رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عفريتة في قصر العيني

د.وفيق الغيطانى

الخميس, 20 مارس 2014 21:46
بقلم - الدكتور وفيق الغيطاني

 

< أيام الجامعة الجميلة وسن الشباب التي تمتلئ حيوية ومغامرات، والذي منه لا يستطيع الإنسان الحالم الفنان أن يهرب منها.

< الشاب الحالم يتطلع دائما الي المعرفة التي تتخزن في عقله الباطن أما إذا انزلق الي طريق نهر الثقافة وسار علي ضفتيه حدث ولا حرج.. يريد أن يعرف كل شيء ويجرب كل شيء.. وكان سور الأزبكية في الستينات الثراء الثقافي كله وخلق بسببه جيلا عظيما علمنا وتعلمنا منه الكثير.. من يريد المعرفة يذهب الي رصيف سور الأزبكية.. ده زمان!!
< يا خسارة مصر.. كانت زمان أمكنة وبني آدمين من كل جنس وملة ودين.. حياة جميلة محترمة وجدعنة المصري الأصيل وكرمه.. وجمال وعبق التاريخ يتعانقان لتري إبداعات المصري ونتاج كفاحه فترك لنا الآثار الفرعونية والمسيحية والإسلامية واليهودية أنا متعمد أكتبها بغير ترتيبها لأنني أؤمن بالوحدة الوطنية فكلنا أهل كتاب بعيدا عن التطرف والخيانة.
< والله مصر أم الدنيا وشعبها محترم منذ الأمد ولولا ممارسات سيئة طوال 60 عاما مضت لكنا أعظم دولة في العالم بنيلنا وشمسنا وأرضنا وآثارنا وحضارتنا.
< كان لي زميل نائب في طب قصر العيني.. حبيبي.. دعاني أن أقضي معه يوما بليلة داخل قصر العيني لأبات معه في سكن النواب، سكن ممتاز في قصر تحفة في كل شيء حجرات وممرات ودهاليز.
< ده قصر العيني باشا.. أحد أعيان وتجار مصر.. طب إيه اللي خلاه مستشفي علاجي للفقراء وكلية لتعليم الطب.. تعالوا نسمع الحكاية من أولها.. ليلتكم حلوة بعون الله.
< حكاية قصر العيني متداولة مادمت دخلته حتسمعها من أستاذ أو عامل أو ممرضة المهم هي حكاية من حكايات الأساطير المصرية.. قضينا يوما جميلا وسط جميلات قصر العيني في المشرحة والكافتيريا الطالبات والممرضات بصراحة حلوين قوي مش كلهم، كنا بنبحث ونتعرف أهو كله كلام في كلام مرح شباب ولب وسوداني وبيبسي وآيس كريم، يوم جميل وكلام جميل في الطب والسياسة والجمال.
< النهار راح في غمضة عين وركبنا السلم.. نمت علي سرير بجوار سرير صاحبي النائب المحترم أيامها.. سمعت صوت غريب. قلت له يظهر انه في حد معانا بالحجرة بسم الله الرحمن الرحيم.. وقرفصت تحت البطانية وأنا بترعش.
< فوجئت به يستعيذ بالله ويردد اللهم احفظنا.. يا نهار اسود.. أصل أنت مش عارف الحكاية.
< دليلة.. مالها دليلة؟!! يقال إن العيني باشا كان واحدا من أشهر وأغني التجار في زمانه، كان لديه بنت تدعي دليلة بارعة الجمال ذات وجه مشرق كالصباح الفتان وصدر ريان وخصر نحيل يرتاح علي ردفين ثقيلين جل من صورها ومن أبدع.. إيه؟ كل اللي شافها وصفها كده!
< تنافس علي خطبة دليلة المتنافسون ولكن الذي فاز بها فتي وسيم مهذب يدعي الحسيني الأشرف له تجارة رائجة ويمتد نسبه الي سيدنا النبي صلي الله عليه وسلم.
< حاجة جميلة ومحترم قوم الأب وافق وحين سأل دليلة عن رأيها فيه وقفت مبتسمة وقد تضرج وجهها من الخجل.. يا عفريتة أنت شفتيه من خرم الباب.. بنات الأيام دي ماحدش يغلبهن، دا أبوها اللي قال..
< بدأت الزينات وذبح الذبائح كما أن النساء بدأن في إعداد دليلة لعريسها.. ياخواتي نجمل إيه دا هي الجمال نفسه.. خمسة وخميسة يا بت!! المهم في ليلة الحنة تجمع البنات علي الضحك واللعب والمزاج البريء وغير البريء كالعادة.. وقررن اللعب سويا فاختاروا لعبة الاستغماية وقصر العيني كان مناسبا لهذه اللعبة لوجود ممراته وأبهائه الفسيحة ومعابره التي تنفذ كل منها الي الأخري.
< اختبأت دليلة ليلتها وبدأت البنات تبحثن عنها ربع ساعة، نص ساعة، ساعة إلا ربع، وبعد أن مرت الساعة بدأ الجميع يقلق.. اظهري يا دليلة خلاص انت الكسبانة.. كفاية كده!!

