تشكيلات جديدة فى الوعى والسلوك!

د. يحيي الرخاوي

الأربعاء, 17 أغسطس 2011 11:49
بقلم : أ.د. يحيى الرخاوى

(1)قالت البنت لأخيها: ألم أقل لك؟

قال أخوها: قلت لى ماذا؟

قالت: قلت لك إنها أمريكا.

 

قال: وأنا قلت لكِ مائة مرة، لا تحرمينا من بطولاتنا بتفكيرك الغبى هذا، نحن عملناها، ونحن أولى بها.

قالت: بذمتك: هل يعنى أمريكا من كثرة حبها لشبابنا وناسنا، تقدم لنا كل هذه الديمقراطية لنطير بها طيرانا فى سماء الحرية؟

قال: ولم لا؟

قالت: وفلسطين؟ والعراق؟ وأفغانستان؟، وعبر طول تاريخها الأسود الحديث؟

قال: بطلى بقى، كفى، إنها البلد التى ترعرعت فيها حقوق الإنسان.

قالت: حقوق من؟!! تقصد حقوق الإنسان الأمريكى! وحتى الإنسان الأمريكى فقسها، والشريف منهم يعريها بلا تردد.

قال: تقصدين ماذا؟ هل كان عاجبك الحقوق التى كنا نتمتع بها فى عهد صاحبك الله يخيبه؟

قالت: نحن لم نكن نتمتع بحقوق، وبالتالى لم نكن نقوم بواجبات،، لكننا لم ندّع أننا نصدِّر حقوق الإنسان للصين أو السعودية.

قال: أمريكا لا تفرض حقوق الإنسان إلا على من يطلب استيرادها.

قالت: .. والفيتو الذى تستعمله كل خمس دقائق لسحق المستضعفين؟ طالما هناك فيتو، وطالما أن هناك إعداماً دون محاكمة بأمر مجلس وزراء احتلال رسمى، وهى تدعم ذلك سرا وعلانية، فكل ما تصدره هذه الأمريكا لنا مضروب مضروب

قال: هى لا تدعى تصدير الحرية، هى تسوّق الديمقراطية.

قالت: وحتى الديمقراطية عندها محسوبةٌ نتائجها للأكثر مالا على حساب الأكثر غفلة.

قال: هى لا تفرض نظاما بعينه، هى مع التغيير حيثما اتجه.

قالت: لا يا شيخ؟ هل تذكر حكاية «نهاية التاريخ» هل تعرف ماذا تعنى؟ معناها إحالة مبدأ التغيير إلى التقاعد، أو إطلاق الرصاص عليه مثل خيول الحكومة الكهلة، التغيير يعنى التغيير، وقد قرروا أن تنتهى رحلة التاريخ عند نظامهم، فعوْلموا العالم.

قال: أمريكا لم تعلن نهاية التاريخ، هو كتاب كتبه واحد أمريكى، من أصل يابانى، وقد تراجع عنه.

قالت: تراجع عن بعضه فى مقال أو اثنين، فى حين تمادى تطبيق أفكاره عبر العالم.

قال: يا شيخة؟! حرام عليك، لماذا هذا التعميم؟

قالت: حتى العملة يريدون أن يوحدوها حتى لا تظهر عملة منافسة من أصله.

قال: سمعت هذا ولم أفهمه أنا لا أفهم فى الاقتصاد كما تعلمين.

قالت: إذن تفهم فى ماذا؟ هل توجد ثورة ثوارها لا يفهمون فى الاقتصاد؟

قال: مهمتنا أن ندفع السياسيين والاقتصاديين ليديروها بأمانة بديلا عن هؤلاء اللصوص.

قالت: المهم هو أن يديروها لصالح الناس، بالعدل والكفاءة، لا ينبغى أن تأتى قيمة الأمانة قبل المهارة والإتقان، الأمانة تحتاج قوانين تضبطها

وتعاقب من يخالفها، فتحول دون تماديه، أما الإتقان وإدارة الدولة والاستقلال الاقتصادى، فتحتاج إلى سياسيين واقتصاديين وطنيين أذكياء، وعلى القانون أن يحاسب من ينحرف منهم بكل الحزم.

قال: هذه ليست مهمة الثوار، علينا أن ننظف البلد أولا، ونأخذ حق الشهداء من القتلة

قالت: اعمل معروفا، ما هو القضاء شغال على أذنه ليل نهار، إعمل معروفا، الاقتصاد لا ينتظر سلاسل الثأر، ثم من هم الثوار؟ كل البلد ثوار يا أخى! الله!!، من ذا الذى يصنف الناس إلى «ثوار» و «لا ثوار»، هل أنشأتم جماعة التكفير والثورة؟ لقد بدأ الفأر يلعب فى عبى منذ حكاية القائمة السوداء، والقائمة الحمراء.

قال: الظاهر أن الذى يلعب فى مخك وليس فى عبك هى مجموعة من الثعابين السامة وليست فئرانا.

(2)

قالت الأم لزوجها وهى تلقى بالصحيفة على الأرض إلى جوارها: عاجبك هذا الذى جرى فى «دسوق»؟ منذ متى وشعبنا كان بهذه القسوة البشعة والقبح الدموى هكذا؟

قال: ولكنه يستاهل، هو بلطجى مجرم وقاتل.

قالت: المسألة ليست فى أنه يستاهل أو لا يستاهل، المسألة أن هذا ليس شعبنا؟ هذه الطريقة ترسى مبدأ فى غاية الخطورة.

قال: ماذا كنت تنتظرين من الضحايا وأهاليهم، بعد أن قرأتِ ما فعل هذا السفاح؟

قالت: يبلغون الحكومة،

قال: أين هى الحكومة هذه؟

قالت: وهل غياب الحكومة يبرر للناس أن تسيب على بعضها البعض، مرة بالحق، وعشرة بالباطل،

قال: على الأهالى أن يتولوا تنفيذ الأحكام حتى تعود الحكومة.

