رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

"الغمري" توقع التغيير في كتابه منذ3 سنوات

رحيق الكتب

السبت, 19 فبراير 2011 12:41
كتب: إبراهيم عبدالمعطي


صدر للكاتب والمفكر عاطف الغمري منذ نحو ثلاثة أعوام كتاب "الإصلاح السياسي.. من أين يبدأ؟" .. وإعادة قراءة الكتاب تؤكد صلاحية القضايا التي ناقشها للأوضاع الراهنة التي تمر بها مصر بعد تطهيرها من رموز الطغيان والفساد وحكم الفرد. من الموضوعات التي يناقشها الكتاب تعديل الدستور ليتناسب مع المجتمع الذي تغير بفعل التغيرات العالمية التي بدت مظاهرها في الإنترنت والمحمول والفضائيات وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة التي جعلت الإنسان قريبا من الأحداث في أي بقعة من العالم مهما بعدت. ودستور 1971 المعمول به حتى نهاية عصر الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك لم يكن مواكبا للتطورات الداخلية والخارجية، فهذا الدستور لا يلبي احتياجات المواطنين في الوقت الراهن ويتعامل عدد من مواده مع الماضي أكثر من تعامله مع الحاضر.
يؤكد "الغمري" أن الدساتير تحتاج إلى مراجعة دائمة لتكون معبرة عن الأوضاع القائمة. وعندما تحدث عن المادة 76 التي كانت بداية التغيير، رأى "الغمري" بعين المستقبل أنها ستكون البداية لإزاحة كل ما يعوق الرغبة الشعبية في إحداث التغيير، وكأنه كان يتنبأ بما حدث منذ أيام عندما أزيح النظام بأكمله من أجل الحصول على الحرية وتغيير الدستور ليكون في صالح الشعب وليس في صالح فرد أو فئة بعينها، قال "الغمري": "ما نحن بصدده ليس حدود المادة 76، فقد تجاوزها الحال، فنحن اليوم –الجميع- نتعامل مع إرادة شعب، وهي الإرادة التي أزاحت الحجر من الجدار (حجر المادة 76)، وهي ذاتها التي ستزيح بقية الأحجار، ليكتمل للوطن الانتقال من الاستثناء إلى الوضع الطبيعي، وإذا كان هناك من رأوا الاقتصار على تعديل عدد من المواد، فقد كان هناك أيضا من رأوا أن الدستور بكامله لم يعد يصلح لعصر قد تجاوزه، وأن صالح الوطن يقضي بتكوين جمعية تأسيسية تضع دستورا

