رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

في حرب غزة بين حماس و إسرائيل: خلط الحقيقة بالخرافة

د. يـس العيوطي

السبت, 09 أغسطس 2014 12:01
بقلم د. يس العيوطي

حماس لا تعترف بحق إسرائيل في الوجود. و لكن إسرائيل موجودة علي الخريطة فعلاً، بغض النظر عن ظروف خلق تلك الدولة. فهي عضو في الأمم المتحدة، و لها معاهدتي سلام مع كل من مصر و الأردن، و هي طرف في معاهدة أوسلو لعام ١٩٩٣ رغما عن أنف نتانياهو، و هي طرف في المفاوضات المعلقة حاليا مع السلطة الفلسطينية التي تعتبر الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني برمته.

ننظر الأن إلي اسرائيل. يطالب نتانياهو بأسمها من حماس "لكل رد مقابل" و يسمي هذه الصيغة تسمية لا محل لها من الأعراب في عرف الصراعات قائلا "الهدوء مقابل الهدوء" و هو ضحية لخرافة نسيان او تناسي أن إسرائيل تطوق عنق غزة بطوق من حديد منذ عام ٢٠٠٧ و إنه لابد أن يعي أنك لا تستطيع أن تخنق عدوك و تطالبه في نفس الوقت أن يكف عن المقاومة و يدعي نتانياهو أن الحصار الإسرائيلي الخانق لغزة هو من ضرورات الأمن الإسرائيلي غير أن إسرائيل تدافع عن نفسها من داخل أراضيها و هي أرض لا تضم غزة أو الضفة الغربية إلا في أحلام اليمين الإسرائيلي.

لقد أوضح التاريخ و هو المعلم الأول أن الأمن الإسرائيلي لا يتأتى إلا عن طريق واحد، هذا الطريق لا يمر بنقاط الغلبة العسكرية إذ لإسرائيل خامس أقوي جيوش العالم بعد أميركا و روسيا و الصين و الهند. إنه طريق يبدأ و ينتهي في إطار معاهدات سلام مع الأطراف الأخري. و مازال الشعب الفلسطيني في إنتظار معاهدة سلام معه منذ منذ عام ١٩٩٣ (أوسلو) و لكن دون مجيب. علي إسرائيل أن تفيق من أحلامها و خرافات حكوماتها لتدرك حقيقة ساطعة لا تختلط بخرافتها. تأجيل التعاقد القانوني في إطار معاهدة سلام مع الفلسطينيين هو بمثابة تأجيل لأمن إسرائيل.

نعود إلي حماس و هي حركة تمرد ضد السلطة الفلسطينية منذ عام ٢٠٠٦ غير أن تلك السلطة الفلسطينية رغماً عن إصابتها بدائين مزمنين و هما الفساد المتفشى و عدم وضوح الرؤية القومية لأهدافها قد حظيت بإعتراف الأمم المتحدة بها كدولة مراقب في مجموع عضويتها. علينا أن نذكر دائماً أن حماس قد طردت السلطة و فتح من غزة ب "الدراع" (بالقوة المسلحة) راكبي موجة من السخط الغزّاوي ضد الفساد الذي ينخر دائماً و حتي يومنا هذا في عظام السلطة في رام الله. و لكن رغماً عن ذلك النصر الحمساوي ( و هو ليس بالنصر الغزاوي) لم يضف شعرة مشروعية واحدة علي الثوار الحمساويين. هم ليسوا حكومة في المنفي و هم ليسوا ممثلين لكل أهل غزة و هم ليسوا المتحدثين أو العالمين باسم الشعب الفلسطيني.

و إذ تسمي حماس نفسها "حركة المقاومة الإسلامية" فماذا تركت من مساحة أعتراف بالمسيحيين الفلسطينيين الذين هم مع المسيحيين في سوريا و لبنان الأباء المؤسسون لحركة القومية العربية في المشرق العربي؟ أين أولئك العرب في الإطار الحمساوي الموحد؟

