:يحيى المشد وسعيد بدير ونبيل القلينى وسمير نجيب ومصطفى مشرفة وجمال حمدان وكلهم من عظماء علماء مصر

مَن‮ ‬يتابع مشاوير علماء مصر‮ ‬يصاب بالحسرة‮ ‬،‮ ‬والحقد‮ ‬،‮ ‬واللاانتماء‮ . ‬ مَن‮ ‬يقرأ قصص عباقرة العلوم فى هذا الوطن‮ ‬يبكى‮ ‬،‮ ‬ويحبط ويكتئب‮ . ‬فلا أمان لعالم فى وطنه ولا خارج وطنه لأن ذلك الوطن لا‮ ‬يتقن المحبة ولا‮ ‬يلتزم بشروطها ولا‮ ‬يجيد احتضان أبنائه النابغين‮ . ‬

فى كتاب جديد كتبه الزميل حمادة امام بعنوان‮ "‬الموساد واغتيال علماء مصر‮ " ‬صدر عن دار كنوز للنشر تصدمنا نهايات عباقرة العلم المصريين الذين قتلوا على‮ ‬يد رجال المخابرات الاسرائيلية لحرمان مصر من علومهم ومشروعاتهم وابحاثهم‮ . ‬وعلى الرغم من ملاحظات عديدة لنا حول الكتاب ومعلوماته ومراجعه فإنه‮ ‬يعبر عن جهد مشكور للزميل فى رصد قصص علماء مصريين لا‮ ‬يعرفهم السواد الاعظم من أهل مصر‮ ‬،‮ ‬بينما‮ ‬يُستقبل المطربون والراقصات استقبال العظماء فى الاجتماعات العامة وحفلات المجتمع‮ . ‬

لقد تتبع الكتاب قصص الدكتور مصطفى مشرفة والدكتورة سميرة موسى والدكتور‮ ‬يحيى المشد والدكتور نبيل القلينى وسعيد السيد بدير وغيرهم وحكى كيف انتهت حياتهم بغموض‮ ‬يثير الشبهات حول دور الموساد الاسرائيلى فى تتبع واغتيال علماء العرب‮.. ‬لكن مالم‮ ‬يقله الكتاب إننا ذبحنا علماءنا قبل الموساد جهلا ونسيانا وامتهانا‮ ‬،‮ ‬واننا كنا أشد قسوة فى التآمر على بلادنا وعلمائها ومبدعيها‮ . ‬لم‮ ‬يشر الكاتب الزميل الى أن حكوماتنا الميمونة لا تنفق على البحث العلمى ولا المخترعين ولا تكرمهم ولا تحتفى بهم ولا تعرف عنهم شيئا‮ ‬،‮ ‬الا بعد أن‮ ‬يكرمهم الآخرون مثلما جرى مع احمد زويل ومجدى‮ ‬يعقوب وهانى عازر وغيرهم‮ . ‬

إن الصدمة تواجهنا فى بداية الكتاب عندما‮ ‬يشير المؤلف الى نشر الصحف لخبر‮ ‬يوم‮ ‬17‮ ‬يوليو عام‮ ‬1989‮ ‬عن انتحار الدكتور سعيد نجل الفنان السيد بدير‮ . ‬لقد كان من المؤسف أن أحدا فى مصر لم‮ ‬يكن‮ ‬يعلم شيئا عن شخصية القتيل سوى أنه نجل فنان مشهور،‮ ‬على الرغم من كون الرجل باحثا وعالما متميزا فى مجال الاقمار الصناعية والهندسة التكنولوجية الخاصة بالصواريخ‮ . ‬كان كل شىء مثيرا للتساؤلات،‮ ‬فالجيران فوجئوا برائحة‮ ‬غاز تتسرب من شقة الفقيد‮ ‬،‮ ‬ثم سمعوا صوت ارتطام ووجدوا الدكتور سعيد بدير جثة هامدة،‮ ‬وعندما قامت النيابة بالمعاينة لوحظت آثار دماء فى‮ ‬غرفة النوم‮.

