رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سنة أولي في المعهد العالي للدفاع التآمري

د. يحيي الرخاوي

الأربعاء, 13 أبريل 2011 09:34
بقلم: د. يحيي الرخاوي

 

قال شيخي: والآن؟.. ماذا بعد أن حولت مسارك من روضة أطفال الديمقراطية إلي هذا المعهد العالي؟.. ولكن قل لي أليس هذا في حد ذاته دليلاً علي أن هذا المعهد »أي كلام«؟؟!، كيف يقبل أوراقك من روضة أطفال إلي معهد عال هكذا مرة واحدة؟، قبـّلت يده فرَأسه، ودعوت له، قلت: إن الدراسة في هذا المعهد لا تحتاج حتي إلي فك الخط، برامج التآمر الحيوي هي التي حفظت الأحياء التي نجحت في البقاء حتي الآن، وهي لا تحتاج حتي إلي الكلام أو التخطيط المسبق، ولا إلي وصاية حسابات العقل البشري الحديث لكنها تحتاج إلي استيعاب كل مستويات الوعي الحيوي عبر التاريخ. إن كل ما علينا أن ندرسه في هذا المعهد هو كيف حافظت هذه الأحياء علي البقاء دون صناديق انتخابات، ودون تقديم فروض الولاء والطاعة للنظام العالمي الديمقراطي الجديد، قاطعني شيخي قائلا: مجتمع الأحياء الذي تتحدث عنه أدني وأقدم، وهو لا يحتاج إلي رئيس جمهورية أو مجلس شعب أو خطط خمسية، قلت له: هذا صحيح، ومع ذلك نجح أن يبقي وأن تتعاون أفراد نفس النوع مع بعضهم، وأن تتكامل مع أنواع أخري أفضل مما يجري الآن بين البشر، كان المفروض أن الانسان بعدما تفوق عليها أن يضيف إلي ذلك لا أن يغتر بعقله الأحدث وينفصل عن تاريخه فينتكس إلي ما دون ذلك، قال لي: إن دور الديمقراطية هو أن تنظم المجتمع ولم يزعم أحد أنها للحفاظ علي النوع، قلت: ما دام هذا هو الواقع، فأنا راضٍ مؤقتاً بهذه الديمقراطية الممكنة مع الاحتفاظ بكل اعتراضاتي، وتكرار إعلانها، لعلنا نستطيع معا أن نواجه قوي عمياء تستعمل اسم الديمقراطية اللامع، ضد عموم النوع في اتجاه هلاكنا جميعا، إذا كانت الديمقراطية أحسن الأسوأ كما علمتني حضرتك فعلينا أن نتعامل مع سوئها مثلما نتعامل مع حسنها دون تقديس، حتي نجد حلا »معا«، عبر العالم، أنا لا أطلب من الفلاح المصري أن يذهب إلي صندوق الانتخاب ليحول دون انقراضي أنا أو حضرتك أو تشومسكي أو شافيز، أو شباب التحرير؟ أنا أنبه حتي لا تصبح الديمقراطية الملوثة صنما جديدا يستعمله كهنتها لاستغفالنا: إن واجبنا الآن، وربما قبل الآن بقليل: هو ألا نتوقف في ميدان التحرير، المسألة ينبغي ألا تتوقف عند الأخذ بالثأر عينا بعين، ورأسا برأس، المسألة هي في التقدم نحو الأرقي بخطي مناسبة تقاس بمقاييس الحركة المنتجة حتي نستعيد الوقوف علي أرجلنا من جديد، لنندفع إلي التعاون مع من يقف مثلنا بوعيه كله لصالح نفسه ثم كل الناس، وهذا يبدأ بإعادة النظر فيما جري ويجري بشكل آخر، علي مستوي آخر.

