رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حجازي يتجول بين الشعراء في"بابل الشعر"

رحيق الكتب

الاثنين, 21 فبراير 2011 13:31
كتب- إبراهيم عبدالمعطي:


يتجول الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي في كتابه الجديد "بابل الشعر" بين عدد من الشعراء الأجانب الذين قرأ لهم وقرأ عنهم وعرف بعضهم معرفة شخصية خلال العقود الثلاثة الماضية. الكتاب صدر ضمن سلسلة "كتاب دبي الثقافية"، ويؤكد فيه أنه إذا كانت بابل هي مدينة الألسنة المتعددة المختلفة، فإن شعراء العالم يستطيعون –مع ذلك- أن يسكنوها ويتلاقوا فيها ويجتمعوا ولا يتفرقوا، لأن ألسنتهم وإن اختلفت فلغتهم واحدة.
يبدأ "جحازي" بالشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس الذي عاش في الإسكندرية 70 عاما، وامتزج بها امتزاجا شديدا، إلى درجة أنه لم يستطع أن يرحل عنها إلى مدينة أخرى، وكانت هذه المدينة –كما يقول حجازي- ليست خيارا، بل هي قدر لا يملك معه إلا أن يقول لنفسه:
"لكنك لن ترى من هذا العالم الجديد برا ولا بحرا
ولسوف تتبعك المدينة، في هذه الشوارع نفسها تتسكع
وفي هذه الأحياء نفسها ستهرم
وتحت هذه السقوف سيبيض شعرك
وإلى هذه المدينة ستنتهي دائما خطاك".

الإسكندرية مدينة أخرى!
ويشير "حجازي" إلى أن معظم أهل الإسكندرية الآن لا يعرفون الكثير عن صورة مدينتهم قبل نصف قرن فقط، فقد تغيرت هذه المدينة، كأنها الآن مدينة أخرى، ومثلما اختفت المدينة القديمة التي أسسها الإسكندر منذ أكثر من ألف عام، اختفت –أيضا- المدينة الحديثة التي كانت مزدهرة حتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي.
ويوضح أن المدينة الحديثة كانت شبه مستعمرة أوروبية وصلت إلى نهاية عمرها، فلفظت أنفاسها الأخيرة، لكن الحياة في هذه المستعمرة لم تكن شرا كلها، بل إن الوجود الأوروبي نفسه والأجنبي عموما لم يكن شرا، إلا
أنه كان وجودا مفروضا مستعليا، يجتهد في المحافظة على انقطاعه وغربته، ويرفض أن يمد جذوره في الأرض التي عاش فيها، ولهذا كان من السهل أن يجتث ومن المحتم أن يختفي، غير أن هذا الوجود المختلط المفتوح على حياة العصر وثقافاته أتاح للإسكندرية بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين أن تعاود تاريخها الأول، وأن تكون ملتقى أجناس وأفكار وبيئة حوار وإبداع وتطلع، وهذا هو الوجه الذي اختفى، والذي نشعر بالأسف لأننا خسرناه.
ويؤكد "حجازي" أن الحياة الثقافية في الإسكندرية لم تكن شيئا آخر غير امتداد للحياة الثقافية في العواصم الأوروبية الكبرى، خاصة باريس، فقد كان في هذه المدينة: جماعات أدبية، وصحف ومجلات بمختلف لغات الأرض، ودور نشر ومعارض فن، ومواسم أوبرا ومسرح وباليه وموسيقى كلاسيكية. شعراء وروائيون ونقاد، ورسامون، ونحاتون، إغريق، وإيطاليون، وفرنسيون، ومصريون، وشوام.
أونجاريتي والمصري
وممن ولدوا في الإسكندرية أونجاريتي أكبر شعراء إيطاليا في القرن العشرين. ويشير "حجازي" إلى أنه عاش في الإسكندرية 20 عاما قبل أن يغادر إلى باريس. ويكشف أن رحلته إلى باريس كانت مشروعا مشتركا بينه وبين شاب مصري اسمه محمد شهاب، كانت تربطه بأونجاريتي صداقة متينة، وكان مثله قد تلقى ثقافة فرنسية لعبت بخياله وأثارت حماسته للإقامة في باريس والاتصال بحياتها الثقافية الفاتنة، ونجح الصديقان في تحقيق المغامرة التي اندفع
فيها محمد شهاب حتى تخلى عن اسمه العربي وتسمى باسم فرنسي، لكنه لم يطق الغربة العنيفة التي أحاطته من كل جانب فانتحر، ولم يبق من آثاره إلا قصيدة نظمها أونجاريتي في تخليد ذكراه، ومن أبياتها:
في ذكرى محمد شهاب
سليل الأمراء البدو
الذي انتحر
بعد أن لم يعد له وطن
أحب فرنسا فحول اسمه إلى مارسيل
لكنه لم يكن فرنسيا قط
ولم يعرف بعد كيف يعيش
تحت خيمة ذويه
حيث يستمع لتلاوة القرآن
بينما يتذوق طعم القهوة
لم يكن يعرف كيف يطلق لسانه
بأغنية غربته وانقطاعه".
مارينيتي و رينر
ويتناول "حجازي" ثالث الثلاثة الكبار الذين عاشوا في الإسكندرية من الأجانب، وهو الشاعر مارينيتي الذي أصدر في السادسة عشرة من عمره مجلة نصف شهرية في الإسكندرية اسمها "ورقة البردي"، وهي مجلة أدبية فنية، مليئة بالشعر الرومانتيكي، وغادر مصر إلى فرنسا في الثامنة عشرة من عمره، وهناك نشر مجموعة من القصائد استلهم بعضها من صور الإسكندرية، وبعضها الآخر من الأساطير الفرعونية.
ينتقل "حجازي" من الشعراء الذين عاشوا في الإسكندرية، إلى شاعر أحب مصر، هو الشاعر النمساوي رينر ماريا ريلكه الذي غنى لمصر وصورها في شعره ونثره فأحسن تصويرها.
ويؤكد "حجازي" أن مصر لم تبادله هذا الحب، ولم تحتفل به كما يجب. ويشير إلى أنه لم يكتفِ بوصف الآثار المصرية كما يستطيع أن يفعل أي زائر ذكي أو باحث متخصص، وإنما يتجاوز ما يراه بعينيه إلى ما يراه بحدسه وخياله، فيرى الأثر الآن ويراه في التاريخ، يراه في ذاته وفيما يعنيه ويرمز إليه، في علاقته بالطبيعة وعلاقته بالحضارات الأخرى.
كما يتناول "حجازي" في كتابه مجموعة من الشعراء الآخرين، منهم: وولت ويتمان أبو الشعر الأمريكي، وماياكوفسكي الشاعر السوفييتي المشهور، والشعراء الفرنسيون: جمال الدين بن الشيخ، وجان جروجان، وميشيل دوجي، وأوجين جيفيك، وبرنار نويل، ويقدم مختارات شعرية لهم ولخمسة شعراء فرنسيين آخرين، هم: إيف بونفوا، وجاك دوبان، وفيليب جاكوتيه، ودوبوشيه، وإدوار جليسان. ويتعرض للشاعر الفرنسي رنيه شار الذي يصفه بآخر صنوبرة عملاقة في غابة الشعر الفرنسي المحترقة.