جديدا عصريا".
الاستثناء الذي يركز عليه "الغمري" هو أن دستور 1971 جاء في إطار فلسفة يوليو، والثورة وضع استثنائي لا يجوز أن يستمر، في حين أن هناك العديد من التغيرات والتحولات التي طرأت على المجتمع المصري، والتي تقتضي أن يكون الدستور متواكبا معها، حتى لا يكون هذا الدستور منفصلا عن الواقع. ويشير المؤلف إلى أنه من الضروري أن يتضمن الدستور مواد جديدة تعالج أوضاعا لم تكن موجودة من قبل، وتنص عليها دساتير أخرى عصرية، ومن ذلك أن يكون للمواطن حق دستوري في بيئة نظيفة خالية من التلوث الذي يهدد صحته، وما نعاني منه "من تلويث للنيل، من الصرف الصناعي والزراعي، وما تعترف به السلطات الرسمية من أن هناك قرى بأكملها تصرف صرفا صحيا غير مباشر، غير معالج في النيل، فضلا عن ظاهرة المئات من الأطنان من الأغذية الفاسدة التي تضبط وأصحابها يستوردونها تباعا، وتظل الظاهرة بلا توقف".
يؤكد "الغمري" أن مهمة الدولة الأساسية سعادة المواطن، حتى يكون إنسانا سويا يشعر بآدميته، وهذا يستلزم الدولة أن تضع على كاهلها رفع مستوى المعيشة، والارتقاء بحياة الناس، وحل مشاكلهم الأساسية واليومية، وإزالة المعوقات التي تكدر عليهم حياتهم، وضبط السلوكيات بالقانون، ومنح المواطن حرية الاختيار، وأن يكون شريكا مؤثرا في القرارات التي تخصه. ويقرر "الغمري" أن "الفرد الذي يشعر بالرضا وبالمردود السياسي للسعادة هو القادر على حماية الدولة الوطنية والارتقاء بها". وتحتاج مصر إلى برلمان حقيقي حر مستقل غير خاضع للسلطة التنفيذية، وألا يتوقف عند إغلاق باب المناقشة والانتقال
إلى جدول الأعمال، وإنما عليه أن يشكل لجان تقصي حقائق، ومناقشة ما تتوصل إليه من نتائج، وأن يكون البرلمان قادرا على سحب الثقة من الحكومة ومحاسبة الوزراء.
وللوصول إلى برلمان حقيقي لا بد أن يشعر المواطن أن صوته له قيمة، وهذا ما يدفعه إلى الذهاب إلى صندوق الانتخاب، أما التزوير فإنه يصرف المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم. ويؤكد "الغمري" أن الانصراف عن الإدلاء بالصوت ليس سمة أصيلة في المجتمع المصري، وإنما يرتبط بثقته في نزاهة الانتخابات والاستفتاءات، ويضرب مثالا على المشاركة الشعبية في الحياة السياسية بانتخابات مجلس النواب في يناير 1952، فقد كانت نسبة المشاركة في جداول الانتخابات 60,62%، مع ملاحظة أن هذه النسبة اعتبرت امتناعا عن التصويت، وبالمقارنة بانتخابات مجلس الشعب عام 2005، حيث نجد أن نسبة المشاركين في التصويت بلغت 25%  وأن نسبة الممتنعين عن المشاركة 75% في وضع استثنائي يتعلق بعدم الثقة في احترام صوت الناخب. ويؤكد "الغمري" أن عدم الذهاب إلى صناديق الانتخاب تسجيل لموقف وليس هروبا من المشاركة. ويوضح أن "هذا العزوف تحكمه كذلك تراكمات السنوات الخمسين الأخيرة لنظام سياسي له طبيعة استثنائية، زرع فيهم الشك بسبب تدخلات مباشرة للسلطة لصالح مرشحين بعينهم تقرر نجاحهم، وتزويرا في الانتخابات، انتهاء بنتائج تجافي العقل والمنطق والحقيقة، وزوال الفاصل في نظر الجماهير بين الدولة ونظامها السياسي وأن ما يريده النظام السياسي في وضع الاحتكار هو ما سيكون. وهذا بالضرورة يخلق حالة من الازدواجية النفسية؛ فالمواطن تواق للإصلاح السياسي، بينما تفاصيل العملية السياسية تغرس في نفسيته الشك من الإصلاح السياسي على الأقل في المستقبل المنظور".
هذا هو ما كتبه عاطف الغمري منذ سنوات قلائل، مؤكدا أن الشعب المصري يرغب في التغيير والمشاركة في بناء بلده وإصلاحه، لكن كانت تحول دون ذلك جحافل من الطغاة وأتباعهم من المزورين الذين يريدون بقاء الحال كما هو عليه، لأنه ليس من مصلحتهم أن تتغير مصر إلى الأفضل، وأن التغيير يعني أن تزيحهم الجماهير عن دائرة الضوء، لأنهم لا يستحقونها، واكتسبوها بآلة إعلامية تمارس التزييف وتضخيم الصور، ليبدو الأقزام وكأنهم عمالقة، لكن كلمة الشعب جاءت في النهاية لتعلن أن مصر يجب أن تتغير إلى الأفضل، وأن يزاح عنها التراب الذي يحجب وجهها المضيء.