إن سلسلة الخلط بين الحقيقة و الخرافة في الحرب الحاضرة بين حماس و إسرائيل لا تنتهي هنا. إن تلك السلسلة حلقات و حلقات. من تلك الحلقات المبكية المضحكة تهديدات إسرائيل بإحتلال غزة عسكرياً من جديد!! ما شاء الله!! لقد أدعي أرييل شارون حين سحب قواته و مستعمراته من غزة أنه فعل ذلك نزولاً علي الرغبة في السلام الإسرائيلي الفلسطيني. إن الحقيقة التاريخية هي أن الأنسحاب الإسرائيلي من غزة كان من أجل وضع حد لسيلان الدم الإسرائيلي في غزة نتيجة لضربات الأنتفاضة الفلسطينية التي بلغت أشدها في عام ٢٠٠٥ في القطاع. و لكن وهج خرافة اليمين الإسرائيلي يعميه عن هذه الحقيقة التي يحرفها و يطورها لمصلحته التوسعية بالقول ؛ أن الانسحاب من غزة أدي إلي تسليم القطاع لجلادي حماس، و لذا يجب إلغاؤه بإحتلال إسرائيلي جديد للقطاع!!
ما هي حدود الأمن الإسرائيلي؟ ما هي جغرافيته؟ ما هي معالمه؟ ما هي إمتدادته اللا نهائية؟

إن الغلبة الإسرائيلية العسكرية تعمي قوادها عن حقائق تأكدت في الحرب مع حزب الله في الجنوب اللبناني عام ٢٠٠٦ قبل أن تنفضح في الحرب الإستيطانية في غزة عام ٢٠٠٥ و لما لا جدال فيه أن عودة الرعونة الإسرائيلية إلي سابق عهدها بإحتلال غزة عسكرياً هي طريق مسدود أرصفته سوف تلطخها الدماء الإسرائيلية الفلسطينية طيلة أمد ذلك الإحتلال. لقد قمت بتدريس الإستراتيچية في جامعة نيويورك في السبعينات بعد أن درست أصولها كناطق بأسم الأمم المتحدة أثناء حرب الأستقلال الجزائرية في أواخرها أي في أوائل الستينات. و أدرك أن ديموغرافية غزة الكثيفة هي خير إطار لحرب العصابات. بل في أستطاعتنا القول إن أسلحة الدمار الشامل التي يملكها أهل غزة هي الغابة البشرية التي تضارع الغابات الطبيعية التي جعلت "الڤيتكونج" ينتصرون علي أقوي جيوش العالم في السبعينات، و هي الجيش الأمريكي المحتل الذي خسر ٥٥ الف جندي أمريكي رغما عن أسلحته المتعددة بما فيها الأسلحة الكيماوية . إذاً لم يكن إنسحاب شارون من غزة مكرمة إسرائيلية من أجل السلام، بل كان ضرورة قومية لحقن الدماء الإسرائيلية التي تدفقت في غزة و خاصة في محيط المستوطنات التي أقيمت تحدياً للقانون و الأعراف الدولية.

ليست الرعونة قاصرة علي إسرائيل في حربها الحاضرة ضد حماس في غزة. لحماس قسط كبير من تلك الرعونة في ما يمكن أن أسميه مع الفارق "حرب رمضان الثانية" و الفارق هو "حرب رمضان الأولي" و هي العبور المصري إلي سيناء عام ١٩٧٣. رفضت حماس المبادرة المصرية لوقف إطلاق النيران، و قالت "ببجاحة" إن حماس لم تستشر قبل أعلان تلك المبادرة !! يا سلام !! إن كانت حماس معنية بشكل جدي بكثافة الخسائر البشرية بين المدنيين في غزة (١٦٠٠) حتي يومنا هذا فما هي أهمية مكالمة تليفونية من القاهرة إلي سراديب زعمائها في غزة لحقن الدماء؟ يبدو أن الأهتمام الأول لحماس هو إعتراف القاهرة بها فحسب !!

لقد أعلنت القاهرة لأسباب جوهرية تتعلق بأمن مصر، و علمانية مصر، و تقدم مصر، و رفعة مصر، أن الإخوان المسلميين منظمة إرهابية، و ذلك منذ شهر  ديسمبر ٢٠١٣. غير أن حماس ضلوعاً منها مع الإخوان، و هي ربيبتهم و محظيتهم، أن تدخلها الإرهابي المسلح في الشأن المصري الداخلي، هو أهم من الأمن و الإستقرار في مصر. كشرت حماس عن أنيابها الإرهابية و تعاونت معها مؤسساتها الأخري مثل "أنصار بيت المقدس" في وجه عرين الأسد المصري المسلح في عقر

