رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

‮"العاطل‮" ‬رواية ترصد القهر وتحلم بالحرية

رحيق الكتب

الخميس, 31 مارس 2011 12:57



"العاطل" ‬رواية جديدة لـ»ناصر عراق‮« ‬صدرت عن الدار المصرية اللبنانية،‮ ‬وتقع في‮ ‬330‮ ‬صفحة من القطع المتوسط،‮ ‬بغلاف للفنان‮ »‬حسين جبيل‮«‬،‮ ‬وهي الثالثة في مسيرة ناصر عراق الروائية،‮ ‬بعد روايتيه‮ »‬أزمنة من‮ ‬غبار‮« ‬عام‮ ‬2006،‮ ‬و»من فرط الغرام‮« ‬عام‮ ‬2008‭.‬

تتعمق الرواية في أجواء الشباب الكابوسية،‮ ‬ورحلتهم في البحث عن عمل شريف،‮ ‬وما يلاقونه من عنت واستبداد من قبل مستخدميهم سواء في مصر أم في دول الخليج التي سافر إليها بطل الرواية‮ »‬محمد عبدالقوي الزبال‮«‬،‮ ‬وفي هذا السياق التمس الراوي العديد من الحيل السردية التي صاغ‮ ‬في إطارها موضوعه مثل‮:‬

‮- ‬الثنائية الضدية ففي مقابل‮ »‬محمد الزبال‮« ‬المقهور والمهمش والمسيطر عليه من قبل والده،‮ ‬الذي يتمني موته بفرح طاغ،‮ ‬هناك شخصية‮ »‬منصور عبدالمنعم‮« ‬ابن الخالة الذي تربي في بيئة تحترم حرية الفرد وتعرف طريقها إلي القراءة والحرية داخل الأسرة،‮ ‬وهي شخصية نقيض لمحمد الزبال في كل شيء‮> ‬وذلك ليعمق الراوي مأساة بطله،‮ ‬بوضعه دائماً‮ ‬أمام مرآة منصور الكاشفة،‮ ‬ففي مقابل الوسامة والوضوح والقوة والجاذبية والنجاح التي يمثلها منصور،‮ ‬تأتي صفات الفشل والمهانة والمذلة والخنوع التي يمثلها البطل‮.‬

تدور حياة كل من البطلين،‮ ‬منصور ومحمد في محاور مختلفة متعاكسة طوال الوقت ففي حين ينجح منصور في رسم حياته واختيار طريقه للشهرة والنبوغ،‮ ‬يستكين محمد الزبال لقدره الذي فرضه عليه والده‮.‬

‮- ‬تراوح الرواية عبر فصولها كلها بين تيمتي النجاح والفشل،‮ ‬الحرية والقهر،‮ ‬التحقق والانسحاق‮: ‬الشخص الذي تربي في بيئة تتسم بالحرية ناجح في كل شيء،‮ ‬في العمل،‮ ‬وفي العلاقات العاطفية وفي اجتذاب النساء،‮ ‬والذي تربي في بيئة قاهرة متردد خائب،‮ ‬خزيان أمام الأنثي،‮ ‬يتمني في خياله فقط،‮ ‬ولا ينقل تمنيه إلي أرض الواقع،‮ ‬ويخلق لنفسه أحلامه السرية من خلال ما يسمعه من منصور عن

النساء والحب والعلاقات الجنسية،‮ ‬تمتد هذه التيمة لتشكل أحد المحاور الرئيسية والمهمة في بنية الرواية،‮ ‬إذ عندما تتاح الفرصة لمحمد الزبال لتحقيق أحلامه مع النساء يفشل ثلاث مرات،‮ ‬مع المغربية والروسية والصينية،‮ ‬فقهره ملازم أصيل لمشاعره وشخصيته،‮ ‬فهو يعرف نفسه بأنه‮: »‬أنا لم أتمكن من تقبيل أية فتاة طوال حياتي‮«.‬

في مقابل تيمتي النجاح والفشل،‮ ‬التحقق والخيبة التي يمثلها منصور ومحمد بالترتيب،‮ ‬تأتي هذه التيمة الفرعية أي‮: ‬الجنس،‮ ‬المعادل الموضوعي للحياة،‮ ‬فمحمد يراوح طوال الوقت بين رغبته الجنسية العارمة التي تضغط أعصابه،‮ ‬وتغرقه في السهو والخمول،‮ ‬يفشل في تحقيقها علي أرض الواقع فالجنس في حياة البطل متحقق بالقوة،‮ ‬منعدم بالفعل،‮ ‬فالقهر لا ينتج حياة،‮ ‬مما أكسب تيمة الجنس في الرواية معني رمزياً‮ ‬يشمل كل جوانب الشخصية،‮ ‬حتي عندما أحب البطل وتزوج ممن يحبها وتحبه،‮ ‬فشل في إقامة علاقة جنسية زوجية سليمة،‮ ‬ولعل البطل في هذه النقطة يذكرنا ببطل رواية‮ »‬السراب‮« ‬لنجيب محفوظ،‮ ‬القادر بالقوة المحبط بالفعل رغم جمال زوجته،‮ ‬وهي إحدي سمات المدرسة الطبيعية في الإبداع،‮ ‬أي المدرسة التي تنقل الواقع بفشله وإحباطه ونضاله وعرقه وقاذوراته دون تجميل،‮ ‬وتكتسب هذه المدرسة بعداً‮ ‬فلسفياً‮ ‬في نظرتها إلي الواقع،‮ ‬فكأن المبدع في هذه الحالة يمثل الطبيب الذي يشخص المرض أمام المريض ويتركه ليداوي نفسه،‮ ‬وهو ما أعطي تيمة الإحباط الشخصي في رواية‮ »‬العاطل‮« ‬بعداً‮ ‬لماحاً‮ ‬أكثر اتساعاً‮ ‬يشمل جيلاً‮ ‬وشريحة كاملة أصابها الإحباط بفعل القهر،‮ ‬فالأب لدي ناصر عراق يمثل السلطة الهيراركية التي تقمع المستويات الأدني منها،‮ ‬لتضع بنفسها

