ولا يزال نجيب محفوظ يعلمنا من الأصداء (3)

.. ماذا يخبئه النهار لمدينتنا؟

د. يحيي الرخاوي

الأربعاء, 28 ديسمبر 2011 08:25
بقلم - د. يحيي الرخاوي

الفقرة رقم (19): من التاريخ
‏‏في ‏ذلك‏ ‏الوقت‏ ‏البعيد‏ ‏قيل‏ ‏إنه‏ ‏هاجر‏ ‏أو‏ ‏هرب‏، ‏والحقيقة‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يجلس‏ ‏علي ‏العشب‏ ‏علي ‏شاطئ‏ ‏النيل‏ ‏مشتملا‏ ‏بأشعة‏ ‏القمر‏، ‏يناجي ‏أحلامه‏ ‏في ‏حضرة‏ ‏الجمال‏ ‏الجليل‏، ‏عند‏ ‏منتصف‏ ‏الليل‏ ‏سمع‏ ‏حركة‏ ‏خفيفة‏ ‏في ‏الصمت‏ ‏المحيط‏. ‏ورأي ‏رأس‏ ‏امرأة‏ ‏ينبثق‏ ‏من‏ ‏الماء‏ ‏أمام‏ ‏الموضع‏ ‏الذي ‏يفترشه‏، ‏وجد‏ ‏نفسه‏ ‏أمام‏ ‏جمال‏ ‏لم‏ ‏يشهد‏ ‏له‏ ‏مثيل‏ ‏من‏ ‏قبل‏،

‏تري ‏أتكون‏ ‏ناجية‏ ‏من‏ ‏سفينة‏ ‏غارقة؟‏ ‏لكنها‏ ‏كانت‏ ‏غاية‏ ‏في ‏العذوبة‏ ‏والوقار‏، ‏فداخله‏ ‏الخوف‏ ‏وهمَّ‏ ‏بالوقوف‏ ‏تأهبا‏ ‏للتراجع‏، ‏ولكنها‏ ‏قالت‏ ‏له‏ ‏بصوت‏ ‏ناعم‏: ‏إتبعني ‏فسألها‏، ‏وهو‏ ‏يزداد‏ ‏خوفا‏: ‏إلي ‏أين‏؟
‏- ‏إلي ‏الماء‏ ‏لتري ‏أحلامك‏ ‏بعينيك‏.
وبقوة‏ ‏سحرية‏ ‏زحف‏ ‏نحو‏ ‏الماء‏ ‏وعيناه‏ ‏لاتتحولان‏ ‏عن‏ ‏وجهها‏.‏
النقد:
(الإنسان والتطور أكتوبر 1997 - أصداء الأصداء 2006)
لم‏ ‏تظهر‏ «‏النداهة‏» ‏عند‏ ‏محفوظ‏ ‏إلا‏ ‏نادراً‏، ‏وإن‏ ‏ظهر‏ ‏الاختفاء‏ ‏الغامض‏ ‏كثيرا‏، ‏حتي ‏البحث‏ ‏عن‏ ‏الأب‏ ‏في رواية «‏الطريق‏» ‏كان‏ ‏اندفاعا‏ ‏من‏ ‏الابن‏ ‏لا‏ ‏جذبا‏ ‏من‏ ‏الأب‏ ‏الغائب‏ ‏المجهول‏. نداهة‏ ‏يوسف‏ ‏إدريس‏ ‏غير‏ ‏نداهة‏ ‏سعد‏ ‏الله‏ ‏ونوس‏ ‏في ‏الإشارات‏، ‏غير‏ ‏نداهة‏ ‏بلدنا‏ ‏التي ‏كانت‏ ‏أقرب‏ ‏إلي ‏هذه‏ ‏الصورة‏ ‏هنا‏ ‏في ‏الأصداء‏، ‏منها‏ ‏إلي ‏صورة‏ ‏إدريس‏ ‏أو‏ ‏سعد‏ ‏الله‏، ‏كانت‏ ‏تظهر‏ ‏لنا‏ - ‏في ‏الحواديت‏ ‏التي ‏كنا‏ ‏نعيشها‏ ‏رأي ‏العين‏ - ‏في ‏صورة‏ ‏منديل‏ ‏يقترب‏ ‏من‏ ‏الشاطئ‏، ‏أو‏ ‏امرأة‏ ‏وهي ‏تملأ‏ ‏الجرة‏ ‏ثم‏ ‏تنزل‏ ‏للترعة‏ ‏وتنادينا‏، ‏وكان‏ ‏النداء‏ ‏ملحا‏، ‏والإغراء‏ ‏جاذبا‏، ‏لكن‏ ‏الغرق‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏هو‏ ‏المصير‏، ‏وهنا‏ ‏أيضا‏، ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يقابلها‏، ‏وبعد‏ ‏أن‏ ‏استجاب‏ ‏لها‏، ‏كان‏ ‏المصير‏ ‏هو‏ ‏الانجذاب‏، ‏ثم‏ ‏إني ‏أضيف‏ ‏من‏ ‏عندي: ‏الاختفاء‏ «‏الواعد‏ ‏بالعودة‏»، ‏وهذه‏ ‏الصورة‏: ‏الاختفاء‏ ‏الغامض‏ ‏الذي ‏يبدو‏ ‏أنه‏ ‏يسمح‏ ‏بالعودة‏ ‏هي ‏أعمق‏ ‏أعماق‏ ‏التركيبة‏ ‏البشرية‏، ‏هكذا‏ ‏صعد‏ ‏المسيح‏ (‏عليه‏ ‏السلام‏)، ‏وهكذا‏ ‏اختفي ‏الحاكم‏ ‏بأمر‏ ‏الله‏ ‏في ‏جبل‏ ‏المقطم‏، ‏وهكذا‏ ‏ظلت‏ ‏التكية‏ ‏في ‏الحرافيش‏ ‏تعمق‏ ‏الاختفاء‏ ‏وتعد‏ ‏بالوعد‏ ‏الغامض‏، ‏ولم‏ ‏أجد‏ ‏عندي ‏أي ‏ميل‏ ‏أن‏ ‏أبحث‏ ‏عن‏ ‏رمز جاهز‏ ‏لرأس‏ ‏هذه‏ ‏المرأة‏ ‏وعلاقته‏ ‏بالعنوان‏ «‏التاريخ‏»، ‏إذ‏ ‏كفاني ‏أن‏ ‏أري ‏هذه‏ ‏التيمة‏ ‏المكررة‏ ‏عن‏ ‏التاريخ‏: ‏النداهة‏، ‏والاختفاء‏ ‏الغامض‏.
***
تحديث (ديسمبر 2011)
انتبهت الآن أن الفقرة التالية مباشرة رقم 20 قد تجيب عن السؤال الذي انتهت به فقرة (19) «إلي أين»؟، يبدو أنه استجاب لتحقيق أحلامه وراح يتمشي في الشوارع الخالية، عقب صلاة الفجر، يناجي

أحلامه، حتي جلس فوق الصخرة المعروفة بـ «أم الغلام»، ثم ظهر المستور: وأنه أبعد ما يكون عن «أحلامه» وراحت الأشباح (من كل نوع ولون) تتحرك نحو المدينة وكانوا رجال أمن من نوع خاص أولهم هذا الهيكل العظمي الذي يتطاير الشرر من محجريه لينقلب الوعد بتحقيق الأحلام إلي الرعب مما يخبئه النهار للمدينة.