‬وقيدت الحادثة على كونها انتحار رغم شهادة الزوجة والاقارب باستحالة انتحاراً‮ ‬الرجل‮ . ‬والغريب أن الاجهزة الامنية لم تفتش وراء حكايات الزوجة بشأن أبحاث الرجل العلمية،‮ ‬والتى تتيح له كشف شفرات الاتصال بين سفن الفضاء والاقمار الصناعية التجسسية‮ . ‬إن صديقنا حمادة إمام‮ ‬يشير بوضوح الى تورط الموساد فى الحادث‮ ‬،‮ ‬وأنها صاحبة المصلحة الاولى فى التخلص من الرجل،‮ ‬باعتبارها دولة لها مكانة فى مجال الفضاء وأقمار التجسس‮.

شكوك المؤلف تتحول الى‮ ‬يقين فى حادث آخر شهير هو حادث اغتيال العالم المصرى الدكتور‮ ‬يحيى المشد‮ .‬إن‮ ‬يحيى المشد من مواليد مدينة بنها بمحافظة القليوبية عام‮ ‬1932‮ ‬وقد تخرج في‮ ‬كلية الهندسة جامعة الاسكندرية وأكمل دراساته فى موسكو ليعود بعدها متخصصا فى ابحاث هندسة المفاعلات‮. ‬وفى‮ ‬1968‮ ‬اختير‮

"‬المشد‮ " ‬رئيسا لقسم الهندسة النووية فى جامعة الاسكندرية‮ . ‬وفى سبعينيات القرن الماضى‮ ‬يهاجر الرجل الى العراق ليشارك فى مشروع صدام حسين النووى‮ . ‬لقد تعاقد وقتها الرئيس العراقى مع فرنسا لبناء مفاعلين جديدين هما‮ "‬تموز1‮ " ‬و"تموز‮ ‬2‮" ‬وبدأ التنفيذ الفعلى وسافر‮ ‬يحيى المشد الى فرنسا وفى أحد الفنادق كانت نهايته،‮ ‬حيث شوهد مع سيدة جميلة كانت تحاول الايقاع به وبعدها وجد مقتولا بسكين داخل‮ ‬غرفته‮ . ‬وبعد أيام قتلت تلك السيدة لأنها الشاهدة الوحيدة فى القضية‮ .‬

‮ ‬ولاشك ان‮ ‬يقين الباحثين فى قيام الموساد باغتيال المشد‮ ‬يتضح فى اعترافات قادة الموساد،‮ ‬والتى نشرها جوردون توماس فى كتابه الشهير‮ "‬التاريخ السرى للموساد‮ " ‬والذى ترجمه الى العربية احمد عمر شاهين ومجدى شرشر وصدر عام‮ ‬1999‮ ‬بالقاهرة عن دار سطور‮. ‬إن اسحق هوفى رئيس الموساد اختار بنفسه فريق الاغتيال الذى ذهب الى فرنسا وتابع العالم المصرى‮ ‬يوما وراء الآخر،‮ ‬واستخدم مفتاحا احتياطيا لدخول الغرفة وطعنوه‮ ‬،‮ ‬ثم قتلوا الشاهدة الوحيدة التى سمعت ضوضاء بالغرفة فيما بعد‮ . ‬واستمر الموساد‮ ‬يتتبع علماء المفاعل العراقى حتى قامت مقاتلات اسرائيلية فى‮ ‬15‮ ‬مارس‮ ‬1981‮ ‬بقصف المفاعل العراقى وتحويله الى حجارة‮ .‬

ويحكى لنا الكتاب قصة سميرة موسى عالمة الذرة المصرية التى تخرجت في‮ ‬كلية العلوم فى الثلاثينيات من القرن العشرين وتتلمذت على‮ ‬يد مصطفى مشرفة وسافرت الى بريطانيا لدراسة الاشعاع النووى وحصلت على الدكتوراه فى الاشعة السينية ثم سافرت الى جامعة‮ "‬اوكردج‮ " ‬بولاية تنيسى الامريكية‮ . ‬ومع التفوق الظاهر للعالمة المصرية،‮ ‬كان من الطبيعى ان تعرض عليها الجامعات الامريكية الاستمرار فى التدريس هناك لكنها رفضت‮ . ‬وقبل أيام من عودتها دعيت لزيارة معامل نووية فى كاليفورنيا وفى الطريق ظهرت سيارة نقل كبيرة فجأة واصطدمت بسيارة الدكتورة سميرة،‮ ‬والقت بها الى واد عميق‮ . ‬ويشير المؤلف الى أن العالمة المصرية تركت رسائل وخواطر حول احلامها لمصر كان من بينها التوسع فى استخدامات الذرة فى العلاج والطاقة وغيرها من المجالات‮ . ‬وينقل الكتاب معلومات عربية تشير الى أن تدبير الحادث تم التخطيط له داخل الموساد وساهمت فيه فنانة مصرية هى راقية ابراهيم واسمها الحقيقى راشيل ليفى‮ . ‬وأتصور أن تلك المعلومة تحتاج لتدقيق خاصة أن راقية ابراهيم هاجرت من مصر عام‮ ‬1954‮ ‬بينما تمت حادثة مصرع سميرة موسى عام‮ ‬1952‮ . ‬

