رأى الوفد

قناعات ثورية

رأي الوفـــد

الثلاثاء, 15 أبريل 2014 22:01

لعل في طول المسافة التي تفصلنا عن الخامس والعشرين من يناير، وتزاحم الأحداث علي المشهد الوطني، وتساقط الأقنعة عن كثير من الوجوه، ما يكشف أمام الرئيس المقبل، حجم وحقيقة التحديات المحيطة بالوطن، قدر ما يشير كذلك إلي تعدد أعداء نجاحه، وتعاظم آمال شعبه المعقودة عليه.

بداية، ليس أقل من رؤية شاملة، ينتظرها الشعب من رئيسه القادم، في ظلها يبقي الحلم مشروعاً في نهضة تنموية شاملة. رؤية تضم وتحتوي مجمل القضايا التي تشكل في مجموعها الهم الوطني، فليس الوطن في فسحة من الوقت، لإعادة ترتيب الأولويات، أو تدارك ما قد يسقط من حسابات الرئيس المقبل.
ولا تحل الرؤية الشاملة محل كل جهد مخلص، يبتغي صالح الوطن، ويسهم في إنجاز بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، تلك الدولة المنوط بها تحقيق الطموحات الثورية، في حياة كريمة حرة.
ويخطئ من يظن أن النجاح في ملف وطني بعينه، يُغني عن إنجاز واضح في غيره من الملفات؛ ذلك أن منظومة الأمن القومي، وهي بالقطع المظلة الرئيسة لكل جهد وطني في المرحلة المقبلة، تضم في طياتها مختلف الملفات الوطنية، في تشابك شديد باتت تفرضه طبيعة العملية السياسية في صيغتها الديمقراطية.
فإذا كان النجاح في الملف الاقتصادي يشكل هدفاً براقاً يراود الجميع، وصولاً إلي تحقيق حياة كريمة تصعد بالمواطن المصري إلي مصاف الشعوب المتقدمة، فإن ذلك أمر يرتبط بجملة من الخطوات التشريعية والتنفيذية، تعيد الروح إلي المصانع المغلقة، وتتيح فرص عمل حقيقية ومنتجة، وتفتح الطريق أمام الكثير من الآفاق الاستثمارية الجديدة، وتهيئ لقطاع السياحة أسباب نجاحه، وليس لنا أن نتوقع نجاحاً في بلوغ ذلك الأمر دون إنجاز حقيقي علي طريق تحقيق الأمن، أمن المواطن والقضاء علي الإرهاب، علي حد سواء، وما يرتبط بذلك من مواجهة عمليات تهريب السلاح.
وليس في الاهتمام بالملفات السابقة، ما يبرر إهمال مواجهة تخلف الخدمات المقدمة للناس، خاصة في القطاع الحكومي منها، سواء في التعليم أو الصحة أو النقل، وغيرها من التفاصيل التي تشكل قوام الحياة اليومية للمواطن، وهي أمور تتطلب حكومة سياسية تمتلك من الرؤى المستقبلية ما تؤكد به شرعيتها كحكومة منتخبة، تعبر بصدق عن المبادئ الثورية التي جسدها الدستور الجديد، وليس للرئيس أن ينجح في ظل حكومة ضعيفة.
ثم لا يغيب عنا ما لبعض المناطق في الدولة من مشكلات ذات طبيعة خاصة، ينبغي أن

تحظي بقدر من الرؤى الإبداعية، نتجاوز بها حدود سياسات لطالما عجزت عن توفير الحلول الناجعة لها، وفي ذلك ليس علي سبيل الحصر نذكر النوبة، والصعيد عامة، وسيناء.
ويأتي «الفساد» ليحتل موقعاً متقدماً في منظومة التحديات التي تنتظر الرئيس المقبل، مثلما ظلت مكافحته هدفاً شائعاً ذائفاً في الخطاب السياسي الرسمي علي مدى عدة عقود، إلي أن تأصلت مظاهر الفساد وباتت عنصراً أساسياً لا يغيب عن مختلف القطاعات، حتى ذاع أن المؤسسة العسكرية هي الاستثناء الوحيد الذي نملكه في هذا الشأن، وهو أمر له مردوده السلبي علي كافة مناحي الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولعل من الجدير بنا هنا أن نؤكد أن الفساد، بمختلف أشكاله، وإن كان وثيق الصلة بالنفس البشرية؛ ومن ثم لا يخلو منه مجتمع، إلا أنه يرتبط إلي حد كبير بغياب دولة القانون، ويجد بيئته الحاضنة المفضلة متى انعدمت أو ضعفت الشفافية، وانحسرت مبادئ المساءلة والمحاسبة، وغيرها من الشواهد بالغة الدلالة علي ضعف الممارسة الديمقراطية، وعليه فإن استمرار الفساد، علي نحو ما عهدناه، يؤشر بوضوح إلي أن المسار الثوري ليس في الاتجاه الصحيح.
والحال كذلك، فإن فعالية السياسة الخارجية لمصر، والحديث عن قدرتنا علي استعادة الثقل المصري الكبير، كقوة إقليمية عظمى، تظل رهناً بقدر الإنجاز علي مستوى المشهد الوطني، فليست السياسة الخارجية إلا نتاج العملية السياسية في الداخل، وما يحكمها من سياسات عامة.  
وعلي الرغم من ضخامة ما ذكرناه، إلا أنه لا يأتي علي سبيل «الحصر» لمختلف القضايا والتحديات التي تنتظر الرئيس المقبل، وربما كان في ذلك ما يدفع بنا إلي تبني قناعات ثورية، تشهد علي صدق انتمائنا للقيم التي ضحي من أجلها شهداء الثورة، وظلت تحملها القوى الوطنية الثورية المخلصة.
فليس صحيحاً أن رؤية، وإن كانت شاملة، وجهداً، وإن كان مخلصاً، يمكن أن يفي بوعود الثورة ما لم يستند ذلك إلي قناعات ثورية حقيقية.
قناعات يدرك بموجبها الرئيس المقبل أن المعارضة الوطنية القوية، أصدق مرآة لنظام حاكم قوى، وأن شرعيته مستمدة من شرعية ثورة يناير المجيدة، وامتدادها التصحيحي في الثلاثين من يونية.
قناعات نُنحي بها جانباً عن مسيرة الركب الثوري الوطني مختلف أعداء الثورة، من أتباع مبارك وبديع علي حد سواء.
قناعات بموجبها يؤمن الشعب، علي وجه اليقين، أن طموحاته في حياة كريمة حرة، باقية رهن الإنجاز، طالما ظل حائزاً لثورته.                
«الوفد»