قال لي: وهل يدرس كل هذا في معهدك

الجديد؟

قلت له: مع كل هذه الفرحة بالانتفاضات المتلاحقة، ومع كل الحمد والشكر والاحترام لمن قاموا بها أو أشعلوها، علينا أن نحسن النظر في دفاترنا كلها خاصة دفاترنا الاقتصادية، وأن نتعلم من تجارب الدنيا بأسرها ولا نكتفي بالرضا بالتصفيق لشبابنا في منتديات الديمقراطية السلطوية الإعلامية الغربية التي تتعري بكل قبحها وتحيزها كلما اقتربنا من إسرائيل أو من مصالح القوي المالية التحتية، وهي تستعمل كل التحيزات وتقيس بأكثر من مقياس حسب مستوي ذكاء ويقظة الزبون، ومستوي وعيه ومدي حرصه علي صالحه، علينا أن ندقق النظر بمجهر النقد ودروس التاريخ بدلا من الانبهار بالبضاعات الفكرية سابقة التجهيز، علينا أن نتذكر أن الصين تغزو العالم بنموذج آخر غير ديمقراطية هايد بارك أو ديمقراطية مانهاتن، وأن الأصولية الجديدة أصبحت تختفي وراء انتخابات أعضاء الكونجرس في أمريكا تماما كما تتلفع بها انتخابات مجلس الشعب المصري خاصة بالنظام الفردي والاستعمال المغرض بدغدغة الوعي الجمعي بالشعارات الدينية المفرغة من الإيمان. إن غسيل المخ يجري علي قدم وساق تحت اسم الديمقراطية، حتي نشرت صحف اليوم تصريحا أمريكيا يقول: »إن ما تحقق في العراق بفضل الغزو الأمريكي هو أعظم نموذج للديمقراطية التي يمكن تطبيقها في العالم العربي«!! إن استسلامنا للتفسيرات الغربية والتصفيق الغربي، دون فحص ومراجعة هو أخطر علي انتفاضة الشباب فالشعب من الثورة المضادة.

ثم أضفت: إن برامج هذا المعهد تشمل دراسة تاريخ الحياة بقدر ما تشمل إنجازات العقل الأحدث في كل مكان، وهي لا تسمح لإحداها أن تحل محل الأخري، فهي تدرِّس كيفية استعمال تكنولوجيا التواصل لتخليق الوعي العولمي الشعبي الجديد، حتي يستطيع مواجهة تسطيحات النظام العالمي الديمقراطي الخبيث. التفكير الدفاعي التآمري ينبهنا ألا نتوقف عند تقديم الشكر لهؤلاء »الخواجات« الإنسانيين الطيبين جدا، لمجرد أنهم صفقوا لشبابنا، في مقابل الاستيلاء علي موادنا الخام جنبا إلي جنب مع الاستيلاء علي حرية منهج تفكيرنا ومخزون أموالنا، واستقلال قرارنا، علينا أن نتساءل بكل الحذر: هل نحن خرجنا في الشوارع والميادين لنستبدل بحكامنا الدكتاتوريين مجرمين وقتلة من قادة الغرب ومَنْ وراءهم وما وراءهم من قوي استغلالية مالية كانيبالية؟ لماذا وقفت الجامعة العربية، حتي قبل الحرب الأهلية الليبية موقف المتفرج، أو الغافل، أو المبارك لما يحدث عبر طول العالم العربي وعرضه، وحين نطقت ركزت علي إضاءة النور الأخضر لقوي خارجية لتتدخل

وبالقوة في مسيرة الصراع بين شعوب مظلومة وحكام ظلمة؟.. لماذا تشارك قطر والإمارات في الحظر الجوي علي ليبيا ولم يخطر علي بالها حتي أن تقترح لتشارك في حظر جوي علي إسرائيل وهي تقتل شعباً بأكمله بالتجويع والإغارة علي حد سواء، (لغاية اليوم: الأهرام الصفحة الأولي: -10 أبريل- »إسرائيل تقصف غزة لليوم الثالث والحصيلة 19 شهيداً و62 جريحاً«).

قال شيخي: وهل ستجد إجابات علي كل هذه الأسئلة في معهدك الجديد؟

قلت له: إن هذا المعهد يتميز بأنه يطرح الأسئلة أكثر من أنه يعطي إجابات، وفيه نتعلم ألا نرضي بالإجابات التي تظهر لنا علي السطح، ولا بالإجابات التي تسرّبها إلينا أجهزة مخابراتهم جاهزة لنغش منها تحت تأثير غسيل المخ والتلويث من المصادر الأخبث والأنذل.

