كتاب يكشف أسرار حياة المرأة الفرعونية

رحيق الكتب

الخميس, 09 ديسمبر 2010 15:53
كتبت: غادة ماهر

قبل قراءتي لهذا الكتاب كنت راضية مرضية أعيش حياة عادية بسيطة لا تخلو من المشاكل الاجتماعية والعملية والصحية‮.. ‬أستمع وأكتب و»أئن‮« ‬لمشاكل الفتيات والنساء من ميراث وزواج وطلاق ونفقة،‮ ‬وارتفاع أسعار وأمراض الأبناء والبحث عن دكتور يجيد المهنة ولا يعبث بصحة أطفالنا‮.. ‬كنت أظن أن تلك هي حياتنا المعذبة التي توارثناها عبر السنين والأجيال‮.‬

وتلك هي همومنا وأوجاعنا التي تزداد يوماً‮ ‬بعد يوم حتي وصلنا لأسود العصور وأكحل الأيام‮.‬

وفجأة وبالصدفة البحتة وقع في يدي كتاب من زمن خاص‮.. ‬زمن يشهد له التاريخ ويحكي عنه في كل زمان ومكان‮.‬

‮»‬حكاية سيدة مصر القديمة‮« ‬كتاب كشف لي حياة المرأة الفرعونية بأدق التفاصيل وأندر الأحداث منذ أن كانت فتاة صغيرة وحتي أصبحت أول من تقلدت الحكم في مصر‮.‬

كتاب كما قالت عنه كاتبته والطبيبة النفسية الدكتورة منال القاضي يجيب عن أسئلة مهمة مثل‮: ‬من نحن؟‮.. ‬وماذا نريد؟‮.. ‬قرأ الأوراق الخاصة للمرأة الفرعونية وتعرف علي عقلها وقلبها ودخل بيتها وشرح لنا كيف كانت تدير أمورها وأبناءها وعلاقتها بزوجها وحقوقها وواجباتها وجرائمها ووظائفها‮.‬

حقاً‮.. ‬لو عاد بي الزمان ‮٧ ‬آلاف سنة لتمنيت أن أعيش عصر الفراعنة،‮ ‬وأصبح فرعونة صغيرة أحب وأتزوج وأتعلم وألعب،‮ ‬لو عدت لهذا العصر لحصلت علي حقوقي وحقوق نساء عصر علي أكمل وجه‮.‬

‮»‬حنوت سن‮« ‬هو أحد الأسماء التي كانت تطلق علي الفتيات في العصر الفرعوني ومعناه‮ »‬سيدتهم‮« ‬ومن بين الأسماء التي أطلقت عليها أيضاً‮ »‬وبت نفر‮« ‬وهو اسم معناه‮ »‬وش السعد‮« ‬و»نفرتيتي‮« ‬أي‮ »‬الجميلة‮« ‬وبالفعل كانت المرأة الفرعونية سيدة الحضارات القديمة لأنها حظيت بالعديد من الحقوق والمميزات التي كانت تفوق ما حظيت به المرأة في الدول المجاورة‮.‬

ولنبدأ من حيث بدأت د‮. ‬منال عن التعليم‮.. ‬فلم تكن المدارس في العصر الفرعوني تغلق أبوابها في وجه الفتيات،‮ ‬فيمكنهن الالتحاق بها منذ سن الرابعة،‮ ‬وقبل أن تستعد الفتاة للذهاب إلي المدرسة،‮ ‬وقبل أن تتناول إفطارها كانت تغتسل كالعادة وتساعدها أمها فتصب الماء الممزوج بالنترون التي كانت تضيفه لتطهير المياه علي يديها وقدميها،‮ ‬مستخدمة أدوات الغسيل المكونة من أبريق وطست‮.‬

أما فطور الفتاة الصغيرة فكان عبارة عن خبز وعسل،‮ ‬وبعد تناول الفطور تبحث عن الأوستراكا الخاصة بها وهي خامة رخيصة تكتب عليها هي وزملاؤها في المدرسة التدريبات التي يطلبها منهن المعلم،‮ ‬وتصنع هذه الأوستراكا من الحجر الجيري‮.‬

وكانت الفتاة الصغيرة تحلم بالحصول علي قلم من البوص والكتابة علي أوراق البردي الثمينة فمهنة الكتابة كانت مهنة جليلة،‮ ‬فطلبة المدارس كانوا يتدربون كثيراً‮ ‬علي حسن الحظ وكانوا يكتبون علي الأوستراكا الخاصة بهم مقاطع من الكتب الشهيرة

