لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت

د.وفيق الغيطانى

الجمعة, 03 يناير 2014 00:21
بقلم - دكتور: وفيق الغيطاني

 

< مرت الأيام وكانت مراحل العمر تذخر بالوقفات والصدمات والقفشات والمحاولات والتفاهات والمفاجآت.. كل هذا دعم الليالي بأحلام وأمنيات.. تحقق الكثير منها.. ولم يتحقق الكثير منها أيضا الذي مازال يكمن في قاع العقل الباطن يداعب مشاعري بين لحظة وأخري.

< لم تمنعني شيخوختي التي أتمتع بها الآن من التذكر والحلم والندم أحيانا.. للعلم كل سن لها جمالها وقبحها ومهما كانت المعاناة من أمراض الشيخوخة فالصحبة والتجربة والخبرة والتعليم والثقافة والتفاعل المجتمعي وتراكم الصمت لفترات لكي تسمع وتري وتحلل وتتكشف كل ذلك يخلق شخصية متوازنة المشاعر وقليلة الحديث في الوقت غير المناسب وقليلة الحظ في مجتمع أساسه الفهلوة والنصب والنفاق.
< العقل مختزن بالكثير والمجتمع من حولي يعيش السطحية والهمجية وقلة الأدب وانهيار الذوق العام وتعظم النفاق وفشل التعليم وتدني الثقافة وسطحية الفنون وحركات التسلق والسيطرة المفرطة وتجاهل القيم والمعرفة للحصول علي المكاسب وتحقيق المصالح الشخصية بعيدا عن الأصول والمبادئ واحترام الذات.
< مصر يسكنها الآن مصريون مختلفون عما عشنا بين أيديهم وتحت أقدامهم شامخين رافعي الرؤوس كلنا طموح وحضارة ونبوغ وتنوع وتذوق واحترام للآخر.
< داعبني الحلم مرة تلو الأخري أثناء نومي وكنت أستيقظ سعيدا مبتسما متخيلا أنه يمكن لي أن أحقق هذا الحلم الذي فعلا أحتاجه الآن في هذه المرحلة الحرجة من العمر.. فأنا أؤمن بالحياة مادمت قادرا علي السير والتذكر والتذوق والتنوع والتفاعل مع الجديد حولي في حدود مبادئي.
< أما أحلام اليقظة فحدث ولا حرج تنبهت أنها ارتبطت بخيوط غير مباشرة بل مباشرة أيضا بحلم نومي الذي لا يغيب ليلة واحدة عن وسادتي الخالية التي أجدها دائما تحتضن أحلامي التي تذوب بين مداعبات الحواس أثناء غطيس نوم العواجيز المتقطع دائما.
< وسط هذا الخضم من الأحلام أثناء النوم وبين الحين والآخر سارقا أوقاتا مختلفة من يقظتي تجمعت أفكاري حول ما عشته وما انتهيت اليه فقررت أن أخط خطا أحمر علي ما فات بما فيه من قبح وجمال ويكني وجدت شعاع الحياة الذي يسري بين ضلوعي مازال يسطع بنوره، فأنا كما قلت أحيا مادمت أحيا وأعيش مادمت أتنفس وأستمتع بما في مخزوني الفكري من وسائل متعددة للتذوق والانسجام، فالجمال أساس الحياة عندي في كل شيء حارة، ميدان، كلمة، لحن، فعل، عيون، رحمة، وفاء، نظرة، عبادة، حب.
< ماذا يجري.. أيام غريبة مزقتني.. جعلتني ألهث

حتي تحقق فيها أحد أحلامي وكانت المفاجأة.. الحلم أصبح حقيقة.. وعشت اللحظة ثم هربت وهربت بعيدا ولكني عدت وعدت سريعا، وكانت مشاعري تلهب اللهب من كثرة الشوق والحب ومحاولة الوصول الي نهاية المطاق ساكنا هادئا هانئا وصولا للحظة لا يعرف ميعادها إلا الله سبحانه وتعالي.
< سعدت جدا بحلمي المتوازن المتناسق الخجول المؤدب المهذب الطموح القوي.. حلم سيطر علينا وأخذنا وسبحنا به في بحور بلا شواطئ حتي قيل لي إنني أغوص وأغوص في قاع لا نهاية له من السعادة وتصورت أن أيامي الباقية ستكون أجمل مما قبلها التي رسمت خطا أحمرا بعدها.
< عشت اللحظة بمشاعر المراهق الحذر لألأ.. العاقل المتزن.. لألأ العاشق المتيم.. عاشق الروح.. فعلا روح الحضارة روح النهر الخالد، روح أبوالهول، روح بهية، روح الطين وطينة الساقية روح فرحة النورس بصيد البحر الثمين وروح أمواج البحر المتعاقبة التي لا تنتهي.
< قلبي يقفز من صدري.. وصدري يئن بداء ورنين المتلهف، وعقلي يبحث بين مخزونه عبارات المتعة والفرحة وطعم العسل الأبيض ورائحة البنفسج وصوت الكروان وأبوفصادة ولون القمح وبياض القطن وزقزقة العصفور وغطمة الهدهد وصهيل الخيل وصرير صرصار الغيط ونهار شمس الأصيل علي ماء الترعة وصوت الشادوف وأنين السواقي وهي تنعي ما وصلت اليه مصر.
< حبيبتي يا.. مصر.. جرح ملأ كياني وجعلني أحلم وأحلم وأحلم.. وأحب وأحب وأحب.. فأنا العجوز الصامت ها هو يحلم ويلهث ويتلمس الخطي بجهد جهيد متكئا علي عكاز هش، عقلي وقلبي يصر علي تحقيق الحلم الذي ضاع وانقطع صوته ولم يعد رنين التليفون يملأ حياتي حيث يدفعني مسرعا متعثرا في كل شيء أمامي لكي أسمع صوتا.. يا له من صوت طالما يداعب أذني من خلال وسادتي الخالية أو عقلي الباطن في يقظتي وأنا أناجي أيامي وتجربتي التي ذهبت.. ذهبت مع أيام عمري بين حزن وألم وضحك وفرح ولهفة لغد أفضل ومستقبل باهر لحبيبة سيطرت علي كياني وتركت كل شيء وأهملت كل شيء وأنا أحاول جاهدا جهرا وسرا وبصوت مكتوم أحاول أن أنهض بها، ولكن ذئاب الجبل والحضر تحوم وتحوم وتقتل في كل شيء يحاول أن يوقظنا من نومنا المريض نوم غطيس تائه في أعماق بحار التخلف والجوع والمرض.. فهل يحق لي أن أقول لو كنت أعرف خاتمتي ما كنت بدأت؟!

دكتور وفيق الغيطاني
المنسق العام لحزب الوفد