عباءة الثورة

رأي الوفـــد

الاثنين, 06 يناير 2014 00:35
رأي الوفد

تحفل تجارب الثورات الشعبية بكثير من السمات المشتركة التي تشير إلي أن عباءة الثورات الشعبية تتسع لتفسح المجال لتيارات هي أبعد ما تكون عن فكر الثورة، بالتخفي داخل صفوفها، وقد تنجح تلك التيارات الراكدة في التقدم نحو صدارة المشهد الثوري، كما فعلت جماعة الإخوان الإرهابية التي لا تعترف ركائزها الفكرية بمفهوم الثورة!.

والواقع أن الثورة المصرية عانت كثيراً جراء انضواء الكثير من «الراغبين» تحت لواء الثورة ممن ليسوا علي صلة حقيقية بجوهرها، فضلاً عن البعض ممن لا يحمل تاريخهم الوطني دليلاً علي رؤية سياسية تنتصر لمبادئ نادت بها الثورة المصرية، بل وصل الأمر، مع مهارة البعض في التلون، وانخفاض منسوب الحياء السياسي، إلي حد رفع رايات الثورة من قبل تيارات قامت الثورة بالأساس للتخلص منها، وأخرى تضررت كثيراً جراء الثورة!.
والحال كذلك، فإن المرحلة الانتقالية التي تعقب الثورات الشعبية، غالباً ما تفرز الجديد من الوجوه السياسية، وكثيراً ما تتيح فعالياتها جملة من الأدوار السياسية المُستحدثة، فإذا ما أضفنا إلي ذلك ما يحيط بالمرحلة الانتقالية من التباس وغموض، وما يعتريها من عمليات استقطاب، وتحالفات واسعة تبدو في كثير من الأحوال لا تنسجم والمنطق السياسي، فإن المرحلة الانتقالية تفتقر إلي مقومات البيئة المناسبة لإجراء عمليات الفرز الوطني، بما يتطلبه ذلك من رصد دقيق لمواقف ورؤى كافة الأطراف السياسية تجاه تفاصيل عملية التحول الديمقراطي.
   ومن هنا ينبغي توخي الحذر فيما يتعلق بإصدار أحكام «نهائية» من شأنها إهدار مواقف مشهودة لطالما صنعت لأصحابها تاريخاً لا يمكن تجاوزه بنظرة موضوعية، وإن أخطأ البعض من هؤلاء في بعض خطواتهم المرحلية، إن لم تنتقص أخطاؤهم من جوهر ومضمون مواقفهم الوطنية المخلصة.
علي النقيض من ذلك، فإن المرحلة الانتقالية لا ينبغي أبداً أن تحمل في طياتها ما يمكن أن يمرر عودة رموز نظام فاسد، لا يبقي

من الثورة شيء إن هي أفسحت لهم مكاناً بين صفوفها، وقد كانوا رقماً صحيحاً فاعلاً في معادلات الظلم الاجتماعي التي اختزلت كافة القضايا الوطنية الأساسية في رغبة حفنة من الصغار في البقاء علي منصة الحكم علي غير سند شرعي من قدرة علي تقديم إنجاز حقيقي.
وبالتالي فإن ضبابية المشهد الحالي لا ينبغي أن تحجب عن الرأي العام رصد تسلل رموز الفساد إلي داخل الصف الوطني، وكما أن عضوية الجماعة الإرهابية تكفي مبرراً لإقصائهم بعيداً عن الحياة السياسية، فإن رموز نظام مبارك الفاسد لا تكفيهم مشاركتهم الشعب في كراهية حكم الإخوان لغسل تاريخهم الملوث بدماء ومعاناة الشعب المصري علي مدى عقود طويلة.
فكما نهضت الملايين في الثلاثين من يونيو لاستئصال كافة تداعيات خلط السياسي بالديني؛ ومن ثم بات علي الجماعة الكف عن تدابيرها الرامية إلي التخفي وراء أحزاب لا تشكل لها إلا الظهير السياسي والاحتياطي الاستراتيجي، فإن مبادئ الثورة الأم التي تفجرت في الخامس والعشرين من يناير لن تسمح بعودة رموز نظام مبارك الفاسد، وقد كان لهم أدوارهم المشهودة والواضحة في منظومة الفساد التي هبت الثورة في مواجهتها؛ ومن ثم فتلك الأطراف قد اتخذت مواقفها المعادية للمصالح الوطنية عبر تاريخ طويل مستقر وواضح الرؤى لا التباس فيه، فتخيرت مواقعها المتدنية لدى الرأي العام مقابل مصالح ذاتية شاع بينهم الإعلاء من شأنها فوق الاعتبارات الوطنية.
وعليه.. فإن القوى الثورية الحقيقية لا ينبغي أن تسمح لمقتضيات الصراع السياسي بتمرير عودة رموز نظام مبارك الفاسد، قدر حرصها علي مواجهة خطر تسلل أعضاء الجماعة الإرهابية إلي المشهد السياسي.
الثورة إذن، وإن كانت فكرة مُلهمة، لا يمكن تبسيطها إلي الحد الذي تصبح عنده مجرد وجهة نظر، تتسع عباءتها لمزايدات يجرى بموجبها تناول المصالح الوطنية باعتبارها متغيرات سياسية خاضعة لمستجدات موازين القوي في الشارع السياسي.
«الوفد»