يا خبر الهزار انقلب بجد!!
< بدأت البنات تبكي وانطلق المشاعلية والخدم يبحثون عنها في كل مكان داخل وخارج القصر.. كل ليلة.. كل ليلتين ثلاث ليال يا اخويا ورجال الشرطة نازلين بحث عنها وهي لا أثر لها كأنها فص ملح وذاب.. أو أن ملك الجان لما شاف جمالها خطفها لنفسه وذهب بها لسابع أرض أو في أعماق البحار.. يا لطيف.
< قيل في اختفائها ما قيل.. طبعا هو احنا عندنا غير القيل والقال وحواديت الست أم رجب وعم الشناوي الجزمجي.. قالوا إن أعداء أبوها خطفوها ليذلوه.. وقيل يا مصيبتي البت هربت مع عشيقها.. الله أمال وافقت أبيها ليه؟! يا ختي حاجة تحير وتبرجل المخ.. يا عين أمك يا تري عايشة ولا ميتة وانتي زي القمر يا حبيبتي.
< كانت واقفة سوقنا.. كنا يا حميدة بنخاف نمشي جنبها.. ولاد الأبالسة يعاكسوها وكأننا خيال.. مش موجودين.. يا حبيبتي يا رب ترجعي بالسلامة.. هيه سلام عليكم.
< لم تتوقف الألسنة عن مضغ حكاية دليلة واختفائها أما أبوها المسكين العيني باشا فقد عقله وتاه وأصبح يسير ذاهلا عن الوجود فترة حتي قيل إن الراجل خلاص بيموت.
< العيني باشا فاق.. ولكن لم يتكلم كلمة ولم ينطق حرفا واحدا.. ترك قصره وسار علي قدميه حتي وصل الي مسجد الحسين وأخذ يفرق السائل من أمواله علي دراويش المقام.. وكانت فتة فلوس يا صاحبي.. إخوانا إياهم المجاورين بقوا يموتوا بعض علشان اللي يلحق.
< العيني باشا خلع هدومه المحترمة وارتدي شوال وعمامة خضراء وهات يا ذكر ويا زهر وتاه وسط الدراويش.. الله يكون في عونه.. دليلة زهرة حياته راحت واختفت.
< المهم إنه قبل كل ما فات كان أوقف قصره «قصر العيني» وكل ما حوله من مساحة شاسعة لتعليم فنون الطب ولعلاج الفقراء بالمجان.
< شفتم حكاية عفريتة قصر العيني.. لحد النهاردة لغز وتحولت الي أسطورة ولم يعثروا عليها والجميع يؤكد أن روحها لم تفارق المكان.
< استولي علينا الصمت والفزع بعد أن أطفأ صديقي الأنوار.. لم يغمض لي جفن.. شعرت بروحها تملأ المكان.. تسللت علي قدمي ويدي وأخذت متعلقاتي وقلت يا فكيك.. وكملت لبس في الحديقة الواسعة وخرجت وركبت أول تاكسي علي بيتي في الدقي وأنا أنظر خلفي خوفا من أن تتبعني الجميلة دليلة وتبقي مصيبة لأنني ضعيف ومش حقدر أقاوم جمالها وحتاخدني معاها تحت الأرض.. يا ربنا اكفينا شر العفاريت.


المنسق العام لحزب الوفد