فى "المسلمون وأوروبا التطور التاريخى لصورة الآخر"..

المفكرون المسيحيون ساهموا فى بناء الحضارة الإسلامية

رحيق الكتب

السبت, 26 مايو 2012 13:34
المفكرون المسيحيون ساهموا فى بناء الحضارة الإسلاميةأكدت الحقائق التاريخية نورانية الفكر الإسلامى
خاص - بوابة الوفد:

أكد د. عبدالرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بوجه بحرى وسيناء أن الجهل بالآخر سمة غالبة على شعوبنا العربية ومصر خاصة؛ ونجم ذلك عن الفقر الذى فُرض على شعب مصر فى عهد النظام السابق فانشغل الشعب فى رحلة البحث عن لقمة العيش بدلا من البحث فى أصول التاريخ العريق لتسامح الأديان على أرض مصر.

ومن هذا المنطلق يقدم ريحان عرضاً  لكتاب المؤرخ والمفكر الكبير د. قاسم عبده قاسم أستاذ التاريخ والحاصل على جائزة الدولة للتفوق والتقديرية فى العلوم الاجتماعية ووسام العلوم والفنون ؛ وعنوانه "المسلمون وأوربا التطور التاريخى لصورة الآخر" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2012 .
يؤكد فيه قاسم أن العلاقة بين الأنا والآخر فى الحضارة الإسلامية قامت على أساس أخوة الجنس البشرى كله على أساس حق الآخر فى الوجود والاختلاف.
ومن خلال العرض للكتاب أكدت الحقائق التاريخية نورانية الفكر الإسلامى كما جاء فى كتاب د. قاسم عبده قاسم, وأن المسلمين لم ينبذوا التراث الثقافى للمناطق التى فتحوها وإنما أقبلوا على ترجمة آثار هذا التراث مستعينين فى الترجمة ببعض العلماء المسيحيين وعندما انتقلت عاصمة المسلمين من المدينة المنورة إلى دمشق كان ذلك يعنى الانتقال إلى وسط أكثر تأثراً بالتراث الهيللينستى ؛ الذى يجمع بين الثقافة الإغريقية القديمة وثقافات مصر وبلاد الشام والعراق.
وكانت البقعة التى فتحها المسلمون منذ الربع الثانى من القرن الأول الهجرى (السابع الميلادى) تزخر بالتراث الفلسفى بفضل المترجمين السريان المسيحيين على وجه الخصوص, وكانت مدرسة الإسكندرية حتى أوائل القرن السابع الميلادى تزدهر بعلوم الأوائل ولا سيما الطب وفى شرق العالم الإسلامى ازدهرت العلوم اليونانية فى البلدان التى كان أهلها يتكلمون السريانية والفارسية مثل الرها ونصيبين والمدائن وغيرها.
وكانت هذه المؤسسات العلمية والفكرية قبل ظهور الإسلام هى الأساس الذى قامت عليه حركة الترجمة إلى العربية فيما بعد وكان من أبرز رجالها عدد من العلماء والمفكرين المسيحيين؛ وكان هذا هو الأساس الذى قامت عليه البنية المعرفية للمسلمين بالمسيحية والمسيحيين فى عالمهم وفى خارج هذا العالم وكان المسيحيون المحليون من السريان وغيرهم حلقة الوصل بين المسلمين والتراث اليونانى القديم .

ويشير المؤلف إلى أن الخليفة

المأمون أنشأ مؤسسة خاصة وهى التى عرفت باسم "بيت الحكمة" لترجمة علوم الأوائل من اليونانية والسريانية إلى العربية؛ ويعتبر خالد بن يزيد بن معاوية " توفى 85هـ ، 704م" الرائد الأول فى نقل العلوم إلى اللغة العربية مما وفر أداة معرفية قوية لم تكن متاحة فى أوروبا المسيحية على الجانب الآخر.
وقد لعب بيت الحكمة دوراً هاماً فى معرفة المسلمين بالآخر المسيحى وكانت عملية الترجمة عملاً منظماً ترعاه الدولة فقد أرسل الخليفة المأمون بعثة إلى الدولة البيزنطية بحثاً عن المخطوطات اليونانية؛ وكان من أعضائها الحجاج بن مطر ويوحنا بن البطريق.
كما أرسل حنين بن إسحاق للحصول على المخطوطات من بلاد الروم وكان تراث شعوب المنطقة العربية قبل الإسلام تراثاً إنسانياً وجد فيه المسلمون ما يفيدهم فى بناء حضارتهم, ولم يوجد أى تعصب فى التراث الإسلامى ولم يكن هناك صدام بين الحضارة البيزنطية المسيحية والحضارة الإسلامية وكان التعايش السلمى هو السمة المشتركة بين الطرفين.
ويضيف د. ريحان من خلال عرض الكتاب أن الحروب الصليبية لم تنتج أى تأثير سلبى من جانب المسلمين تجاه المسيحيين من أبناء البلاد العربية آنذاك واستمر المسيحيون فى حياتهم الطبيعية يتمتعون بكل الحقوق المتساوية وتولى عدد  منهم مناصب مرموقة فى الدولة الإسلامية وساعد على ذلك قوة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين التى ترسخت عبر أربعة قرون قبل قدوم الصليبيين .
كما رأى مسيحيو الشرق فى الحروب الصليبية من خلال الواقع العملى هى حركة عدوان خارجى ضد أوطانهم خصوصاً مع مهاجمة الصليبيين لممتلكات المسيحيين والتعدى على كنائسهم والمذابح التى ارتكبوها فى البلاد الإسلامية مثل مذابح أنطاكية عام 1098م ومذبحة بيت المقدس 1099م والمذبحة التى ارتكبها ريتشارد قلب الأسد ضد أهالى عكا على الرغم من الأمان الذى بذله لهم عام 587هـ /1191م ورغم ذلك فإن المسلمين لم ينسبوا هذه الوحشية والدموية من الصليبيين للديانة المسيحية
لأنهم يعرفون المسيحية عن قرب ويحترمون السيد المسيح عليه السلام باعتباره نبياً رسولا ويعترفون بمعجزاته كما جاءت بالقرآن الكريم ويبجلون السيدة مريم أفضل نساء العالمين .