وفى‮ ‬27‮ ‬يناير‮ ‬1975‮ ‬اختفى الدكتور نبيل القلينى عالم الذرة المصرى فى ظروف‮ ‬غامضة وقد كان الرجل موفدا للتدريس فى احدى جامعات تشيكوسلوفاكيا‮ . ‬وقد تلقى‮ "‬القلينى‮ " ‬اتصالا هاتفيا من مجهول ترك على أثره شقته واختفى للأبد‮ . ‬والغريب ذ‭ ‬كما‮ ‬يقول المؤلف ذ‭ ‬ان السلطات المصرية لم تحقق فى واقعة اختفائه‮

. ‬

وقبلها بسنوات وتحديدا عام‮ ‬1967‮ ‬قرر الدكتور سمير نجيب عالم الذرة المصرى بجامعة ديترويت العودة الى وطنه‮ ‬،‮ ‬وقبل السفر بأيام اصطدمت سيارة نقل كبيرة بسيارته ولقى مصرعه على الفور وقيد الحادث ضد مجهول‮ .‬

وبنفس الغموض‮ ‬،‮ ‬وبأيدلوجية متحيزة‮ ‬يحاول الكاتب توريط الموساد الاسرائيلى فى حادثى وفاة كل من الدكتور مصطفى مشرفة عالم الذرة الشهير عام‮ ‬1951‮ ‬،‮ ‬والدكتور جمال حمدان عالم الجغرافيا عام‮ ‬1993‮ . ‬فالأول كان عالما متخصصا فى علوم الذرة ودرس ببريطانيا وكانت له أبحاث عظيمة فى مجال الذرة‮ ‬،‮ ‬لكنه مات موتا طبيعيا،‮ ‬وإن أشار البعض الى احتمال تسميمه بواسطة أحد أتباع الملك فاروق نظرا لكونه واحدا من معارضيه وهى قصة لم تصح لدى كثير ممن كتبوا عن الرجل خاصة الدكتور محمد الجوادى الباحث الشهير‮ . ‬أما الثانى‮ ‬فصاحب موسوعة‮ "‬شخصية مصر‮ " ‬وقد آثر العزلة آخر سنوات حياته نظرا لتجاهل الدولة لعبقريته حتى شب الحريق بشقته التى‮ ‬يعيش فيها وحيدا ومات متأثرا بحروقه‮ .‬

‮ ‬وفى الواقع واستنادا للموضوعية فى البحث أرى أن تحميل الموساد مقتل الرجلين‮ ‬يحمل مبالغات لا تستند الا إلى شكوك بعيدة‮ ‬،خاصة إذا علمنا أن‮ "‬مشرفة‮ " ‬كان صديقا لالبرت اينشتاين العالم اليهودى الذى تم ترشيحه ليكون أول رئيس جمهورية لدولة اسرائيل الا أنه اعتذر‮ ‬،‮ ‬وقد علق‮ "‬اينشتاين‮ " ‬على وفاة‮ "‬مشرفة‮ " ‬قائلا‮ : ‬أنه لا‮ ‬يزال حيا من خلال ابحاثه‮ .‬كذلك لم‮ ‬يكن‮ "‬حمدان‮ " ‬يشكل أى خطورة فعلية على مصالح دولة اسرائيل حتى تبعث اليه من‮ ‬يقتله داخل القاهرة المزدحمة‮ . ‬لقد مات الرجل اضطهادا وتجاهلا ونسيانا بعد أن رفضت الجامعة ترقيته فاختار العزلة‮ ! ‬

