الاستشراق الجديد والإسلام في "مراصد"

رحيق الكتب

السبت, 12 مارس 2011 16:29

صدر عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، العدد الثالث من سلسلة "مراصد"، والتي تضم دراسة بعنوان "تيار الاستشراق الجديد والإسلام، من الشرق الشيوعي إلى الشرق الإسلامي"،

للدكتور أوليفييه مووس أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة فرايبورغ في سويسرا ومدرس الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس و قامت بترجمة الدراسة عومرية سلطاني؛ مترجمة وباحثة في العلوم السياسية.

تعالج هذه الدراسة موضوع انبثاق خطاب ثقافي جديد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة يتعلق بانتقاد الحالة الإسلامية وبشكل خاص الإسلام السياسي.

وتنقسم الدراسة إلى عدة محاور رئيسية؛ هي: تحليل للاستشراق الجديد والرواية النيواستشراقية، وافتراضات الرواية النيواستشراقية، وسياق ظهور الاستشراق الجديد، والتحول من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستشراق الجديد، بالإضافة إلى دراسة كتابات "بات يجاور"؛ المؤرخة في الاستشراق الجديد، وتحليل موقف المرأة المحجبة في الرواية النيواستشراقية، وبحث تداعيات الرواية النيواستشراقية على الحقول الإعلامية والفكرية والسياسية.

يبين الباحث أن مصطلح "الاستشراق الجديد" يعكس مذهبًا ثقافيًّا جديدًا ذا طبيعة أخلاقية، وطريقة لأشكلة المجال الإسلامي والعلاقات بين الهوية الإسلامية والهوية الغربية، يقوم على تجديد افتراضات الاستشراق الكلاسيكي ومتطلبات الدفاع عن قيم الديمقراطية والحداثة؛ ويمثل "الاستشراق الجديد" تجديدًا وإعادة تأهيل للأطروحات الاستشراقية الكلاسيكية في سياق يتميز بأدلجة متنامية للعلاقات بين الشرق الأوسط والدول الغربية، تعمل على تشجيع العودة إلى قراءة ماهوية المجال الإسلامي. وتفضل الرواية النيواستشراقية تعبئة كُتَّاب ينتمون إلى أوساط متنوعة، ويمكن أن تكون متعارضة على الصعيد الأيديولوجي أو السياسي.

تعرض الدراسة أربعة افتراضات يتكون حولها الاستشراق الجديد؛ وهي: المجال الإسلامي كل متجانس، الإسلام يشكل استثناء، جمود العالم الإسلامي، العنف الإسلامي هو نتاج ثقافي. ويؤكد الباحث على وجود تحديد مزدوج لعالم عربي إسلامي ينظر إليه ككيان متجانس، ومحددات ثقافية يفترض أنها تقدم معلومات عن الفعل الجماعي والفردي للمسلمين.

وينتج عن هذا الموقف سلسلة من الافتراضات المنهجية التي تقدم اقترابًا مبسطًا يختصر ظاهرة تتميز بالتعددية سواء في فضاءات المكان أو الزمان. فالاستخدام المتكرر للمبررات الدينية، واستخدام مفهوم الأمة بحيث يتم تجاهل التقسيمات الجغرافية والثقافية ونفس الأسباب التي تؤدي إلى نفس النتائج، وفكرة الممارسة السياسية الإسلامية المشروطة باللاهوت، هي من ضمن أمثلة عديدة على هذه الافتراضات.

وتستند السمة الثانية على استثنائية الإسلام (كحضارة)، بمعنى فكرة أن الإسلام بوصفه نظامًا للقيم يخبرنا عن كل نواحي الحياة الاجتماعية والفردية للمسلمين، من المواضيع الأقل أهمية مرورًا بالمظاهر العامة ووصولاً إلى الممارسة السياسية والاقتصادية. في هذا المنظور يفسر تيار الاستشراق الجديد نقص أو غياب الإجراءات والثقافة الديمقراطية في الدول العربية والإسلامية بوصفها نتاجًا لعوامل مرتبطة بـ"الهوية" في هذه المجتمعات: الثقافة، والدين، والتاريخ، وأن أي تطور نحو الديمقراطية والاعتراف بحقوق الإنسان لا يمكنه أن يكون إلا نتاج قطيعة أو عملية تغريب.