مثل‮ »‬تعاليم الملك أمنحات‮« ‬و»تعاليم خيتي‮« ‬و»أنشودة النيل‮«.‬

وفي هذا السياق أشارت د‮. ‬منال القاضي إلي كتاب ألفه‮ »‬أمنوبي‮« ‬وقالت عنه‮: ‬إنه يبدو أنه كان يتداول بين طلبة المدارس،‮ ‬ويحتوي هذا الكتاب علي أسماء كل الأشياء المحيطة بمؤلفه،‮ ‬فمثلاً‮ ‬تحت عنوان‮ »‬السماء وما فيها‮« ‬يذكر الشمس والنجوم والقمر والسحاب وأشعة الشمس والفجر والظلام،‮ ‬وتحت بند الأكل يذكر‮ ‬48‮ ‬نوعاً‮ ‬من اللحم المطبوخ،‮ ‬و33‮ ‬نوعاً‮ ‬من اللحم النيء و24‮ ‬نوعاً‮ ‬من الشراب،‮ ‬وكل هذا يمكن للفتاة المصرية أن تتعلمه وتتقنه حتي لو ولدت في أسرة متوسطة‮.‬

وإذا تركنا العلم والتعليم في العصر الفرعوني وانتقلنا إلي اللعب والترفيه،‮ ‬فنكتشف أن الفتاة الفرعونية كان لديها العديد من اللعب المسلية،‮ ‬مثل النحلة الدوارة والتماسيح ذات الفكوك المتحركة،‮ ‬والشخاشيخ،‮ ‬والأقزام الراقصة،‮ ‬وعرائس صغيرة من الخشب،‮ ‬وعربات من الطين النضج،‮ ‬وحيوانات من الخشب مزودة بعجلات وتجر بأحبال‮.. ‬وكانت الفتاة المصرية تمارس العديد من الرياضات مثل لعب الكرة وكن يمارسن رياضة الجري والقفز‮.‬

حق التملك

وكانت ست‮ »‬المرأة‮« ‬في الدولة الفرعونية‮ - ‬كما ذكرت د‮. ‬منال‮ - ‬لها الكثير من الحقوق التي كفلها لها القانون فكان لها حق التملك وحق الإرث وحق التقاضي،‮ ‬وأن تهب من تشاء من ممتلكاتها وحقوق أخري تكشفها مواثيق الزواج‮.‬

كما كانت تتميز بذمة مالية مستقلة ولم يكن زواجها يعني أنها تفقد الحرية في التملك والتصرف في أملاكها الخاصة،‮ ‬فكانت تديرها كيف تشاء دون تدخل من زوجها،‮ ‬وتهب منها ما تشاء‮.‬

وروي الكتاب قصصاً‮ ‬عديدة تؤكد علي ذلك منها قصة‮ »‬تينفر‮« ‬المرأة التي عاشت في الدولة الحديثة وكانت تدير أملاكها بنفسها،‮ ‬بل كانت تعقد الصفقات لبيع ما تنتجه أراضيها،‮ ‬وقصة أخري حدثت أيام حكم إخناتون،‮ ‬إذ قامت إحدي السيدات بتأجير خادمتها لمدة عشرة أيام مقابل قدر معين من المال،‮ ‬وتم تحرير وصل بذلك‮.‬

ولم تكن المرأة تحت وصاية أبيها أو زوجها،‮ ‬بل كانت تتصرف في حرية تامة،‮ ‬وكان يمكنها اللجوء للقضاء لتأخذ حقوقها المالية،‮ ‬حتي لو اضطرت لرفع قضية علي أبيها،‮ ‬كما فعلت السيدة‮ »‬تحنوت‮« ‬التي عاشت سنة‮ ‬1785‮ ‬ق‮. ‬م حين استولي والدها علي بعض أملاكها وقام بكتابتها لزوجته الثانية‮.‬

الميراث

عندما قرأت الجزء الخاص بميراث المرأة في العصر الفرعوني وجدته مختلفاً‮ ‬تماماً‮ ‬عما

يحدث مع المرأة في القرن الـ‮ ‬21‭.‬‮. ‬فالمرأة الفرعونية كان لها الحق في الإرث مثلها مثل الذكر،‮ ‬وفي مصر القديمة كانت البنات يرثن أنصبة متساوية مع إخوتهن الذكور بل أحياناً‮ ‬كان الأب يفضل إحدي بناته‮.‬

وتحدثنا مؤلفة الكتاب عن قصة أحد الآباء وقد وهب إحدي بناته بعض أملاكه،‮ ‬لأنه كان يحبها بشدة،‮ ‬علي أن يكون لها نصيب متساو لأخواتها فيما تبقي من أملاكه‮.‬

وأشارت د‮. ‬منال إلي إحدي البرديات التي وصلت إليها وتسمي بردية‮ »‬كاهون‮« ‬وفيها يجعل أحد الأزواج زوجته واصية علي إرث أبنائه،‮ ‬حتي يكبروا ويصلوا إلي سن البلوغ‮.‬