داره. أعتدت بالقتل و الخديعة و الكر و الفر علي قوات الأمن المصري في سيناء، من جنود إلي شرطة إلي حرس الحدود، حتي إلي السياح الأجانب. حاولت التوسع داخل سيناء، و هي جماعة غير معترف بها في رام الله. مصر لم تبدء بالعدوان. حماس أرتكبت أفظع أخطائها بالعدوان علي مصر التي لم تقبل ضم غزة إلي الأراضي المصرية خلال الوجود المصري في القطاع من عام ١٩٤٨ حتي عام ١٩٦٧. لماذا؟ لأن القاهرة رأت أن قيام الدولة الفلسطينية مستقبلاً لن يتجسد في حالة التوسع المصري جغرافيا شمال رفح. لكن حماس لا تتعامل بهذا المنطق الغريب عليها، فخيل لها أن مصر الأسيوية في سيناء هي لقمة سائغة لتصبح أمتداداً لغزة و منصة لضرب إسرائيل منها.

أما و الأمر كذلك، فيكف لا تتعامل القاهرة مع حماس كإمتداد أرهابي للإخوان المسلميين عبر سيناء؟ حينما سئلت عن رأيي القانوني في أجتماع بمقر حزب الوفد رأسه الدكتور السيد البدوي في القاهرة منذ عدة سنوات في مسألة تدمير الأنفاق بين غزة و سيناء، نظر إلي الأخ السفير عبد الرؤوف الريدي قائلاً: أرجوك أن ترد بصراحة بأعتبارك المستشار القانوني لهذه الجلسة في حزب الوفد. فقلت " علي القوات المصرية أن تدمر تلك الأنفاق لأنه غزو لمصر و أعتداء علي سلامة أراضيها" و كانت القوات المصرية قد بدئت تلك العملية قبل سقوط مبارك. و حينما جاء مرسي بحكمه الإسلامي إلي سدة الحكم في عام ٢٠١٢، "سلمت أيادي جيش بلادي" و يحول معبر رفح إلي طريق سريع عدا الأنفاق لتهريب الأسلحة و البضائع و الإرهابيين. لم يتوقف ذلك المد الحمساوي داخل  مصر الأسيوية إلا بعد طرد رأس البلاء من قصر الأتحادية، و إزهاق روح الأسلمة المتشددة التي كادت في عام واحد من الحكم إلي تردي شخصية مصر التاريخية و تحولها إلي أمارة إسلامية علي ضفاف النيل!! و فجأة وجدت حماس أن رصيدها المالي من دخلها السنوي غير المشروع عن طريق غزو مصر عن طريق الأنفاق و معبر رفح قد أنخفض فجأة بمقدار نصف مليار دولار . و بهذا أنتهي عصر الأتاوة الحمساوية!!

فسرت إسرائيل تلك الأعمال الدفاعية من جانب مصر في سيناء علي أنه تعاون معها من جانب القاهرة في تضييق الخناق الإسرائيلي علي غزة. تحليل لا محل له من الأعراب إلا في ذهن اليمين الإسرائيلي الذي لهث جاهداً لإضفاء مشروعية علي حصار غزة عن طريق تغيير اللافتة من "حصار إسرائيل علي غزة" إلي "حصار إسرائيل و مصر علي غزة" . و يالها من حماقة طواغيت الدعاية الإسرائيلية. مصر لا تمد يد العون لجعل الحصار علي غزة مشروعاً و مقبولاً . دفاع مصر عن نفسها لا يحيله  بشكل  من الأشكال إلي توسيع مساحة بنود معاهدة السلام مع إسرائيل. إن ميثاق الأمم المتحدة ضد إبادة الجنس يتضمن جعل الحصار إبادة جنس من الدرجة الثانية تلي القتل الجماعي للبشر بطريق مباشر. لا يد للقاهرة في هذا العمل النجس قانونياً. أغلقت مصر منافذ الغزو الحمساوي درءاً لأخطاره علي الأمن المصري. و تعاونت حماس مع إسرائيل في تشجيع تغيير لافتة الحصار علي غزة بإقحام اسم مصر سعياً وراء أهدافهما الدعائية الرخيصة. و كل يغني علي ليلاه !! و أبسط دليل علي عدم ضلوع مصر بأعمالها الدفاعية داخل أراضيها في سيناء في حصار غزة أن ليس للقاهرة يداً في محاصرة موانئ غزة البحرية و الجوية. بل ليس لها أي دخل بالصلف الإسرائيلي ضد غزة إذ تطلب إسرائيل تسجيل كل المواليد في غزة في سجلات إسرائيل !! بل إنني حين زرت قطاع غزة في الستينات لتفقد القوات الدولية باسم الأمين العام للأمم المتحدة، لم تستقبلني قوات مصرية علي الحدود بين غزة و مصر بل قوات فلسطينية في فترة الأدارة المصرية في غزة.