أما فكرة جمود المجال الإسلامي فترتبط بشكل وثيق بفكرة الاستثنائية، وهي مظهر مهم آخر في الاقتراب النيواستشراقي. ويفترض شكلا ما من الاتساق أن ينظر الاستشراق الجديد إلى المجال الإسلامي بوصفه كتلة مصمتة وساكنة، نمط من التعارض الذي يقيمه بين غرب ديناميكي، حديث، يشكل معقلاً للتحرر، ويوفر مساحات للإنجاز الفردي، وبين شرق جامد حيث يتشكل الفرد عبر الثقافة وعبر الدين، المؤطرين بقوة عبر الأعراف الاجتماعية والجنسية. ويرتبط خيال "الإرهاب الإسلامي" بشكل وثيق جدًّا بتعريف لـ" العقلية العربية" وهو ما يفسر استخدام الإرهاب كنتيجة لـ" التأخر" الثقافي، ولخصائص محددة لثقافة عربية إسلامية.

وعن سياق ظهور الاستشراق الجديد، تشير الدراسة إلى أنه من بين النتائج التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، شكل زوال الاستقطاب الإيديولوجي بين المعسكرين دون شك أحد المداخل القوية لفهم انبثاق وخاصة تكريس الرواية

النيواستشراقية في المجال الفكري والإعلامي الأمريكي والأوروبي. وأدى انهيار الروايات التي كانت تمنح المعنى، مثل المواجهة بين الليبرالية والشيوعية، في سنوات التسعينيات، إلى سباق لأجل صياغة بديل للتوازن التقليدي بين الشرق والغرب. وتأتي قوة الجذب لدى الرواية النيواستشراقية بشكل خاص من هذا التجديد الذي يطال أطلس الغيرية في الترتيب الذي تقيمه لعالم ما بعد الثنائية القطبية، من خلال اتباع خطوط التوتر المرتبطة بالهوية الإسلامية، حدود الإسلام الدموية هذه التي رسمها "صامويل هنتجتون" على الخريطة بالمعنى الحرفي، في مقالته الشهيرة "صدام الحضارات".

ويتطرق الباحث إلى فكرة اعتبار الاستشراق الجديد "إرهاب علمي"؛ مبينًا أنه عبر المقابلات التي قادها مع عدد من ناشطي حركة الاستشراق الجديد وعبر تحليل المؤلفات والمراجع، اتضح أن النقد الموجه للإسلام هو في قسم كبير منه ليس نتاجًا لحالة عارمة من الإسلاموفوبيا. فإن معاداة الإسلام السياسي، بل وحتى انتقاد الإسلام هي بالأحرى نتاج سياقات محددة وللتلاعب بها من قبل مجموعة متنوعة من الفاعلين لخدمة أجندات أيديولوجية أو سياسية، محلية أو وطنية.

ويؤكد مووس على أن شخصيتين اثنتين كانتا في قلب الانتقال من الاستشراق الكلاسيكي إلى شكله الجديد؛ هما: عالم التاريخ البريطاني "برنارد لويس"؛ الكاتب الذي نهل من تراث الاستشراق القديم والذي ساهم مقاله" ما الخطأ" What Went Wrong ? في "أثقفة" أو "أسلمة" أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وصامويل هنتجتون"، حيث صاغ كتابه عن صدام الحضارات المفردات والأسلوب المناسب لقراءة هذه الأحداث.

