"صفوان الكاشف"نموذج في رواية "صخب الهمس"

رحيق الكتب

الخميس, 21 أبريل 2011 11:41
عبد الناصر الجزار


ثمة أعمال ابداعية شعرية ونثرية تناولت النظام البائد السابق برؤي مختلفة،‮ ‬اشتركت جميعاً‮ ‬في هدف واحد هو‮: ‬ضرورة تغيير هذا النظام أو إقصائه، ‮ ‬ومن بين هذه الأعمال روايات‮: ‬حرث الأحلام لمحمد قطب‮ (‬2001‮)‬،‮ ‬فرس النبي لنبيل عبد الحميد‮ (‬2005‮)‬،‮ ‬العائد بالحب‮ (‬2006‮)‬،‮ ‬صخب الهمس‮ (‬2009‮) ‬لحسن البنداري،‮ ‬اجنحة الفراشة لمحمد سلماوي‮ (‬2010‮).‬

يركز هذا المقال علي رواية صخب الهمس‮ (‬2009‮) ‬لحسن البنداري التي وظف فيها شخصية اختفت في ظروف‮ ‬غامضة هي شخصية صفوان الكاشف الصحفي بصحيفة الشهاب،‮ ‬التي تقابل اختفاء مساعد رئيس تحرير صحيفة الأهرام‮ "‬رضا هلال‮" ‬صيف عام‮ ‬2003‭.‬

إن كلا من صفوان الكاشف في الرواية ورضا هلال في الواقع خصص في كتاباته جانباً‮ ‬من المواجهة الجريئة للدولة العبرية،‮ ‬ودولة القطب الأوحد،‮ ‬نلحظ هذا في بدء صفحات الرواية‮ "‬أحسست بالرضا‮"‬،‮ ‬و"احساسي بالرضا يتواري بمشاهد القتل والدمار التي يبثها مراسلو الفضائيات العربية والعالمية‮"‬،‮ ‬و"نسيت تماماً‮ ‬احساس الرضا الذي انتابني منذ قليل بمشاهد الحرب الدائرة‮.. ‬تضرب قنابل الطائرات والدبابات المدينة الساحلية الصغيرة‮ "‬غزة‮" ‬المتاخمة لحدود وطني‮). ‬وكأن الكاتب يشير الي مدي الترابط بين السياسة الاسرائيلية في فلسطين وكتابات‮ (‬رضا هلال‮) ‬قاصداً‮ ‬بذلك التمهيد للشخصية التي سوف تلبس الثوب الهلالي يقول رشيد الكاشف‮: "‬شقيقي صفوان الكاشف المقيم بالجيزة امام النيل‮.. ‬صحفي ناجح‮.. ‬مقالاته مثيرة في الصحف المصرية والعربية والعالمية‮"‬،‮ ‬فهو‮ "‬مراسل متجول في أنحاء المعمورة لصحيفة الشهاب الواسعة الانتشار‮".‬

عمد الكاتب الي لحظة تحريك صفوان الكاشف،‮ ‬وهي لحظة القلق المسيطرة علي خواطره،‮ ‬يحدث صفوان شقيقه عبر التليفون‮: "‬أنا متوجس‮.. ‬أشعر بأنني مطارد من قوي مجهولة معلومة‮". ‬فهذه هي الدائرة التي يعيش فيها صفوان وهي دائرة التصميم والحرص والقلق،‮ ‬لأنه كما يصفه شقيقه الراوي‮ "‬رشيد الكاشف‮":

"‬مناوئ،‮ ‬شرس لأهداف الدولة العبرية الخفية والمعلنة،‮ ‬ولهيمنة القطب الأوحد علي دول العالمين الشرقي والغربي،‮ ‬وأن جريدة الشهاب أتاحت له موافاتها بتقارير صحفية ومقالات له ولسواه من مناوئي الدول الاخري لسياسة القطب الأوحد،‮ ‬وهو في كلامه عن الدولة العبرية صريح للغاية،‮ ‬ودائم الكشف عن سياسة القمع والسلب والاستيطان،‮ ‬ولأنه اكتوي بنار حرب الاستنزاف وحرب‮ ‬73‮ ‬فإنه لا يترك مناسبة إلا وينبه الي خطورة سياسة الدولة العبرية‮".‬