ويقترب الكتاب من الجناة الحقيقيين عندما‮ ‬يتحدث عن واقع البحث العلمى والعلماء فى مصر ويصفها بأنها تطبيق عملى لما تستهدفه بروتوكولات حكماء صهيون‮ . ‬ومع اقتناعنا بأسطورة فكرة‮ " ‬البروتوكولات‮ "‬،‮ ‬الا أنه لو جاز لنا أن نسلم بصحة وضع بروتوكولات لآل صهيون لتدمير العرب والدول الاخرى فإننا نرى أننا نحقق بأيدى حكوماتنا السنية أكثر مما‮ ‬يستهدفه الاعداء‮ . ‬إننا أشد تآمرا على أنفسنا من الموساد و"السى آى ايه‮ " ‬وأجهزة المخابرات الغربية المعادية‮ ‬،‮ ‬وقراءة بسيطة فى الارقام التى‮ ‬يستعرضها الكتاب تصيبنا بالدهشة والغضب‮ . ‬تقول الدراسات إن‮ ‬‭ ‬54٪من الطلاب العرب الذين‮ ‬يدرسون فى الخارج لا‮ ‬يعودون الى بلادهم‮ . ‬وتشير الدراسات الى أن مصر وحدها فقدت‮ ‬450‮ ‬الف عالم ومتخصص فى مختلف المجالات بسبب ضعف مستوى الانفاق على البحث العلمى‮ .‬

إن الولايات المتحدة وحدها تضم‮ ‬10‮ ‬آلاف مهاجر مصرى‮ ‬يعملون فى مناطق حساسة من بينهم‮ ‬30‮ ‬عالم ذرة‮ ‬يعملون فى مراكز الابحاث النووية‮ ‬،‮ ‬وهناك‮ ‬‭ ‬350‮ ‬باحثاً‮ ‬مصرياً‮ ‬فى الوكالة الامركية للفضاء‮ " ‬ناسا‮ ‬،‮ ‬فضلا عن‮ ‬300‮ ‬آخرين‮ ‬يعملون فى الهيئات الفيدرالية واكثر من الف شخص‮ ‬يعملون فى الحاسبات والالكترونيات‮ . ‬

لقد هاجرت الادمغة المصرية بحثا عن حياة أكثر كرامة‮ ‬،‮ ‬ودولة أشد اهتمام وتقديرا للعلم والعلماء‮ . ‬

‮ ‬ويستشهد الكاتب بميزانية البحث العلمى خلال عام‮ ‬2003‭/‬2004‮ ‬حيث‮ ‬يشير الى أن اجمالى موازنة اكاديمية البحث العلمى بلغت نحو‮ ‬50‮ ‬مليون جنيه وبلغت قيمة الاجور فيها‮ ‬7‭.‬5‮ ‬مليون جنيه وبلغت قيمة مصروفات المشروعات البحثية‮ ‬13‮ ‬مليون جنيه فقط،‮ ‬وهو رقم ضئيل جدا‮ ‬يعكس قدر اهتمام الدولة بالبحث العلمى‮ . ‬وفى المركز القومى للبحوث لم‮ ‬يختلف الامر كثيرا حيث بلغ‮ ‬متوسط ما انفق على البحوث العلمية عام‮ ‬2002‭/‬2003‮ ‬نحو‮ ‬11‮ ‬مليون جنيه‮ . ‬

وبعد‮ ‬،‮ ‬أتصور أن الكتاب تضمن جهدا عظيما فى فتح نافذة على مناطق محظورة تتعلق بنهايات علمائنا ونابغينا وكيف تتبعهم الموساد ونجح فى شطب وجود بعضهم فى ظل حالة‮ "‬اللااكتراث‮ " ‬السائدة فى بلادنا العربية بهؤلاء العباقرة‮ . ‬وأعتقد اننا فى حاجة لكتاب جديد‮ ‬يفتش عن القتلة الحقيقيين للعلماء المصريين والعرب لأن الموساد لم ولن‮ ‬يكون القاتل الاوحد‮.‬

‮ ‬