وها هو نص الفقرة التالية:
الفقرة رقم (20): الأشباح
عقب‏ ‏الفراغ‏ ‏من‏ ‏صلاة‏ ‏الفجر‏ ‏رحت‏ ‏أتجول‏ ‏في ‏الشوارع‏ ‏الخالية‏، ‏جميل‏ ‏المشي ‏في ‏الهدوء‏ ‏والنقاء‏ ‏بصحبة‏ ‏نسائم‏ ‏الخريف‏، ‏ولما‏ ‏بلغت‏ ‏مشارف‏ ‏الصحراء‏ ‏جلست‏ ‏فوق‏ ‏الصخرة‏ ‏المعروفة‏ ‏بأم‏ ‏الغلام‏، ‏وسرح‏ ‏بصري ‏في ‏متاهة‏ ‏الصحراء‏ ‏المسربلة‏ ‏بالظلمة‏ ‏الرفيعة‏، ‏وسرعان‏ ‏ما‏ ‏خيل‏ ‏إلي ‏أن‏ ‏أشباحا‏ ‏تتحرك‏ ‏نحو‏ ‏المدينة‏، ‏قلت‏ ‏لعلهم‏ ‏من‏ ‏رجال‏ ‏الأمن‏ ‏ولكن‏ ‏مر‏ ‏أمامي ‏أولهم‏ ‏فتبينت‏ ‏منه‏ ‏هيكلا‏ ‏عظميا‏ ‏يتطاير‏ ‏شرر‏ ‏من‏ ‏محجريه‏، ‏واجتاحني ‏الرعب‏ ‏فوق‏ ‏الصخرة‏، ‏وتسلسلت‏ ‏الأشباح‏ ‏واحدا‏ ‏إثر‏ ‏الآخر.
تساءلت‏ ‏وأنا‏ ‏أرتجف‏ ‏عما‏ ‏يخبئه‏ ‏النهار‏ ‏لمدينتي ‏النائمة‏.‏
النقد: (الإنسان والتطور أكتوبر 1997 - أصداء الأصداء 2006)
.. ‏هياكل‏ ‏عظمية‏ ‏يتطاير‏ ‏الشرر‏ ‏من‏ ‏محاجر‏ ‏عيونها‏، ‏وهي ‏تتحرك‏ ‏نحو‏ ‏المدينة‏، ‏فهو‏ ‏الإرهاب‏ ‏المنذر‏ ‏بالخراب‏، ‏فمن‏ ‏يستطيع‏ ‏أن‏ ‏يواصل‏ ‏المشي ‏بين‏ ‏الفجر‏ ‏وبين‏ ‏الشروق‏ ‏بصحبة‏ ‏نسائم‏ ‏الخريف‏، ‏والمدينة‏ ‏نائمة‏، ‏وأشباح‏ ‏الخراب‏ ‏والدمار‏ ‏ترجف‏ ‏نحوها‏: ‏هكذا؟‏.‏
ثم‏ ‏خطر‏ ‏ببالي ‏أن‏ ‏ثمة‏ ‏علاقة‏ ‏جائزة‏ ‏بين‏ ‏رجال‏ ‏الأمن‏ ‏وبين‏ ‏الإرهاب‏، ‏هكذا‏ ‏ذهب‏ ‏فكر‏ ‏صاحبنا‏ ‏في ‏البداية‏» ‏لعلهم‏ ‏من‏ ‏رجال‏ ‏الأمن‏»، ‏وهم‏ ‏ليسوا‏ ‏بعيدين‏ ‏عن‏ ‏أن‏ ‏يكونوا‏ ‏هم‏ ‏الموت‏ ‏الزاحف‏ ‏بالخراب،‏ ‏مثلهم‏ ‏في ‏ذلك‏ ‏مثل‏ ‏الإرهابيين‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏، ثم‏ ‏إن‏ ‏توقيت‏ ‏الرؤية‏ ‏عقب‏ ‏صلاة‏ ‏الفجر‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏يبتعد‏ ‏كثيرا‏ ‏عن‏ ‏التعبير‏ ‏الشائع‏ ‏عن‏ ‏التصرفات‏ ‏التعسفية‏ ‏لمن‏ عرفوا ‏يوما بـ ‏«‏زوارالفجر‏» ‏من‏ ‏رجال‏ ‏المباحث‏ ‏أو‏ ‏المخابرات‏، ‏علي ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الاحتمال‏ ‏لا‏ ‏ينفي ‏الاحتمال‏ ‏الأول‏، ‏فتكون‏ ‏هذه‏ ‏الأشباح‏ ‏من‏ ‏الهياكل‏ ‏العظمية‏ ‏هم‏ ‏أهل‏ ‏الإرهاب‏ ‏الشعبي ‏أو‏ ‏أهل‏ ‏الإرهاب‏ ‏الرسمي‏، ‏وكلاهما‏ ‏يحمل‏ ‏الخراب‏ ‏إلي ‏المدينة‏ ‏النائمة
***
التحديث (ديسمبر 2011):
علي الرغم من أننا نقتطف هذين النصين
المتتاليين، ونقدهما، من أصداء السيرة وليس من أحلام فترة النقاهة إلا أننا نجد التداخل مع الأحلام حاضرا بوضوح، ففي فقرة (19) كانت البداية وهو «يناجي أحلامه في حضرة الجمال الجليل» وفي فقرة 20 (الأشباح) جاءت الصورة كلها في تشكيل حلمي، وكأنها فقرة تصلح لأحلام فترة النقاهة، أكثر مما تصلح للأصداء، وهذا يذكرنا بعلاقة العملين بعضهما ببعض وهما آخر أعمال محفوظ.