يوحي النص السابق من الرواية بأن كاتب الرواية كان جندياً‮ ‬عاصر الهزيمة والنصر،‮ ‬وشاهد ملامح اليأس والأمل،‮ ‬وماتت في نفسه مرارة الهزيمة بنصر‮ ‬73،‮ ‬فهو ينقل ملخصاً‮ ‬عظيماً‮ ‬لشباب حياته وحياة جيله في كلامه عن‮ "‬صفوان الكاشف‮"‬،‮ ‬وهذا دليل علي براعة المزج بين الروائي والشخصية الفنية،‮ ‬ويهدف الكاتب بذلك الي اثارة عقل القارئ بتساؤلات تحركه نحو خبايا الرواية وعناصرها،‮ ‬فالرواية تجسد الطابور الخامس الذي يعيش في شوارع مصر وبين جدران اسرارها العسكرية،‮ ‬هذا الطابور الذي يستهدف قيام دولة اسرائيل الكبري التي تمتد في زعمهم من‮ "‬النيل الي الفرات‮"‬،‮ ‬وهو هدف يعتمد علي جمع معلومات للقضاء علي رواد النضال بمصر،‮ ‬ومن بينهم‮ "‬صفوان الكاشف‮" ‬او‮ "‬رضا هلال‮" ‬الذي شغل نفسه تماماً‮ ‬بقضية فلسطين والدولة العبرية،‮ ‬فنجد الراوي علي لسان‮ "‬اشرف الساعي‮" - ‬إحدي شخصيات الرواية‮ - ‬يخبرنا عن شخصية‮ "‬صفوان‮" ‬بقوله‮: "‬ماذا تنتظر من مثقف مهموم بوطنه وبالعالم إلا الزهد في الزواج والأبناء؟‮"‬،‮ ‬فكان جزاء هذا المهموم ان اختفي في ظروف‮ ‬غامضة‮.‬

الغريب أن هذا الاختفاء جاء في وجود جهاز أمن قوي نشط هو‮ "‬جهاز أمن الدولة‮" ‬فلم يعبأباختفاء‮ "‬صفوان الكاشف‮" ‬او‮ "‬رضا هلال‮" ‬علي الرغم من اهتمامات المصادر الصحفية القومية والمعارضة والمستقلة بالكشف عن لغز اختفائه‮.. ‬فهل نحن هنا أمام عجز الجهاز أم أمام تواطئه‮.‬

ومن الواضح ان ارهاصات الكاتب عن ثورة سوف تنفجر قريباً‮ ‬كانت محل عقد ويقين من نفسه،‮ ‬حيث ذكر ذلك علي لسان‮ "‬همس الجواري‮" ‬الصحفية بالشهاب المدربة بخبرة‮ "‬رضوان الكاشف‮"‬،‮ ‬بل هي صنيعة يده وقبس من فيض فكره السياسي‮: ‬تقول همس لرشيد الكاشف‮ "‬لا تنس أن‮ ‬90٪‮ ‬من الثورات قد نهبت بأشكال مختلفة ومصطلحات‮ ‬غامضة‮ ‬غير مقنعة‮"‬،‮ ‬وهذا دليل علي أن الفساد بأشكاله المختلفة بدا واضحاً‮ ‬للغاية حين صدور صخب الهمس عام‮ ‬2009،‮ ‬ثم يحرض الكاتب او الراوي علي قيام ثورة كاسحة يعبر عنها صفوان الكاشف بقوله‮: "‬الشعوب الآن يقظة وتعرف أين حقوقها المسلوبة،‮ ‬ولن أكف ومعي المخلصون من أمتنا ومن أمم اخري عن فضح السياسات المستغلة‮".‬

لو أننا تأملنا هذا النص‮ - ‬في زمن الرواية‮ ‬2009‮ - ‬لعرفنا أنه سوف تنهض ثورة عارمة لاستعادة الحقوق والثروات المنهوبة،‮ ‬هذه الثورة فجرها شباب ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير وناصرتهم وتوحدت معهم كافة القوي الشعبية والسياسية،‮ ‬ومن ثم لنا ان نقول ان هذه الرواية قد اسهمت مع‮ ‬غيرها من الروايات في تبصير الشباب وهم يعدون لهذه الثورة،‮ ‬لأن افكار هؤلاء الكتاب جميعاً‮ ‬نضجت ونمت في عقول الشباب في‮ ‬غفلة من النظام الفاسد وأمن الدولة،‮ ‬الذي‮ ‬غفل عن أهمية الفكر ودوره في ايقاظ الوعي القومي تماماً،‮ ‬كما تغافل عن اسباب اختفاء‮ "‬رضا هلال‮"‬،‮ ‬واغتيال‮ "‬جمال حمدان‮" ‬وغيرهما من شرفاء هذا الوطن‮.‬

إن نظرة الكاتب في هذه الرواية لم تكن مقصورة علي الحدث المحلي بل تخطته الي التشابك السياسي العالمي،‮ ‬حيث يقول الراوي‮: "‬ضروري ان تراجع الدولة المساندة لسياسة القطب الأوحد سياستها تجاه الدول والشعوب الاخري‮"‬،‮ ‬وكأن الكاتب يؤكد علي أن الشعوب هي الحاكمة‮ ‬وليست المحكومة،‮ ‬وأنها قادرة علي اسقاط الانظمة وتوطيد نظم أصلح للقيادة،‮ ‬وهذا ما احدثته بالفعل ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬التي كشفت للعالم كيف يكون سقوط النظام الفاسد بطريقة حضارية حاسمة‮.‬

أهم الاخبار