قال شيخي: وهب أنك وجدت إجابات تبرر تخوفاتك هذه كلها، فهل بقية مقررات المعهد تبحث في كيف تتغلب عليها؟

قلت هذه هي البداية: إننا حين نعترف بدور عقولنا الأخري معا سوف نتمكن أن نمتنع عن أن نستسلم لتخليق غرائز استهلاكية جديدة ليس لها وظيفة إلا تسويق ما يصدرون إلينا جاهزا بعد الاستيلاء علي موادنا الخام، وايدينا العاملة، وعقولنا المبدعة، لصالح أغراضهم، مستغلين ظلم حكامنا وغبائهم من ناحية، ثم فرط حماسنا واستعجالنا من ناحية أخري.

قال: هل لدي معهدك هذا تفسير لما حدث ويحدث عندنا الآن؟

قلت: يبدو أن النظام الاستغلالي الاستعماري الجديد قد ضاق بحكامنا العرب، وأنه اعتبر أن أغلبهم قد انتهي عمره الافتراضي، فسارع بالإسهام في التخطيط للتخلص منهم قبل أن تتخلص شعوبهم منهم، وتستقل عن التبعية لهم، وأيضا عن التبعية لأسيادهم في الغرب، فراح ينتهز فرصة انتفاضة الشباب، أو هو ساعد فيها، وها هو يسارع كي يقطف ثمارها دونهم غالباً.

قال شيخي: وكيف نحول دون ذلك لا قدر الله؟

قلت: لابد من احترام حركية الشعوب، ثم الحيلولة دون الاستسلام للصوص الذين يرتبون الأوراق لصالحهم، علينا أن نعيد قراءة الجاري ونحن فرحون بكل هذه الانتفاضات الرائعة، فخورون بشبابنا، مع الحيلولة دون أن يستعملونا لصالح أغراضهم ونحن في غمرة الحماس للأخذ بالثأر تباعا.

إن أمريكا تمر بحالة اقتصادية تنافسية علي مستوي العالم، وهي تدعم نفسها بأموال وخامات وناس الشرق الأوسط وغيره بأسرع ما تستطيع، فهي تحاول الخروج من ورطتها الاقتصادية والعودة إلي رأس قائمة لوحة التنافس باستعمال ثروات هذه المجموعة العربية الظالم حكامها والمقهورة شعوبها.

قال شيخي: كل هذا سوف تدرسه في المعهد الجديد؟

قلت: إن محور مقررات هذا المعهد هو أنه »لا يفل التآمر إلا تآمر أذكي«، فيه نتعلم كيف نكسب نحن الجولة حتي لو كانوا هم قد بدأوا اللعبة، نستطيع أن نقلب نهاية الدور لصالحنا »كش مات«، مهما كانت نقلات الخصم طول دور الشطرنج هي الأذكي، فإن المهم »من يقتل الملك« أولاً، وذلك بدءاً بفهم أشمل لقواعد اللعبة العالمية، ثم محاولة »الاستعانة بصديق«!! (اليابان أو الصين أو البرازيل أو روسيا أو إيران كأمثلة)، إنها تعلمنا أن نقيس حركتنا ليس بسرعة النقلات وصوت »البياذق« اللامعة علي »الدسوت« المعدنية (العساكر علي اللوحة) وإنما بحجم الإنتاج، وأصالة الإبداع، وحركية التصدير، وتعميق الثقافة الأرقي طول الوقت.

حتي لو كان الدافع من الخارج، فإن ذلك لا يحرم شعوبنا من فضل التلقائية والاستجابة الرائعة لما تحرك بداخلنا من كرامة وإبداع وأصالة ومثابرة، ولا هو ينقص من حق شهدائنا في التقديس وعهدنا لهم بالاستمرار نحو عدل حقيقي يحفظ للجنس البشري تفوقه علي سائر الأحياء.

www.rakhawy.org