في ظل هذه الظروف لماذا يبلغ الغباء بحماس حد المطالبة بتعديل شروط المبادرة المصرية الأخيرة لوقف إطلاق النار بين حماس و إسرائيل بإضافة شرط غير مقبول مطلقاً للقاهرة الا وهو فتح معبر رفح علي الواسع (نقول ثور يقولون احلبوه!!) كيف يكون ذلك و القاهرة قد صنفت حماس و لأسباب مشروعة، عدواً و منظمة ارهابية؟ هل يعقل و إسرائيل تكيل الضربات المميتة لا لحماس فقط بل للأبرياء الفلسطينيين في غزة، الا تطل حماس من خنادقها العميقة لتفرض شروطاً علي مصر لا يمكن للقاهرة بعد انتهاء حكم المتأسلمين في مصر أن تقبلها؟ إن الضرير السياسي لا بد أن يدرك أن القاهرة بثورتها الثانية في يونيو ٢٠١٣ قد عادت إلي مصريتها الأصلية؛ مدنية، وطنية، مهتمة بإصلاح شأنها الداخلي كأولوية، عازفة عن مغامرات الماضي الأنقلابي من بداية عهد عبد الناصر إلي نهاية عهد مبارك الذي غض بمغامرات العروبة و التدخل في الشئون العربية خارج حدود مصر. و كل هذا لم يعد علي المواطن المصري إلا بالتخلف الاقتصادي و الغلاء و العشوائية و البلاء و هجرته إلي الخارج لكسب لقمة العيش. تناقض وضعت ثورة ٣٠ يونيو حداً له بأن قالت مجالنا هو "مصر أولاً" و هتافنا "تحيا مصر"، و جيشنا للدفاع عن مصر، اعمالاً للمقولة ؛ "الأقربون أولي بالمعروف" ، وليس أقرب  من الأقربين سوي أهالينا.

من هم أهالينا الذين هم أولي بالمعروف؛ بدو سيناء، الأقباط، النوبيون، الأقلية الشيعية، المرأة، سكان واحاتنا المجاورة لحدود ليبيا المشتعلة، عشوائيتنا، و شبابنا المتعطل!! في هذا الاطار من التمصير الجديد، تري القاهرة في التدخل من الخارج شراً لا بد من دحره!! و لذا وصفت القاهرة في تعاملها مع "معبر رفح"

لا جسراً مفتوحاً بل نقطة حدودية لا يتخطاها من غزة سوي الجريح الفلسطيني، و هذا انفتاح لضرورة أنسانية. و هناك انفتاح أخره قبول أعضاء من داخل القاهرة و لكن في إطار يتمشي مع سياسة مصر في سحب المشروعية من حماس عن طريق دخول الحمساوي كجزء افراد وفد السلطة الفلسطينية (رام الله) من أجل تفعيل حقن الدماء في غزة. لا تورط بعد الأن في أدخال حماس إلي مصر من الباب الخلفي، باب المفاوضات حول شروط وقف اطلاق النار، بعد أن اوصد الباب الرئيسي أمام الخارجين علي قوانيين و أعراف التعامل مع السيادة المصرية. و لن يجدي حماس شيئا بأن تدعي.  صلة الأشقاء مع مصر، اذ هي حماس قد خرجت من رحم الإخوان المسلميين الذي عفي عليهم الزمن منذ إنهاء الإمارة في رابعة و النهضة في أغسطس ٢٠١٣ تأكيداً للشخصية المصرية التاريخية.

و ليس العمي الدبلوماسي بقاصر علي حماس فحسب، بل هو داء يعتري إسرائيل أيضاً. رفض نتانياهو بلكنته الأمريكية و ردد متحدين الرسمي مارك رجيف بنفس اللكنة، التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية (الضفة و غزة) التي أعلنت في أبريل ٢٠١٤. عذر هذا الرفض أقبح من ذنبه. قالت "لا تفاوض مع حكومة تضم ارهابيين (اي حماس)". ما شاء الله علي العنجهية!! ليس لإسرائيل و لا للسيادة الإسرائيلية داخل أراضيها في نطاق الخط الأخضر أن تملي علي المفاوض الفلسطيني عناصر تمثيله. هذا هوس مكعب "هوس قانوني و سياسي و دبلوماسي" إن حكومة إسرائيل التي تضم وزراء بلغ بهم الجنون حد المطالبة بضم الضفة الغربية و غزة إلي إسرائيل. إن كان عباس (أبو مازن) لا يستطيع الأملاء علي مكونات الحكومة الإسرائيلية، فبنفس المعيار ذاته لا يستطيع بيبي نتانياهو أن يملي علي مكونات الحكومة الفلسطينية الجديدة.