التحديث الذي خطر لي الآن (2011) بدأ بأن تذكرت كيف رفضتُ طول الوقت أن اختصر إبداع هذا العملاق إلي رموز تشوه النص وتجهض الخيال، إلا أنني بعد مضي كل هذه السنين وإعادة قراءتي لهذا النص فالنقد، ولمعرفتي بحدس هذا الرجل وكيف ينبض قلبه ووعيه بمصر وناسها، رحت أقرأ هذا وذاك (النقد والنص) وأنا اتلفت حولي «هنا والآن» وأستلهم النصّين من جديد لعلي أفهم أكثر أو أعمق ما يدور حولي الآن:
كتبت مرارا عن الحق في الحلم، وأن الاتحاد السوفيتي حين انهار لم يأسف عليه فحسب المقدسون لاشتراكيته أو المستفيدون من نظامه بكل جبروته وقسوته، وإنما الخسارة الأكبر كانت من كل المستضعفين عبر العالم الذين ائتنسوا بوجوده، من حيث إنه طمأنهم قليلا أو كثيرا، علي أن يحتفظوا «بحقهم في الحلم»،
الحق في الحلم ليس له علاقة لا بتفسير الحلم ولا بتحقيق الحلم.
حين قام شبابنا بهذه الانتفاضة كان يمارس علي أرض الواقع «حقه في الحلم» وليس الحلم نفسه، هكذا تجلت البراءة والفرحة مقابل ما جاء في النص الأصدائي: وراح «يناجي أحلامه في حضرة الجمال الجليل» ويمكن الآن أن نكمل حدس محفوظ حين نتابع كيف اقترب ميدان التحرير من شاطئ النيل ولاحت اليوتويبا علي امتداد البصر، وظهر رأس الجميلة ينبثق من نبض هذا الصفاء النبيل، وفي نفس الوقت في ضوء قمر الغد، وأيضا: بكل العذوبة والوقار.
المفاجأة أن الراوي لم يتحقق من هوية الجميلة، ولا من وجهتها فداخله الخوف، والتقطت الجميلة خوفه، وفي نفس الوقت أكدت حقه في الحلم الذي يتزايد فيزيد انفصاله عن الواقع، فتناديه أن يتبعها «إلي أحلامه».
وينتهي حلم محفوظ في أصدائه وهو يزحف نحو الماء وعيناه لا تتحول عنها.
هل كانت خدعة لتسحبه معها فيغرق في أحلامه ويبتلعه المجهول؟
هل كانت دعوة للتركيز في اتجاه وعده لتكتمل أحلامه برغم خوفه؟
هل كانت دعوة لعدم التمادي في الأحلام علي حساب الواقع؟
هل كان هو الاختفاء الواعد بالعودة كما جاء بالقراءة الباكرة؟
إلي أين؟
ألسنا الآن في هذا الموقف؟
هل يا تري ننجذب إلي القوة الساحرة ونمشي فوق الماء؟
هل نصدق أنها الوعد بالغد أم أنها النداهة القدر للتخلص من الحلم وصاحبه؟
هل سنحرم من الحلم ومن إرهاصات تحقيقه ونحن في ذهول الانبهار بالجمال دون العمل علي الحفاظ عليه؟
هل نناديها هي أن تظهر لنا هويتها قبل أن ننسحب وراءها إلي المجهول وكأننا نغمض العينين؟
يا تري: كما قال شيخنا منذ عشرين عاماً:
ماذا يخبئه النهار لمدينتنا؟
www.rakhawy.org