تأملأت صائم في ممارسات عسكر 1952 (2 - 4)

د.وفيق الغيطانى

الجمعة, 19 أغسطس 2011 10:49
بقلم : د. وفيق كامل الغيطاني

عزيزي القارئ.. عودة إلي التأملات حول ممارسات عسكر 1952.. الممارسات التي مازالت آثارها ضاربة في جذور الشعب المصري بسلبياتها الكثيرة وإيجابياتها القليلة التي جعلت الشعب المصري يعيش تائهاً وغائباً وبعيداً عن التقدم المذهل الذي وصلت إليه شعوب العالم من حولنا.

كان العسكر دائماً يبحثون عن التنمية وليس الإبداع وكذلك كان هدفهم التخلص من السيطرة الأجنبية وليس محاولة إعادة اكتشاف الذات وبناء الإنسان المصري نفسه.

اهتم رجال يوليو بالأزهر من زاوية ضيقة جداً وتركوا الرسالة التي من المفروض أن يقوم بها الأزهر من تطوير التعليم بابتداع نمط من التعليم يختلف اختلافاً جذرياً عن النمط الغربي من حيث المضمون ومدي اتصاله بالتراث وليس من ناحية طريقة التعليم فقط لأن الأزهر علي مر العصور يمتلك إمكانات كبيرة وموضوع تعيين شيخ الأزهر الذي أخل باستقلالية الأزهر بعيداً عن توجهات مؤسسة الرئاسة وأغراضها السياسية.

اهتم رجال 1952 بتحويل الأزهر إلي جامعة تدرس الطب والصيدلة والهندسة وخلافه وبذلك تحول الأزهر إلي نسخة مكررة من جامعات مصر المختلفة ونجد أن خريج جامعة الأزهر يعيش في صراع دائم، فبدلاً من أن يكون معتزاً بدينه ويفسره في ضوء متطلبات العصر، نجد أنه يعاني من عقدة النقص لعدم استطاعته المواءمة بين علوم دينية لم تطور وعلوم عصرية لا صلة لها بالدين.

بالرغم من نجاح رجال 1952 في التخلص من سيطرة الأجانب في الخمسينيات والستينيات كما ذكرت قبل ذلك ونجحوا أيضاً في توزيع الدخل لصالح بعض الطبقات الدنيا ساهمت أيضاً في إحياء بعض وسائل

التعبير عن الثقافة الشعبية.

الطبقات الدنيا حصلت علي دخول جديدة وأصبح لها مساهمات أكبر في الحياة الاجتماعية جعلها تدعم وسائل جديدة للتعبير أقرب إلي نبض الشعب وعواطفه وتقاليده.

المجتمع ككل كان يحذو خذو النمط الغربي في مناحي الحياة وقد سار الاتجاهان جنباً إلي جنب برغم تناقضهما ففي الوقت الذي كان فيه الفلاح المصري الذي اندرج مؤخراً في عداد عمال الصناعة أو انضم إلي سكان المدن ينفق من دخله الجديد علي ارتياد دور السينما التي تقدم أفلاماً أقرب إلي ذوقه وتقاليده.

ترك الفلاح جلبابه جانباً واستبدله بالزي الأجنبي واقتني جهاز التسجيل الغربي والمروحة اليابانية الصنع وبني بيتاً بالطوب الأحمر بدلاً من الطوب اللبن والطمي.

وهنا لابد لنا أن نلقي نظرة فاحصة علي الطبقة الارستقراطية قبل عام 1952 التي كانت طبقة غارقة في استغرابها حيث تنقل من الغرب أدق تفاصيل حياته ولكنها كانت في كثير من الأحيان تحرص علي التمسك بالتقاليد أكثر من الطبقات الجديدة التي فتحت لها حكومة العسكر الأبواب علي مصراعيها.

الطبقة الارستقراطية قبل 1952 لها اتصالها الوثيق بالغرب وكانت علي علم أكثر من غيرها ببعض حماقات النمط الغربي في الحياة وبحكم كونها الكبيرة في نفسها المستمدة من الثراء الذي تعيش فيه تدرك أكثر من غيرها أن التمسك بالتقاليد لا يعني في أي

حال من الأحوال تخلفاً أو بداءة.. فنجد أن الباشا المصري في أفراح أولاده يقيم حفلات تحييها أم كلثوم أو عبدالوهاب أو غيرهما من مطربي العصر بينما حديثو الثراء اليوم عند زواجهم أو أولادهم يحتفلون في الفنادق الخمس نجوم علي أنغام الموسيقي الراقصة الغربية.

كان الإقطاعي المصري القديم لا يمانع في ارتداء الجلباب في مزرعته وسط فلاحيه بينما يعتبر التاجر أو رجل الأعمال والثري المصري اليوم هذا من قبيل التخلف عن الحياة العصرية.

في نفس الوقت نجد الوزير المصري قبل 1952 كان يخجل من أن يلقي خطاباً بلغة عربي ركيكة أما الآن فنجد أن المسئول الجديد بعد 1952 يدخل في خطابه بعض الكلمات الإنجليزية ويتظاهر بعدم استطاعته العثور علي بديل لها بالعربية.

كان هجوم عبدالناصر علي الغرب ليس مبعثه كراهيته لنمط الحياة الغربي وإنما كان مبعثه مجرد كراهيته للسيطرة الغربية فنجد أنه كلما حقق بعض التقدم في التحرر من هذه السيطرة راح يقلد النموذج الغربي بحذافيره وبقدر ما تسمح به ظروف المجتمع الذي يحكمه.

في السنوات الأولي لحكم عبدالناصر وضع شعارات التنمية ولم يكن يعي أن مفهوم التنمية غير مفهومها الاقتصادي الشائع في الغرب فرفع معدلات النمو وتحول مفهوم النهضة الشاملة علي يده يدور حول المفهوم الاقتصادي الضيق فأصبحت النهضة تقاس بمعدلات الادخار والاستثمار ومتوسط الدخل أو بعدد تلاميذ المدارس وعدد أسرة المستشفيات.

خطب عبدالناصر تحمل نفس مضمون خطب قواد العالم الثالث التي تحررت أو حدثت فيها انقلابات عسكرية مثل مصر حيث تتضمن ما أنجزه التغيير من زيادة معدل الاستثمار وإلي عدد الفدادين المستصلحة إلي عدد المصانع الجديدة التي افتتحها إلي كمية الأسلحة الحديثة التي دعم بها الجيش وكان هذا هو معيار النجاح والفشل في تحقيق نهضة الأمة من وجهة نظرهم.

عزيزي القارئ.. عذراً مرة أخري فقد انطلق مدفع الإفطار وصوت أذان المغرب يملأ المكان.. فإلي لقاء ثالث بإذن الله تعالي.

المنسق العام لحزب الوفد

wafikshitant@yahoo.com