قالت: أين هى المحاكمة والأحكام؟ وهل إذا اختلفت أنا وأنت ستنفذ فىّ حكمك حتى تحضر الحكومة.

قال:..... والله فكرة!!

قالت: فكرة عندك مثلما هى عندى، خلِّ! بالك، أنا أملك أسلحة المطبخ.

قال: أنا أتعجب، كيف تدافعين عن بلطجى بكل هذه السفالة والإجرام؟

قالت: أنا لا أدافع عنه، ثم لماذا هذا الذى حدث بعد القتل، لماذا قطعوه هكذا وفصلوا ساقية وذراعيه ورأسه، ثم لماذا لفـُّوا به البلد هكذا؟

قال: ليردعوا بقية البلطجية، أو تنفيذا لنصِّ حرفىّ، من يدرى؟

قالت: ألم تقرأ أن الذين هاجموا بيته كان من بينهم بلطجية أيضا؟ من يضمن من أى طينة هم؟ وما

هو مدى نفوذهم القادم؟ يا ليتك تقرأ محفوظ فى ملحمة الحرافيش لتعرف صراع البلطجية وطبقاتهم.

قال: أنت لا تعرفين الفرق بين البلطجى والفتوة.

قالت: بل أعرف ونصف، حتى المأمور فؤاد عبد التواب فى الحرافيش، مارس البلطجة وقتل منافسه على زهيرة من موقعه الرسمى، هذا ليس شعبنا، وهو غير الذى ظهر فى ميدان التحرير فى البداية، هل معقول أن هذا شعب واحد؟ هل تفجرت الوحوش التى بداخلنا ونحن مشغولون بالهتاف؟ ماذا جرى؟

قال: العدل البطيء أزعج الناس وشككهم فى المحاكم.

قالت: ولو، هؤلاء ليسوا هم ناسنا، ليست مصر، لست أنا،

(تبكى بغير صوت).

قال: أتبكين موت بلطجى.

قالت: بل أبكى ضياع شعبى على اليمين والشمال، من أقصى التحسيس والطبطبة، إلى أقسى القسوة، والدموية، ما الذى جرى؟ ما الذى جرى لنا؟!

(3)

قال الرجل لابنه: سوف أدعو لك هنا يا حبيبى، لن أعمل عمرة هذا العام.

قال: ابنه: لماذا؟ ألم تقل لنا إن ربنا فتحها عليك فى المحل هذه السنة.

قال الأب: لقد وجدت الله،

 قال الابن: ما هو ربنا موجود دائما.

قال الأب: لكننى وجدته فى مكان آخر غير ما كنت أتصور؟

قال الابن: يا خبر اسود، مكان آخر؟ ربنا موجود فى كل مكان وزمان.

قال الأب: كلام نردده، لكننى اكتشفته حقيقة راسخة بعد ما جرى، بعد ما ضبطت نفسى متلبسا.

قال الابن: ماذا جرى يا أبى؟ ما ذا تقول؟ متلبسا بماذا؟

قال الأب: فجأة، وأنا أشاهد أعلام السعودية فى ميدان التحرير، تذكرتـُـنى وأنا أستخرج تأشيرة العمرة، لأتوجه إلى بيت الله لأدعو لكم ولنا وأستغفره عن تجاوزات طول العام، شعرت فجأة أن ربنا هنا جدا، أقرب من حبل الوريد، يجيبنى فورا دون حاجة إلى تأشيرة هؤلاء، هو الذى قال ذلك، وأنه سبحانه أكبر من أن أخدعه.

قال الابن: تخدعه فى ماذا يا أبى؟ أنا غير فاهم.

قال الأب: تأكدت من رؤيتى وأنا أصلى أثناء سجودى، فهمت لماذا يكون العبد أقرب إلى ربه وهو ساجد، عرفت ماذا كنت أفعل، ولماذا العمرة!

قال الابن: لست فاهما

قال الأب: لا تستغرب، بل الإنسان على نفسه بصيرة، أفقتُ، كنت أفوّت فى ذمتى، وعينى على الاستغفار فى العمرة، فلما وجدت ربنا وأنا ساجد، وجدته فى المحل، وفى حجرة النوم، حالا، وطول السنة، وطول الوقت، انتبهت وقررت ألا أخدعه، ألا أخدع نفسى

قال الابن: رمضان كريم!!

قال الأب: الله أكرم

(4)

قال الأخ لأخته: لماذا تفكرين فى خلع الحجاب أنت أيضا بعد خمس سنوات من اقتناعك به؟

قالت أخته: أنت مالك؟

قال أخوها: لقد حاولت أن أثنيك عنه منذ لبستيه.

قالت: أنا حرة.

قال: حرة يعنى ماذا؟

قالت: حرة أختار من الفتاوى ما أحترم به نفسى، وأغيرها يوم أقتنع بغيرها.

قال: وهل اقتنعت بغيرها؟

قالت: ليس بعد.

قال: ما لها؟ ماذا جرى لك أنت وأبى؟

قالت: هذه الأعلام السعودية فى ميدان التحرير

قال: ما علاقة الأعلام السعودية بالحجاب، هل ستعملين مثل أبى؟

قالت: ربنا يتقبل منه، لقد حدثنى بما حدثك به، فراجعت نفسى.

قال: لست فاهما،

قالت: والفضل للثورة.

قال: نعم؟ نعم؟ الفضل لمن؟ والله العظيم لست فاهما شيئا.

قالت: أحسن!

www.rakhawy.org

أستاذ الطب النفسى