الزواج والطلاق

وبقراءة متأنية للتاريخ الفرعوني نجد تشابهاً‮ ‬كبيراً‮ ‬في أساليب وقواعد وأنماط الزواج والطلاق،‮ ‬فيما يحدث حالياً،‮ ‬فكان من حق المرأة الفرعونية اختيار زوجها،‮ ‬ولم يكن الزواج يعني أن تفقد المرأة حقوقها وتكون مجرد تابع لزوجها،‮ ‬بل احتفظت بشخصيتها وأدارت شئونها المالية بنفسها،‮ ‬وكان من حق المرأة أن تحصل علي الطلاق،‮ ‬ولكن أحياناً‮ ‬كان الطلاق يحدث بواسطة الزوج ودون أن يكون هناك تقصير من الزوجة،‮ ‬عندئذ كان يجب إعطاء المرأة المطلقة حقوقها‮.‬

ومن بين هذه الحقوق‮ - ‬كما ذكر الكتاب‮ - ‬كانت ست‮ »‬المرأة‮« ‬المطلقة تحصل علي النفقة ومؤخر الصداق ويبدو أن بيت الزوجية‮ - ‬كما قالت د‮. ‬منال‮ - ‬كان من حقها وكان الطلاق يتم شفوياً،‮ ‬ثم يتبع ذلك تقديم الوثيقة الخاصة بالطلاق،‮ ‬التي تؤكد للمجتمع أن امرأة ما حصلت علي الطلاق وصارت حرة ومن حقها أن تتزوج بآخر‮.‬

وكان الحفاظ علي حقوق المرأة إذا حدث وتعرضت للطلاق أو الاستهانة يبدأ قبل إتمام الزواج‮.‬

وذكر الكتاب قصة طريفة لأحد العمال،‮ ‬وكان سوف يعقد قرانه علي إحدي فتيات القرية،‮ ‬أقسم هذا العامل أمام رئيس العمال والكاتب وعدد من الشهود،‮ ‬أنه إذا بدرت منه إساءة في حق زوجته المقبلة،‮ ‬فهو إذن سيكون مستحقاً‮ ‬للعقاب،‮ ‬والطريف أنه قام بنفسه بتحديد هذا العقاب بأن يجلد مائة جلدة،‮ ‬ليس هذا فقط،‮ ‬ولكنه مستعد أن يفقد أملاكه جزاء تلك الإساءة‮.‬

جرائم المرأة الفرعونية

لقد كان القانون المصري القديم في صالح المرأة الفرعونية طوال الوقت،‮ ‬فكفل لها حق الزواج والطلاق وحق التملك والإرث،‮ ‬وحق وهب ما تملك لمن تشاء دون وصاية من أحد‮.‬

ولكن حين تقترف جرائم مختلفة،‮ ‬لم تكن تترك إلي حال سبيلها،‮ ‬بل كانت تعاقب مثلها مثل الرجل ومن بين الجرائم التي اقترفتها المرأة وكانت تعاقب عليها،‮ ‬جريمة الخيانة الزوجية،‮ ‬وتفاوتت العقوبات من عصر إلي آخر،‮ ‬ومن بين هذه العقوبات كانت قطع الأنف أو النفي‮.‬

أما الشهادة الزور كان يحكم علي المرأة فيها بالعبودية،‮ ‬وجريمة التشهير فيحكمون عليها بالضرب بالعصا‮.‬

وأكدت د‮. ‬منال القاضي في كتابها قائلة‮: ‬إن المرأة الفرعونية لم تكن معفاة من الخضوع للقانون حتي ولو كانت ملكة وضربت لنا مثلاً‮ ‬قصة‮ »‬أمتسي‮« ‬زوجة الملك‮ »‬بيبي الأول‮« ‬وقد اتهمها الملك‮ »‬بيبي‮« ‬بالتآمر علي وزيره،‮ ‬ورغم أنه فرعون مصر،‮ ‬لم ينفرد بالرأي ولم يجزم بتورطها،‮ ‬فأمر القاضي‮ »‬وني‮« ‬أن يحقق في الأمر،‮ ‬ورفع نتيجة التحقيقات إلي‮ »‬بيبي الأول‮« ‬ورغم أن ما حدث لـ‮ »‬أمتسي‮« ‬غير معروف لدينا،‮ ‬ولكن هذه الحادثة تكشف أهمية القانون والقضاء في مصر القديمة‮.‬

 

الجمعة القادم‮:‬

مهن المرأة الفرعونية وزينتها وأمراض أبنائها وطرق علاجهم وغيرها من الأسرار التي لم تكتشف بعد‮.‬

 

أهم الاخبار