نحو معايير جديدة

رأي الوفـــد

السبت, 21 مارس 2015 21:28
رأى الوفد

لعل في تأجيل الانتخابات البرلمانية ما يتيح لأطراف شتى مراجعة مواقفها، والعودة إلي مواقع أقرب إلي تحقيق المطالب الثورية، ودفع البرلمان المقبل إلي حيث مسئوليته الوطنية، كسلطة تشريعية تمثل تحولاً ديمقراطياً حقيقياً.

ففي الممارسات التي أظهرتها الفترة الأخيرة، حيث استعدادات أطراف العملية السياسية لخوض الانتخابات البرلمانية، بدت علي السطح ممارسات لا تشي بجديد في الموروث السياسي يمكن من خلاله الزعم بأن البرلمان المقبل سيحمل من المستقبل ذات العلامات التي حملتها خطوة إنجاز دستور جديد، وما تلاها من خطوة الانتخابات الرئاسية التي جاء بموجبها الرئيس السيسي.
وتشير دلالات قوية وصريحة إلي أن البرلمان المقبل بات مستهدفاً علي نحو خاص من بقايا الأنظمة الفاشية التي أسقطتها الثورة، في يناير ويونية علي التوالي؛ فلم يكن باستطاعة تلك الأنظمة العودة إلي المشهد السياسي من خلال الدستور أو الانتخابات الرئاسية، بينما الانتخابات البرلمانية، بما لها من طبيعة خاصة، يمكن أن تحمل في طياتها فرص عودة الأنظمة الفاسدة إلي حياتنا السياسية.
فليس أحدنا يزعم أن المال السياسي بات أمراً منسياً، ولا يمكن كذلك إنزال مفاهيم العصبيات والقبلية وصلات النسب والمصاهرة من عليائها فوق قمة المعايير الحاكمة لاختيار الناخب البرلماني، ولم يترفع الكثير من المرشحين عن كونهم نواب «خدمات»، فيما يشي بعدم إدراك «النائب» لما في الدستور من مواد مُؤكدة علي اللامركزية، ومُحرضة علي تقوية السلطات المحلية بما يجعلها في غير حاجة إلي نائب برلماني يحمل في حقيبته هموم دائرته الانتخابية، ساعياً إلي الصفوف الأولي حيث الوزراء يوقعون علي أوراق، بها مصالح الناس، وبقاء النائب ذاته.
والحال علي هذا النحو، باتت الثورة محل شك كبير؛ إذ ينهض البرلمان المقبل بمسئولية تاريخية بالغة الأهمية، في ظل ما حصل عليه من

اختصاصات وصلاحيات تم خصمها عمداً من الرئيس، دعماً لمبدأ توازن وفصل السلطات، كأحد المبادئ الأساسية للعملية الديمقراطية.
فضلاً عن المهمة الثقيلة الملقاة علي عاتق البرلمان المقبل، والماثلة في النهوض بثورة تشريعية تستوعب مجمل التغيرات المجتمعية التي أفرزتها الثورة، تلبية لنداء الملايين من أبناء الشعب علي حقوقهم المشروعة والغائبة منذ عقود طويلة؛ وبالتالي يعجز «نائب الخدمات»، وغيره ممن سيأتي بهم المال، وغيرهم ممن سيجلبهم لنا نسبهم وحسبهم، عن تبني متطلبات تلك الثورة التشريعية.
من هنا فمعيار جديد ينبغي أن يسود نظرتنا لمجمل أداء الأحزاب السياسية، بل وكافة القوى السياسية، فليس في إحصاء عدد مقاعد كل طرف في البرلمان ما يفيد أداء الدور الوطني علي نحو مسئول؛ ذلك أن «نوعية» النائب ينبغي أن تحصل علي درجة أعلي في التقييم، تتجاوز حدود إحصاء عدد المقاعد وصولاً إلي الإضافة الحقيقية التي سيقدمها كل تيار سياسي لمحتوى البرلمان من الكفاءات والكوادر السياسية القادرة علي النهوض بمسئوليات برلمان نصفه علي سبيل الدعم والتذكير بالمسئولية بأنه برلمان ثوري، ويبقي علي أعضائه تأكيد هذا المعني من خلال أدائهم داخل البرلمان وخارجه؛ إذا ليس لنا أن ننتظر برلمانياً يُعتد به داخل القاعة، دون متابعة ورصد أدائه العام، باعتباره رمزاً للسلطة التشريعية المنوط بها تجسيد القيم الإنسانية النبيلة التي أعلت الثورة من شأنها.
لهذا كله، باتت الآمال متراجعة، أمام الممارسات «المتقادمة» التي أشاعت للأسف جواً من «الراحة» لدى أوساط الرأي العام نتيجة تأجيل الانتخابات البرلمانية!!، غير أن لمسئولية النخب الثورية دوراً آخر، يؤكده عمل صادق وأمين، نعلي به من شأن البرلمان، إذ لا يمكن الوثوق في تحول ديمقراطي في غياب برلمان، ولكن أي برلمان؟... هذا شأن آخر، ومعيار آخر لنجاح الثورة.     

 

ا