رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الصين تغير ميزان القوى في "القرن الآسيوي"

رحيق الكتب

الثلاثاء, 05 أبريل 2011 14:20
كتب- إبراهيم عبدالمعطي:


استطاعت الصين خلال فترة زمنية قليلة أن تهدد العرش الاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية القوة الأولى في العالم، وأصبح في حكم المؤكد أن الصين ستكون في مقدمة دول العالم قبل منتصف القرن الحالي بسنوات. ويدلنا النموذج الصيني على أن أي دولة قادرة على الخروج من قائمة الدول النامية إلى قائمة الدول القائمة، بشرط توفر الإرادة السياسية والتخطيط الجيد للمستقبل خلال المدى القصير والمدى الطويل. ويمكننا في مصر أن نحقق معجزة مثل التي حققتها الصين بعد تغير الأجواء السياسية ورحيل رأس النظام السابق الذي كان يفضل الاستقرار وبقاء الأحوال على ما هي عليه، دون نظرة إلى أن العالم يتغير، فقد كان العالم يتقدم ومصر ترجع إلى الخلف، وجاءت الفرصة الآن لتبذل هذه الدولة جهودها للتقدم إلى الأمام بالتخطيط العلمي.
عن المعجزة الصينية صدر كتاب "القرن الآسيوي.. الصين تغير ميزان القوى العالمية" للمفكر السياسي عاطف الغمري عن دار نهضة مصر، ويوضح فيه أن العالم مشغول في الوقت الحالي بصعود الصين، بسبب تفوقها غير المألوف في التنمية الاقتصادية، والتي بلغت معدلاتها 10% في المتوسط. ويشير إلى وجود خصائص تميز التحولات الكبرى في تاريخ الدول، إذ لا بد من قوة دفع مكونة من مجموعة عوامل تتحرك في مسارات ثم تلتقي عند نقطة معينة، ليكون هناك تشكيل جماعي متناسق. ويؤكد أن هذه الحلقات المتشابكة تبدأ من استراتيجية للتنمية وضعت لها خطة عمل، وأهداف قريبة وأخرى طويلة الأجل ومناخ جاذب للاستثمارات الأجنبية، والبناء فوق قاعدة النجاح في الداخل، بخطة للتوسع في المحيط الإقليمي، في شكل حلقة إنتاجية آسيوية أساسها المنفعة المتبادلة، ثم متابعة هذا النمو الداخلي والإقليمي للوصول إلى المستوى العالمي، وكل ذلك يلزمه من البداية توافر المواد الأولية والطاقة التي تضمن استمرارية التنمية، ووجود الأسواق التي تستوعب صادرات الإنتاج الصيني المتنامي، وخلق وجود صيني في هذه المناطق.

يشير المؤلف إلى أن الصين كانت متقدمة على أوروبا في العصور الوسطى، لكن الغرب استطاع أن يصعد خلال عدة قرون متقدما على الصين، واستطاع منذ القرن التاسع عشر استغلال ثرواته وتجاوز الصين واليابان، وأدت عدة عوامل إلى تقهقر الصين

واليابان، ومن أهمهما الزيادة السكانية، ونقص خصوبة الأرض الزراعية، وعدم القدرة على توفير القدر اللازم من الطعام والوقود ومواد البناء، في الوقت الذي استطاعت فيه أوروبا اكتشاف كميات كبيرة من الفحم ساعدتها في ثورتها الصناعية، في حين أن مناجم الفحم الكبيرة في الصين كانت في مناطق بعيدة جدا عن المراكز الرئيسية للسكان، ومن العوامل القوية في صعود أوروبا استعمارها العالم الجديد، خاصة مناطق الكاريبي وأمريكا الشمالية التي توفرت فيها الأراضي الشاسعة والأيدي العاملة الرخيصة والمواد الخام والطعام.

 

بدايات الصعود الآسيوي

يوضح "الغمري" أن بدايات الصعود الآسيوي كانت في الخمسينيات من القرن العشرين عندما حدث التقدم الاقتصادي الاستثنائي لليابان، وتلاه التقدم اللافت للنمور الآسيوية (كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وهونج كونج)، ثم حدثت القفزة الكبرى للصين، وتبعتها الهند. ويشير إلى أن الكثير من المؤسسات الغربية يرى أن القرن الحالي سيعرف بالقرن الآسيوي، مثلما عرف القرن العشرون بالقرن الأمريكي، ومن قبلهما القرن الأوروبي في القرن التاسع عشر. ويؤكد أن التنمية الاقتصادية الصينية اعتمدت على استراتيجية أمن قومي تقوم على ثلاثة أهداف أساسية هي: الأول فلسفة للتنمية تتوازى مع أبحاث علمية وتكنولوجية تدفع بالقدرة الاقتصادية إلى ميدان التنافس العالمي، والثاني ضمان وجود الموارد كالطاقة وتأمين تواجد الصين في المناطق التي تحتوي على هذه الموارد، والثالث ضمان وجود أسواق لإنتاجها في أنحاء العالم لاستيعاب الصادرات من أجل استمرار التنمية في الداخل بالمعدلات نفسها. ويوضح أن تعداد سكان الصين بليون و300 ألف نسمة، ويعد اقتصادها ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد أمريكا واليابان، ويمثل اقتصادها 13% من إجمالي الإنتاج العالمي، وينمو اقتصادها بمعدل متزايد، ففي عام 2009 بلغ 8,7% وهو أعلى معدل في العالم، وزاد في الربع الأخير من العام إلى 10,7% بالمقارنة بـ 6,3% عام 2008 الذي حدثت خلاله الأزمة المالية العالمية.