وتتطرق الدراسة إلى الأطروحات التي طورتها "بات يجاور"؛ وهي مؤرخة بريطانية من أصول يهودية من مصر ، خاصة مصطلحيها حول "الذميانية" dhimmitude و" أورابيا" Eurabia التي تميل لتصبح مواضيع متكررة. كتبت تجاور نصوصًا يظهر فيها مصطلح "الذميانية"؛ اللفظ المشتق من اللفظ العربي "ذمة" التي تشير إلى علاقات التبعية بين السلطة الإسلامية والسكان المسيحيين واليهود والزرادشتية. أما كلمة "أورابيا" فتصف نتاجًا هجينًا من الأوربة والإسلام، وانصهار اصطناعي حيث الضفة الجنوبية المتوسطية التي كانت تمثل حدودًا فيما مضى، تلتهم ضفة شمالية تتغافل عن هويتها اليهودية المسيحية. ويقول الباحث: إن كتابات المؤرخة البريطانية، ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبفعل استثمارها في رواية الفاشية الإسلاموية، لا تجد صدى حماسيًّا لدى جمهور أقل أو أكثر تطرفًا من الناحية الأيديولوجية فحسب، ولكنها أيضًا تؤثر في أوساط أكثر أهمية من الناحية الفكرية.

ويؤكد الباحث أنه في أوروبا بشكل خاص، تتناول التفاسير النيوإستشراقية الممارسات المرتبطة بالحجاب كرمز يحيل، بشكل مزدوج، إلى حالة تمييز بين سلطة ذكورية فاعلة وبين خضوع أنثوي سلبي، وكشعار يدل على الفصل بين فضاء الحداثة وبين تقليد غابر. ويحاول تفسير النجاح في الربط المشترك بين المرأة المحجبة وبين فكرة الخضوع في المجتمعات الغربية. وذلك ممكن بفضل أداة كاشفة يوفرها نجاح نشر السير الذاتية لنساء "منشقات"، أي نساء مسلمات سابقًا اخترن الانتقال الرمزي من الشرق الإسلامي إلى الغرب العلماني. وفي أدبيات الاستشراق الجديد، فإن هذا الانتقال لا يمكن أن يتم بدون حدوث قطيعة أو ردة.

وتمثل شخصية مثل "أيان هيرسي علي"؛ النائبة الهولندية السابقة ذات الأصول الصومالية،

تجسد، عبر كونها امرأة، ومن خلال لهجتها الحادة، وسيرتها الذاتية، رمزية هذا " المنشق في الإسلام"؛ اللقب الذي تعلنه عن نفسها بشكل صريح. وتؤكد حالتها اثنتان من الحجج الرئيسية في الرواية النيوإستشراقية: الأولى هي وجود تعارض بين فضاء غربي، تحرري وبين فضاء إسلامي غير صالح ثقافيًّا أمام التحديث، والثانية في تقديم الحل للعالم الإسلامي إذا كان يريد الخروج من عصوره الغابرة فيحدث قطيعة مع "الإسلام".

مجموع هذه الإدراكات الواعية وغير الواعية التي تتبلور من حول "المرأة" هي التي تفسر العلاقة المتفردة التي تقيمها النظرة الغربية بين "المرأة المحجبة" وبين الآخرى" المسلمة المنشقة". عبر خلع الحجاب، سوف تتحرر هذه الأخيرة وتصبح غربية فإذن، حديثة. الممارسات المتعلقة بارتداء الحجاب تحمل دون شك معان عدة، تختلف حسب السياق، سواء بالنسبة للمحجبات كما في أعين أولئك الذين يتواجهون مع هذا الرمز. وإذا كانت ثنائية "التحرر عبر خلع الحجاب" في مقابل "حجاب رجعي" لا تشدد سوى على البعد المتعلق بالخضوع من ضمن التفسيرات الآخرى الممكنة، إلا أنه يأخذ كامل معناه في الرواية الاستشراقية.

ولم تعد ديناميكية الهيمنة التي ترتكز على استخدام صورة المرأة على ما يبدو ذات طبيعة استعمارية فحسب، لكنها يمكن أن تستخدم أيضًا كتبرير دقيق لروايات صراعية في داخل الدول ومن خارجها. هكذا فإن إدانة وضعية المرأة والواجب المعنوي في تصحيح هذا الظلم الواقع عليها هي مكونات هامشية، من ضمن أخرى، جري إعادة استخدامها من قبل إدارة جورج بوش الابن (2001-2009)، بهدف أن تضيف إلى الاستجابة العسكرية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، بعدًا تدخليًّا ذا طبيعة حضارية.