إن ذلك الفيتو الإسرائيلي علي مكونات حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية مهما بلغت من الهشاشة و التناقض بين أعضائها هو بمثابة أستمرار لحقيقة الحصار علي الفلسطنيين و لخرافة في الوقت ذاته و هي ؛ ليس لإسرائيل من شريك فلسطيني للتفاوض من أجل السلام، حقيقة و خرافة في الأمر ذاته و خلط أنتقائي للتمويه علي الحقائق في المحيط العالمي. لو كان نتانياهو جاداً في السعي المشروع لحماية الإسرائليين من شر حماس لقبل تلك الحكومة الفلسطينية تطويقاً لمناداة حماس بعدم مشروعية الدولة الإسرائيلية. التفاوض يضفي المشروعية و هذا ما عمدت حكومة السادات اليه في المفاوضات في ديسمبر ١٩٧٨ في فندق مينا هاوس التي ترأسها الصديق المرحوم الدكتور عصمت عبد المجيد و ذلك برفع العلم الفلسطيني علي مائدة المفاوضات مع الوفد الإسرائيلي و ترك مقعد شاغر عليه أسم فلسطين. و رفض عرفات أنتهاز الفرصة، و منع ممثليه من تلبية مناشدات مصر له بالحضور، إذ رأت القاهرة و هي عمدة قوانيين العلاقات الخارجية (وزارة الخارجية منذ عام ١٩٢٢) أن مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في الجلسة سيفرض علي إسرائيل الأعتراف الضمني بمشروعية المنظمة. و لكن هيهات!! ذهب العقل الفلسطيني في أجازة طويلة، و حلت محله الحنجوريات و الصرخات في الهواء، و الصفير في ليل الجهل الدامس!!

هذه الخلخلات تضرب أيضاً بأنيابها في جسد حماس و التفتت بين مكوناتها ظاهر للعيان، و ذلك رغما عن المحاولات اللفظية الأكروباتية التي ينبغ فيها خالد مشعل. ظهر هذا النبوغ في لقائه التليفزيوني مع المقدم شارلي روز (قناة CBS و قناة رقم ١٣ بنيويورك) سأله روز المفكر التلفزيوني المخضرم عمن يقود حماس؛ الجناح السياسي ام الجناح العسكري؟ رد مشعل بلسان المترجم: " الجناح السياسي". أختلف معه روز، و تمسك مشعل برأيه الذي تعوزه المصداقية. و جاء روز من جانب خطير أخر : "إذاً باعتبارك رئيس الجناح السياسي لحماس لماذا تقيم في قطر بدلاً من الإقامة  في غزة أو الضفة؟ و مرة أخري يجد خالد مشعل المخرج في مجافاة الصدق فقال "إن الفلسطنيين في كل مكان" !! خلط الحقيقة بالخرافة ظاهر في أجابات مشعل. دع الأبرياء في غزة يموتون بالمئات، اما انت فأنعم بأقامتك الوثيرة في قطر!!

و لكن الأفتراء علي الحقائق ليس قاصراً علي مشعل، إذ هو داء تمتد أعراضه أيضاً إلي الخيال الإسرائيلي المريض. ذلك لأن ذلك الخيال يصور لإسرائيل أن ممارستها خارج الخط الأخضر التي تتعدي إلي الأراضي الفلسطينية بدون أي أتفاق لتعديل ذلك الخط لأن تؤثر عليها أية تحديات،او  أية أنتفاضات أو أية أعمال عدائية لن يقدر لتلك الممارسات النجاح و لن يعني إسرائيل أو يجلب لها الأمن و الأستقرار أية من تلك المظاهر و الممارسات. لا الاحتلال، و لا الغلبة العسكرية، و لا الحصار الجهنمي لغزة، و لا التوسع المضطرد الزاحف عبر بناء المستوطنات في الأراضي التي أحتلتها إسرائيل بقوة السلاح منذ عام ١٩٦٧، و لا العلاقة الأستراتيچية المميزة امريكا، و لا المفاوضات التعسفية، و لا خرافة السماح لقوات إسرائيلية بالتواجد في الأراضي الفلسطينية بعد التوفيق في حل الدولتين، و لا أحتكار وسائل الإعلام العالمية الهامة. بل من المضحك المبكي في تلك الممارسات منادة نتانياهو الي الغزاويين ب "الهدوء مقابل الهدوء" مع استمرار الحصار. إذ هي دعوة للتسليم بدون شروط. بدون حل الدولتين سيفرض الواقع علي الإسرائليين و الفلسطينيين أن يكونوا معا ضحايا لحروب لا نهاية لها.