ويشير "الغمري" إلى أن الصين ركزت على تدعيم قوتها الناعمة عن طريق إنعاش الثقافة الصينية الجديدة، والتحول إلى بعض أنماط النهج الديمقراطي، وتحسين التعليم ونشره، وإعادة بناء نظام القيم الاجتماعية والمعنوية. وقد ظهرت هذه القوة الناعمة في "الإبهار الذي شعر به العالم وهو يرى الشكل والتنظيم والتقدم الذي ظهرت به الصين في تنظيمها دورة الألعاب الأوليمبية لعام 2008، رمزا لعودتها إلى الصعود على المسرح العالمي. واتضح أن الاستراتيجية التي تقف وراء هذه الدورة، ترمي بشكل واضح إلى دعم الشعور القومي لدى الصينيين وهم في لحظة يتطلع فيها العالم كله إليهم".

 

معايير القوة الصاعدة

يوضح المؤلف أن المفكرين السياسيين وضعوا معايير للقوة الصاعدة، وهذه المعايير تنطبق على الصين، وهي:

- أن تكون لديها مؤسسات قوية وفاعلة، ونفوذ إقليمي، وعلى سبيل المثال أن تكون ذات مساحة من الأرض كبيرة نسبيا، ووفرة في القوة العاملة، وغنى في الموارد.

- وجود رغبة قوية في المشاركة في الشئون الرئيسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في النظام الدولي.

- أن تتمتع بامتلاك طاقات قومية للتطور، وقدرة على الإسهام في تحول النظام الدولي. ويشير إلى أن راندال بيرينوم رئيس مؤسسة أكسفورد للقانون والعدالة أكد أن الصين تقدم عدة دروس مهمة للدول النامية، منها:

- التركيز على المبادئ السليمة للاقتصاد الكلي في إدارة الاقتصاد مثل الانضباط المالي، ونظام ضريبي شامل، والإنفاق العام على الرعاية الصحية والتعليمية والبنية التحتية.

- ضرورة مواصلة الاستثمار في الموارد البشرية وتنمية المؤسسات، وحكم القانون ضروري لاستمرار النمو الاقتصادي.

- القانون يجب أن يعكس الظروف الاجتماعية السائدة، وحين تتعارض القوانين مع آراء الغالبية لا ينبغي الأخذ بها.

- الاهتمام بأي ظهور لتفاوت غير عادل في الدخول يصاحب عملية التنمية.

- أهمية الاستقرار السياسي.

- أهم درس هو حيوية الطريق العملي الذي يتم من خلاله تنفيذ الإصلاحات.

ويوضح المؤلف أن الصين منافس أساسي في السوق العالمي للطاقة لتنفيذ خطط التنمية، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا، وهو ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تقلق من التوسع الصيني في هذا السوق. وتمثل واردات الصين من الطاقة الإفريقية 30% من احتياجاتها، وتعد الصين أكبر مستثمر بترولي في السودان. ويؤكد أن العالم العربي يحتاج إلى تعميق العلاقة مع الصين، وهذا يستلزم من العرب امتلاك ثلاث خصائص للقدرة على المنافسة، هي:

- المعرفة بما يجري في العالم، واستشراف آفاقه لتبصر ما هو متوقع فيه.

- القدرة على إطلاق الخيال، وابتداع أفكار وسياسات تخرج بالدولة من واقع يضيق عليها الخناق ويقلص قدراتها على الإفلات من المشاكل، وتساعدها على النهوض علما وتعليما واقتصادا وثقافة وإدارة.

- الخروج من تقاليد الثبات على نظم وسياسات وأفكار رسخت لعشرات السنين، دون أن يلحقها التطور والتجديد، بحيث جلبت الركود والجمود. وقد حققت الدول التي امتلكت الخصائص الثلاث تقدما اقتصاديا لفت أنظار العالم، ومنها الصين التي صعدت بمعدلات تنمية فائقة.