ويختتم الباحث دراسته بسؤال حول التشويش الذي أحدثه نجاح الرواية النيوإستشراقية، وما إذا كان له تأثيرات جانبية عملية أم أنه سيظل خطابًا هامشيًّا في وجود متغيرات قوية أخرى. ويبين أن الحتميات الدينية وفكرة الاستمرارية الثقافية تخلق اليقين والقدرة على التوقع، فتمارس بذلك جاذبية على حزمة واسعة من الفاعلين، وسواء أن يتم اعتماد هذا الخيار عن تقليد أعمى أو عن عقيدة أو بشكل براغماتي، فليس أكيدًا أن تَبَنّي هذه الأفكار وهذه اللغة لا يحمل تأثيرًا على إدارة المعلومات والقرارات والإجراءات المتخذة لدى هؤلاء. ذلك أن اللغة والمفردات المستخدمة، وطريقة "سرد" التهديد الإسلاموي، والنماذج التفسيرية تساعد في تأطير هذه الالتزامات، سواء على المستوى المحلي كما تكشفه على سبيل المثال، حجج المبادرة السياسية ضد بناء المآذن في سويسرا، أو على المستوى العالمي كما في حالة نموذج النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

ويؤكد الباحث على أنه لا يجب أن ينسب إلى الرواية النيوإستشراقية أي أثر قد يكون غير متناسب مع حجمها الفعلي. فالصورة المشوهة لهوية ولإستراتيجيات النضاليات الإسلامية المتورطة في النزاعات أو في مناطق التوتر، بالإضافة إلى الأدوار المختلفة، المؤسسية والمهنية التي يتولاها دعاة هذه الحركية، لا تستنفد العوامل المتداخلة في عملية اتخاذ القرار أو عدد الخيارات المتاحة أمام صناع القرار. وبالرغم من ذلك، فإن التعرف على تيار نيواستشراقي والفاعلين الرئيسيين فيه يسمح بتسليط الضوء على أحد الوكلاء الذين يتدخلون في تقليص إدراكاتنا وقدرتنا على التفكير بشأن مجال واسع للحركة بشكل مكتمل. هذا هو المظهر الرئيسي في الاستشراق الجديد الذي بذلنا جهدًا لتوضيحه: التناقض الظاهر بين الجذب الذي يمارسه حتى في الأوساط الأكثر تخصصًا، وبين طبيعته غير الإجرائية في نظر العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ويبين مووس أن الهدف الرئيسي للاستشراق الجديد ليس توفير أداة لفهم التحديات السياسية والاجتماعية التي يتورط فيها الفاعلون الإسلاميون، بل في التحرر من الوقائع التي لا تتوافق أو تتوافق بصعوبة مع "مصالح" هواياتية، أو مهنية، وأيديولوجية، أو أيضًا سياسية. إمكانية إثبات وتأكيد هذه المصالح بإخفاء التحاليل المنهجية للأحداث والعلاقات بينها، لفائدة سرد للقصص، هي التي تجذب عددًا غير يسير من المتكلمين ومن الجمهور. وإذا كانت هذه الرواية لا تفسر شيئًا فهي في المقابل تحكي قصة صراع تعرض التفاعلات بين الهوية الغربية والهوية الإسلامية، حيث يتم فيها تسطيح للوقائع إلى حد كبير.

يذكر أن العدد الأول من سلسلة مراصد قدم دراسة بعنوان، "تسلف الإخوان: تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية في جماعة الإخوان المسلمين"، للباحث حسام تمام، بينما تم تخصيص العدد الثاني لدراسة "اليسار المتحول للإسلام: قراءة في حالة الكتيبة الطلابية لحركة فتح"، لنيكولا دوت بويار.

تصدر "مراصد" عن وحدة الدراسات المستقبلية، ورئيس تحريرها حسام تمام؛ رئيس وحدة الدراسات المستقبلية، ويشرف عليها الدكتور خالد عزب؛ مدير إدارة الإعلام بمكتبة الإسكندرية، وسكرتارية التحرير عبد الوهاب شاكر وأمنية الجمي.

 

أهم الاخبار