ويختم المؤلف كتابه بالإشارة إلى النموذج المصرى  كنموذج مشرف لتسامح الأديان اعتمد على التناغم والانسجام والتوافق بين السكان فرضته ظروف جغرافية وطبيعية من عصر مصر القديمة من اعتماد المصريين على نهر النيل الذى فرض الصيغة المثلى للحياة على أساس التعاون والوحدة وشبه نهر النيل بشارع ممتد من الجنوب للشمال؛ واستحالة أن ينفصل سكان هذا الشارع عن بعضهما الذين ارتبطوا برباط اجتماعى ثقافى لا يتكرر فى أى بقعة على وجه الأرض؛ وبهذا كان قبول الآخر أول درس تعلمه المصريون عبر تاريخهم وساهمت الديكتاتورية وأعوانها فى تسطيح الفكر المصرى لمحو هذا التاريخ المشرف  رغم أنه استحال على أى قوى خارجية عبر تاريخها الطويل أن تسيطر على الفكر المصرى أو تخترق النسيج الاجتماعى والثقافى المصرى فالهكسوس والبطالمة والرومان ظلوا يعيشون بعيداً عن الحياة المصرية بمستوياتها المختلفة واستوعبت الثقافة المصرية كل العناصر الثقافية الصالحة الوافدة إليها من المنطقة العربية ومن أفريقيا ومن البحر المتوسط ومزجتها فى بوتقة الثقافة المصرية وتيارها العام .
وبعد الفتح الإسلامى لمصر تجلى هذا التسامح بصورة واضحة وبشكل مطرد ولما عرف بنيامين بطريرك الأقباط آنذاك بقدوم المسلمين استبشر بزوال الحكم البيزنطى ونهاية الاضطهاد المذهبى ضدهم وطلب من الأقباط أن يساعدوا المسلمين وبالفعل أسهم الأقباط فى بناء الجسور والطرق وإقامة الأسواق لجيش الفتح الإسلامى بل أن بعضهم قاتل فى صفوف المسلمين ضد البيزنطيين .
واتسمت الثقافة العربية الإسلامية بقبول الآخر على أساس حقه فى الوجود والتعبير الفكرى والإسهام الثقافى وساهم هذا فى نمو الحضارة الإسلامية وازدهارها ولمعت أسماء كثيرة من اليهود والمسيحيين الذين كرسوا مواهبهم وعبقريتهم فى خدمة الحضارة الإسلامية؛ التى لم تنبذهم وتتبرأ منهم وتعاملت الجماعة العربية المسلمة مع الآخر المختلف دينياً على أنه جزء من الذات الثقافية وكان اليهود والمسيحيون ممن عاشوا فى كنف الحضارة الإسلامية يعتبرون "هم" من الناحية الدينية فقط ولكنهم كانوا "نحن" من حيث انتمائهم إلى الحضارة العربية الإسلامية .
وكان هذا الموقف مؤسساً على الحقوق والواجبات التى حددها الفقهاء المسلمون فحظى المسيحيون واليهود فى مصر بضمان حرية العقيدة والعمل وكسب العيش وتأمين الأرواح واتسمت علاقاتهم بالمسلمين نتيجة ذلك بالود والمحبة وترك المسيحيون واليهود بصماتهم فى المجتمع المصرى ومارسوا كافة أنواع النشاط الاقتصادى وتملكوا العقارات فى سائر البلاد ومارسوا كافة الحرف والمهن وأسسوا الشركات وبرزوا فى ميادين العلم والثقافة وكان منهم الأطباء والأدباء والعلماء فى شتى العلوم ولو أنهم اعتبروا آخر على نحو ما حدث فى أوربا فى العصور الوسطى لما أمكن لهم أن يسهموا فى خدمة بلادهم ومجتمعاتهم.

أهم الاخبار