بذرة الثورة عليها‮.‬

‮- ‬تتبع الرواية ثانياً‮ ‬تقنية سردية خطرة فتأتي كلها بضمير المتكلم،‮ ‬الذي يشعر القارئ بالقرب الشديد من السارد،‮ ‬فهو الراوي العليم بكل شيء،‮ ‬وخطرها يأتي من أن هناك جوانب خفية في بعض الشخصيات لا يمكن للسارد المتكلم أن يعرفها،‮ ‬وللخروج من هذا المأزق،‮ ‬يلجأ السادر إلي تقنية دوائر السرد المتداخلة،‮ ‬حيث السارد المؤلف نائباً‮ ‬عن البطل أو مرآة له،‮ ‬فالحدث يسلم للآخر التالي عليه والشخصيات تتوالد الواحدة من الأخري،‮ ‬وأحياناً‮ ‬تأتي مستقلة بفصول كاملة تخصها،‮ ‬وكأن علاقات الترابط بعد ثلث الرواية الأولي تميل للتفكك فلا تنجح في ظل القهر النفسي،‮ ‬لأن البطل يستجيب لمخاوفه وهواجسه وقهره،‮ ‬ويري الشخصيات الناجحة كلها من هذه الزاوية فيتكلم هو عنهم،‮ ‬ولا يدعهم يتحدثون،‮ ‬فنحن نعرف حيوات الأبطال كلهم من خلال رؤيته هو‮.‬

‮- ‬هناك في الرواية ثالثاً،‮ ‬تيمة النظر التحليلي والمثاقفة،‮ ‬ففي مقابل جهله،‮ ‬نري ثقافة منصور ابن الخالة،‮ ‬لتتعمق المأساة بمفهوم المخالفة،‮ ‬أي الثنائية الضدية مرة أخري،‮ ‬فمنصور يذكر أمام البطل العشرات من أسماء الكتب والروايات ودواوين الشعر،‮ ‬مما لا يعرف عنه‮ »‬محمد الزبال‮« ‬شيئاً،‮ ‬وحتي حينما تصيبه الغيرة ويستعير كتاباً‮ ‬يصاب بالنعاس يقول البطل‮:‬

‮»‬أعترف الآن وبصراحة أنني حاولت أن أحاكي منصور في علاقته بالقراءة ولكنني أخفقت،‮ ‬وعبثاً‮ ‬بحثت عن اللذة في القراءة التي ما فتئ يقول عنها وما وجدتها فحين أمسك كتاباً‮ ‬وأشرع في مطالعته أجدني مستسلماً‮ ‬لسلطان النوم‮«‬،‮ ‬في المقابل نري منصور يذكر دائماً‮ ‬أسماء ماركيز،‮ ‬وليون تروتسكي،‮ ‬وإسحق دويتشر،‮ ‬وصلاح عبدالصبور وغيرهم،‮ ‬يحاول الراوي تعميق مأساة بطله بكل الطرق،‮ ‬وكأنها محاولة لجلد الذات دون رحمة،‮ ‬والغضب في كل هذا ينصرف تلقائياً‮ ‬إلي بنية القهر العامة،‮ ‬فالإدانة الشخصية إدانة جماعية،‮ ‬البطل لا يحب نفسه لأن لا أحد يحبه،‮ ‬يشفق علي ذاته فقط،‮ ‬لأن الآخرين يشعرونه بالشفقة،‮ ‬يترك الآخرين للنجاح،‮ ‬ويترك نفسه للأمراض النفسية،‮ ‬حتي تأتي لحظة الكشف عن التجارب الخائبة علانية في محاولة للبدء في مرحلة العلاج،‮ ‬فإذا به يكتب جملة المطلع نفسها‮: »‬نعم أنا لم أتمكن من تقبيل أي فتاة طوال حياتي علي الرغم من أنني سأكمل ثلاثين عاماً‮ ‬بعد شهر واحد فقط‮«‬،‮ ‬يعترف البطل بقهره ليتجاوزه،‮ ‬ويتطهر ليبدأ حياة جديدة،‮ ‬لكن الرواية تنتهي هنا ولا نعرف،‮ ‬لأن الإحباط إحباطنا جميعاً‮.‬