واقع الأمر أن عصر القيادات الموهوبة في منطقة الصراع قد أنتهي. لا يوجد سادات و لا بيجِن الذين توصلا إلي أتفاقية سلام عام ١٩٧٩. و حينما أغتالالإسلاميون السادات في أكتوبر ١٩٨١ عقاباً له علي تلك الخطوة التاريخية، شارك بيجِن في جنازته. و شاركت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات في ذلك الحدث أيضاً إذ أعلنت "بارك الله اليد التي شدت الزناد". لو كانت القيادة الفلسطينية في ذاك الوقت قيادة ملهمة لقبلت مناشدات السادات بالمشاركة في مفاوضات السلام في عامي ١٩٧٨ و ١٩٧٩. و لو فعلت لكان علم فلسطين يرفرف الأن عالياً فوق دولة فلسطين.

الواقع التاريخي المر للفلسطينيين يتمثل في عدم نشوء زعامة أيقونية موحدة ذات أهداف قومية واضحة، طيلة فترة الأنتداب البريطاني علي فلسطين (١٩٢٠١٩٤٨)، دأب المجتمع اليهودي في فلسطين علي تكوين مؤسساته القومية لبناء دولته فيما بعد. أما الفلسطينيين في تلك الفترة، فقد تفرقوا شيعاً علي الطريقة القبلية بين أثرياء الأرض و ملاكهاو خاصة بين عشيرة النشاشيبي و عشيرة الحسيني في صراع علي السلطة. لا مؤسسات، لا برامج، لا تعبئة للقوي الوطنية في تلك المرحلة الحاسمة. لم يحظ الفلسطينيين أبداً بزعامة سلام في شخص مثل نيلسون مانديلا، و لا بزعامة مقاومة مثل "هو شي من" و تحولت النزعة القبلية الفلسطينية إلي تصويب العداء ضد العرب الأخريين: في عام ١٩٦٩ ضد لبنان مما أدي إلي أتفاقية القاهرة لذلك العام بتحريم حمل السلاح في الأراضي اللبنانية، في عام ١٩٧٠ ضد الملك حسين في الأردن، في عام ١٩٨١ ضد لبنان مرة أخري، في عام ١٩٩٠ ضد الكويت و السعودية و ذلك بمعاناة عرفات لصدام حسين حين غزو الكويت، و في الأعوام التالية بغزو سيناء من الأنفاق من غزة إلي سيناء المصرية أنتهت بتطليق مصر لحماس. تاريخ بائس من القبلية لا القومية.

و لكن هل يأتي الوقت حينما تسمح الظروف بتلاقي حماس و إسرائيل؟  نعم لا بد آت و لكن في شكل صور قادتهم معلقة في أبهاء حالات التاريخ الفاضح جنباً إلي جنب لأمراء الحرب و الدمار المتبادل. و هذا مصيرهم إذ اعتنقوا و آمنوا بأن الغير غير موجود، و أن القدر في جانبهم. جروحهم من أفعال أنفسهم، و جروح الأخريين التي أحدثوها بغبائهم ستظل مفتوحة لا تندمج في انتظار نوبة أخري من حروب إبادة الجنس.

*** الدكتور يس العيوطي هو المستشار القانوني في نيويورك و أستاذ القانون الدولي المتفرغ في جامعة ستوني بروك و أستاذ القانون الاسلامي و الامن الدولي في جامعة فوردهام و مدير عام الشئون السياسية السابق في الأمم المتحدة و ممثل المجلس المصري للعلاقات الخارجية في امريكا و له ١٠ كتب منشورة بالعربية و الأنجليزية حول القانون الدولي و السياسة